- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4236
300 مليار دولار لإيران؟ لا تتوقعوا تأثيراً كبيراً
من غير المرجح أن تتحقق معظم المكاسب المالية المتوقعة التي تتحدث عنها مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، كما يُستبعد أن تفضي إلى تأثير اقتصادي أو سياسي ملموس داخل الجمهورية الإسلامية.
ولأسباب عديدة، يبالغ كثير من المراقبين والمسؤولين في تقدير الآثار المحتملة لخطة إعادة الإعمار والتنمية، البالغة قيمتها 300 مليار دولار أمريكي، التي نصت عليها مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران الصادرة الشهر الماضي. إلا أن النتائج الفعلية يُرجح أن تكون محدودة للغاية، لأن جميع العقبات السياسية والاقتصادية التي أعاقت تدفق الاستثمارات الكبرى إلى إيران في السابق لا تزال قائمة حتى الآن.
لماذا ظل الاستثمار الأجنبي محدوداً إلى هذا الحد؟
يكمن السبب الرئيس في أن هذه الخطط الطموحة تصطدم باستمرار ببيئة أعمال غير مواتية في الجمهورية الإسلامية. وأفضل معيار لقياس هذه البيئة هو سؤال بسيط: هل يقبل المستثمرون الأجانب على اغتنام الفرص التجارية المتاحة في إيران؟ ويقدم السجل الفعلي إجابة واضحة: كلا.
فعلى سبيل المثال، على الرغم من تعهد بكين باستثمار 400 مليار دولار في إيران بموجب اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة الموقعة عام 2021، فإن حجم الاستثمارات التجارية الفعلية لم يتجاوز 1فى المئة من هذا المبلغ، في تناقض واضح مع مشاريع البنية التحتية الصينية الضخمة التي نُفذت منذ ذلك الحين. وبالمثل، لم تضخ المملكة العربية السعودية استثمارات كبيرة في إيران منذ اتفاق المصالحة المبرم في آذار/مارس 2023، رغم إعلانها آنذاك نيتها القيام بذلك. ولم يكن أداء الاتفاق النووي لعام 2015، الذي توسطت الولايات المتحدة في إبرامه، أفضل حالاً؛ فعلى خلاف توقعات كثير من المسؤولين الإيرانيين والأمريكيين، اقتصر أثره على زيادات متواضعة في الاستثمار الأجنبي.
أسباب هذه القصور عديدة:
ترسخ نفوذ "الحرس الثوري الإسلامي". فقد عزز "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني نفوذه الواسع أصلاً ليشمل مختلف جوانب صنع القرار الحكومي، بما في ذلك القرارات الاقتصادية. وقد يرى البعض أن هذه المشكلة لم تعد تمثل عائقاً كبيراً أمام المستثمرين كما كانت في السابق، مستشهدين بانتقال ملكية العديد من الشركات الإيرانية من الحكومة إلى كيانات شبه حكومية خلال العقد الماضي. غير أن هذا التحول لم يغيّر الواقع؛ إذ لا يزال "الحرس الثوري الإسلامي" يبسط سيطرته، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على جزء كبير من الاقتصاد الإيراني.
غموض الملكية. تبرز عقبة أخرى تتمثل في غياب الوضوح بشأن الجهات التي تتخذ القرارات الفعلية في عدد كبير من الشركات الإيرانية، إذ غالباً ما تكون الملكية الاسمية في أيدي صناديق استثمارية تخضع لنفوذ مصالح مرتبطة بـ"الحرس الثوري الإسلامي"، أو كيانات حكومية تعمل بواجهات مختلفة، مثل صناديق التقاعد التي تخدم مصالح الدولة أكثر مما تخدم المتقاعدين. ويؤدي هذا الغموض بشأن هوية المالكين المستفيدين الحقيقيين إلى مشكلات جوهرية في ظل العقوبات الأمريكية الحالية، التي تحظر التعامل مع الكيانات التي يسيطر عليها "الحرس الثوري الإسلامي". وحتى إذا عدّلت واشنطن هذه القيود مستقبلاً، فمن المرجح أن يظل المستثمرون مترددين في ضخ أموالهم في شركات تفتقر إلى الشفافية. وعلاوة على ذلك، لا تتوافق الممارسات المحاسبية في كثير من هذه الكيانات مع المعايير الدولية أو الأمريكية، مما يصعّب تقييم أرباحها الحقيقية أو تحديد الجهات التي تستفيد منها.
