- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4207
إعادة بناء مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية: مصلحة مشتركة للفلسطينيين والإسرائيليين
إذا جرى تنسيق عملية إعادة الإعمار بصورة صحيحة، فإن إعادة بناء المخيمات الشمالية التي دُمِّرت خلال عملية "جدار الحديد" — وإعادة التفكير في طبيعتها — قد يُحسِّن أوضاع اللاجئين، ويُقلِّص النشاط المسلح، ويُفرز نقطة تقاطع نادرة بين مصالح إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
مضى أكثر من عام على عملية "جدار الحديد" الإسرائيلية في شمال الضفة الغربية، وما زالت مخيمات اللاجئين هناك تعاني الخراب وتفتقر إلى أي بنية تحتية مدنية قابلة للاستمرار. هذا الواقع يستدعي إعادة تقييم شاملة لمستقبل مخيمات الضفة، بهدف تحويلها من فضاءات مكتظة تعصف بها الفقر وضعف الحوكمة والنشاط المسلح، إلى أحياء حضرية مستقرة توفر ظروفاً معيشية أفضل.
المبررات والتداعيات
انطلقت عملية "جدار الحديد" في الحادي والعشرين من كانون الثاني/يناير 2025، وقد وُصفت رسمياً بأنها جهد لاجتثاث البنية التحتية الإرهابية. وبحسب المسؤولين الإسرائيليين، شكَّلت تحولاً في عقيدة مكافحة الإرهاب من السياسة التفاعلية القائمة على "جز العشب" نحو استراتيجية استباقية تقوم على "إعادة تشكيل الفضاء"، أي السعي إلى تغيير الأوضاع الجغرافية والديموغرافية بما يحول دون إعادة بناء معاقل مسلحة راسخة.
وكان من أبرز ملامح هذه السياسة إخلاء جميع سكان المخيمات — الذين تُقدِّرهم مصادر أممية بنحو 33,000 شخص، وهو رقم لا تعترض عليه إسرائيل — ومنع عودتهم بعد انتهاء العمليات القتالية الفعلية. وتُشير بيانات الوكالات الأممية والمنظمات الحقوقية الإسرائيلية إلى هدم ما يزيد على 1,450 مبنى، شملت معظم المنازل والمرافق العامة. فضلاً عن ذلك، جرى تفكيك شبكات الطرق الداخلية، وسدّ مسالك الوصول، وتدمير البنية التحتية الحيوية إلى حد بعيد، من بينها نحو ثلاثة عشر كيلومتراً من خطوط الصرف الصحي، وأربعة كيلومترات من قنوات تصريف مياه الأمطار، ومئات من آبار الصرف، إضافة إلى بنية كهربائية جوهرية كمحطات التحويل وخطوط الكهرباء.
وتتسم مخيمات اللاجئين تاريخياً بنشاط مسلح واسع، يعود ذلك إلى كثافتها العمرانية وهشاشة أوضاعها الاقتصادية، وقصور وصول قوات الأمن الإسرائيلية إليها، وغياب سيطرة السلطة الفلسطينية الكاملة، وتغلغل الفصائل المسلحة داخل المدنيين. لذا ترى إسرائيل أن تقليص القيود العملياتية التي تفرضها هذه البيئات ضرورة حتمية لتحقيق الأمن والاستقرار على المدى البعيد. في المقابل، يرى فاعلون دوليون وشرائح من المجتمع المدني الإسرائيلي أن هذه السياسة تعكس ليس الاعتبارات الأمنية وحسب، بل أهدافاً سياسية وجغرافية أشمل تتصل بالسيطرة طويلة الأمد. ويأخذ المنتقدون على القدس أنها لم تقدم أي تفسير مفصَّل لمصطلح "إعادة تشكيل الفضاء"، ولم تضع أهدافاً محددة أو جداول زمنية واضحة، وهو ما يُتيح في نظرهم إطالة أمد التأخير في عودة السكان.
منذ انتهاء العملية، ظلت المخيمات في معظمها موحشة خالية من السكان؛ إذ صنّفها الجيش الإسرائيلي مناطق عسكرية مغلقة، كما أن انعدام البنية التحتية الأساسية يجعل العودة أمراً متعذراً. وانتشر النازحون في البلدات والقرى المجاورة عبر روابط عائلية أو ترتيبات إيجارية أو مأوى مؤقت في مبانٍ عامة. وتوفر السلطة الفلسطينية والمنظمات الدولية مساعدات إنسانية متقطعة، غير أن المجتمعات المضيفة باتت تُعاني تصاعد الضغط جراء تزايد الأعباء السكانية.
لم تضطلع إسرائيل بأي عملية إعادة إعمار تتجاوز إزالة الأنقاض، ولا تنوي تمويل إعادة البناء بصورة مباشرة وفق ما نقله مسؤولون رفيعو المستوى لوسائل الإعلام الإسرائيلية. وبدلاً من ذلك، تسعى القدس إلى ربط الإعمار بإطار تفاوضي يضم السلطة الفلسطينية والأطراف الدولية، يشترط تأخير عودة السكان حتى استيفاء الشروط التالية:
- استكمال جميع إجراءات "إعادة تشكيل الفضاء" التي تراها إسرائيل ضرورية.
- التنسيق الكامل لمشاريع البنية التحتية مع الجيش الإسرائيلي لضمان حرية الحركة العملياتية لقواته، بما يشمل مدّ شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي تحت الأرض.
- تعهد السلطة الفلسطينية بتحمّل المسؤولية المدنية الكاملة، بما فيها الإنفاذ الأمني.
وتتمسك إسرائيل باستثناء المنظمات الدولية من العمل في المخيمات، ولا سيما وكالة أونروا. وهذا يعكس خلافاً سياسياً أعمق: تسعى إسرائيل إلى إعادة تصنيف المخيمات أحياءً حضرية عادية، وبذلك تُذيب وضعها الاستثنائي ورمزيته، في حين تتمسك السلطة الفلسطينية بالحفاظ على هويتها بوصفها مخيمات للاجئين حتى لو خضعت لإعادة التأهيل.
أما الموقف الرسمي للسلطة الفلسطينية — المُعبَّر عنه في بيان صدر في السادس من أيار/مايو 2025، ولخَّصته وكالة وفا — فيؤكد الالتزام الكامل بإعادة إعمار المخيمات وتأهيلها بدعم دولي وإقليمي، ويُؤطِّر مسعى إسرائيل لإقصاء الأونروا باعتباره جزءاً من مخطط أشمل لتفكيك المخيمات وتقويض قضية اللاجئين. غير أنه لا يوجد موقف رسمي فلسطيني صريح يربط الإعمار ببقاء الأونروا، مما قد يفتح مجالاً للتوصل إلى حل وسط.
حتى الآن، لا تتوفر تقديرات موثوقة لتكاليف إعادة الإعمار من مؤسسات دولية كبرى، نظراً لتقييد الوصول إلى المخيمات. بيد أن التقديرات غير الرسمية المستندة إلى حالات مشابهة — كغزة وإعادة الإعمار السابقة في جنين — تتراوح بين 100 و300 مليون دولار.
التوصيات
على الرغم من التحديات الإنسانية والسياسية الجسيمة، تنطوي الأوضاع في مخيمات شمال الضفة الغربية على فرصة نادرة للتحول الهيكلي. فإعادة بناء المخيمات أحياءً حضرية فاعلة — ببنية تحتية حديثة وخدمات منظمة وإدارة احترافية — من شأنها تحسين أوضاع النازحين، وتخفيف الضغط عن المجتمعات المجاورة، والحدّ من عودة ظهور الجماعات المسلحة.
في الوقت ذاته، يمكن أن تكون هذه العملية دافعاً لتعزيز حوكمة السلطة الفلسطينية؛ إذ إن قيادة ناجعة لإعادة الإعمار وتوفير الخدمات وضبط الأمن الداخلي ستُثبت قدرة مؤسسية أمام الجمهور الداخلي والمجتمع الدولي على حد سواء، وستعزز شرعية السلطة، وقد تُرسّخ مكانتها بوصفها بديلاً مدنياً موثوقاً للحوكمة في غزة على المدى البعيد.
لتحقيق ذلك، لا بد من إطار تنفيذي منظَّم يقضي بأن تضع إسرائيل صورة واضحة للحالة النهائية لـ"إعادة تشكيل الفضاء"، وتُحدد جدولاً زمنياً مرحلياً لعودة المدنيين، وتُقرّ مخططات عمرانية تُدمج متطلبات الأمن، وتُيسِّر آليات تمويل دولية. كما يستلزم الأمر تحويل الوضع القانوني للمنطقة من السيطرة الإسرائيلية المباشرة إلى السيطرة الفلسطينية مع استمرار التعاون الأمني بين الطرفين.
ومن جانبها، تحتاج السلطة الفلسطينية إلى تحمّل المسؤولية المدنية الكاملة في المخيمات، شاملةً الإدارة البلدية وتقديم الخدمات والإنفاذ الأمني لمنع إعادة التسليح، فضلاً عن إرساء آليات مالية شفافة لإدارة أموال الإعمار، وإبداء الاستعداد لدمج المخيمات في المنظومة الحضرية الأوسع للضفة الغربية.
علاوة على ذلك، تستلزم أي جهود إعمار فاعلة وموثوقة وضع إطار تمويلي متماسك يكفل الشفافية والقدرة على التنبؤ وثقة المانحين. والنموذج الأنسب من الناحية العملية هو صندوق ائتمان متعدد المانحين يُدار من قِبل مؤسسة مالية دولية كالبنك الدولي، يضم المساهمات ويوحّد الإشراف عليها. وينبغي أن يكون تمويل الأطراف الرئيسية — بما فيها الاتحاد الأوروبي ودول الخليج وشركاء إقليميون آخرون — مشروطاً بمعايير حوكمة واضحة وتقدم ملموس وقابل للقياس في البنية التحتية والأمن وتوفير الخدمات. وتُصرَف الأموال وفق مبدأ الأداء، أي حين تُستوفى معالم محددة وموثقة، للحد من مخاطر الفساد وضمان المساءلة. وفي سياق موازٍ، تُعدّ حزم المساعدة التقنية ضرورية لتعزيز قدرة السلطة الفلسطينية في مجالات التخطيط الحضري والمشتريات والإدارة المالية.
خيار آخر جدير بالدراسة هو تكليف "مجلس السلام" بالإشراف على إعادة إعمار مخيمات اللاجئين؛ فولاية المجلس لا تقتصر على غزة، وكون الولايات المتحدة ترأسه سيجعل كلاً من إسرائيل والسلطة الفلسطينية يُحجمان عن معارضة انخراطه في الإعمار بالضفة الغربية. ومن منظور إدارة ترامب، يُتيح هذا الترتيب إنجازاً سياسياً ملموساً في وقت يسير فيه تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام لغزة ببطء. وقد يسهم هذا المسار أيضاً في استقطاب مزيد من التمويل؛ إذ يمكن لواشنطن توجيه عائدات الضرائب الفلسطينية التي تحتجزها إسرائيل نحو آلية تمويل يديرها مجلس السلام. ولو خُصِّصت هذه الأموال لمشاريع في الضفة الغربية لا في غزة، فربما وجدت السلطة في مثل هذا الترتيب قبولاً أيسر، فيما سيجد الجانب الإسرائيلي صعوبة في الاعتراض على الإفراج عن أموال لمبادرة بقيادة أمريكية.
الخلاصة
طالما كانت مخيمات اللاجئين من أكثر الملفات رمزية وحساسية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، غير أنها في ظل الأوضاع الراهنة قد تتحول إلى ساحة عملية لتلاقٍ محدود بين المصالح. فالتخطيط المنسَّق والتمويل الدولي وتقسيم واضح للمهام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية كفيل بتحويل هذه الفضاءات المفككة غير المستقرة إلى أحياء حضرية منظمة تخدم الاحتياجات الأمنية والمدنية معاً.
بالنسبة إلى السلطة الفلسطينية، ستمنحها إعادة الإعمار الناجحة فرصة إثبات حوكمة فاعلة في مناطق كانت تفتقر إليها، مما يعزز شرعيتها الشعبية. وبالنسبة إلى إسرائيل، يُفضي هذا النهج إلى الحدّ من ترسخ الفصائل المسلحة وتكريس بيئة أمنية أكثر استقراراً وقدرة على التنبؤ.
وقد تشمل هذه العملية تراجعاً تدريجياً عن الاعتماد على الأونروا، لتُشكِّل بذلك الاختبار الحقيقي الأول لإمكانية تنفيذ إعادة إعمار واسعة النطاق لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين من دون الوكالة. وسيكون لذلك انعكاسات بالغة على المساعي المستقبلية في غزة وفي الدول العربية التي تضم مخيمات فلسطينية.
وبما أن إعادة إطلاق العملية السياسية الإسرائيلية الفلسطينية تبدو بعيدة المنال في المستقبل المنظور، وأن أي تحولات هيكلية شاملة في الضفة الغربية تظل احتمالاً نائياً، تبقى مخيمات اللاجئين من القضايا القليلة التي قد تتلاقى فيها المصالح العملية للطرفين بما يكفي لإفراز حل واقعي. وعلى المدى البعيد، قد يُفضي ذلك إلى تحول مفاهيمي في مقاربات حل الصراع، ويمهّد الطريق لتغييرات هيكلية أوسع.