الفساد المنهجي . لا يقتصر الأمر على قضايا الاختلاس التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، والتي بلغت قيمتها مليارات الدولارات، بل إن الفساد أصبح سمة متجذرة في التعاملات مع المسؤولين الإيرانيين على مختلف المستويات. ورغم أن إدارة ترامب أبدت اهتماماً أقل من الإدارات السابقة بتطبيق "قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة"، فإن العديد من الشركات لا تزال ترى أن ممارسة الأعمال في الجمهورية الإسلامية تنطوي على مخاطر كبيرة، بغض النظر عن مستوى التشدد الأمريكي في تطبيق القانون. وفضلاً عن المخاطر الجسيمة التي قد تلحق بسمعتها إذا بدا أنها متورطة في ممارسات فساد، فإن الاضطرار إلى دفع الرشاوى للمسؤولين الفاسدين قد يلتهم جانبًا كبيراً من الأرباح المحتملة لأي استثمار.
السياسات الاقتصادية غير الرشيدة. اندلعت موجة الاحتجاجات الشعبية في إيران في كانون الثاني/ نتيجة تراكم سلسلة من الإخفاقات الحكومية، شملت معدل تضخم تجاوز 60 في المئة سنوياً، وانقطاعات متكررة وغير معلنة للتيار الكهربائي، وتحذيرات متزايدة من أن أزمة المياه قد تضطر السلطات إلى إخلاء العاصمة بأكملها، وعجزاً في إمدادات الغاز الطبيعي أجبر العديد من الصناعات على وقف نشاطها، إضافة إلى تلوث هواء بلغ مستويات دفعت العديد من المدارس إلى الإغلاق لأكثر من 100 يوم سنوياً، فضلاً عن طوابير طويلة ومزمنة للحصول على البنزين، وذلك رغم إنفاق الحكومة نحو6 مليارات دولار سنوياً على واردات الوقود، واستمرارها في دعم أسعار البنزين بصورة تشجع على تهريب كميات ضخمة منه إلى الدول المجاورة. وفي ظل هذه الظروف، يصعب تصور أن يتمكن أي مستثمر من تحقيق عائد مجزٍ من مشروع تجاري، في وقت لا يستطيع فيه التأكد من توافر الكهرباء أو الغاز أو المياه، أو حتى من أن تلوث الهواء لن يؤدي إلى تعطيل النشاط الاقتصادي.
المعارضة الأيديولوجية للاستثمار الأجنبي . حتى بعد مرور خمسة عقود على تأسيس الجمهورية الإسلامية، لا تزال الاعتبارات الأيديولوجية تلقي بظلالها على كل معاملة مع الحكومة. فقد دأب التيار الأيديولوجي داخل النظام على انتقاد كل من يدعو إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية من خلال تخفيف العقوبات وتوسيع إمكانية الوصول إلى التمويل، متهماً إياه بالتفريط في "المبادئ الثورية" والمراهنة بصورة مفرطة على الغرب الذي لا يستحق الثقة.
إنكار الحاجة إلى إصلاح بيئة الأعمال. يروج المسؤولون الإيرانيون باستمرار لفكرة أن السوق الإيرانية جاذبة بطبيعتها، وأن إزالة القيود الأمريكية وحدها كفيلة باستقطاب الشركات الأجنبية. وانطلاقاً من هذا التصور، يؤكد رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ومسؤولون كبار آخرون أن أولوية طهران يجب أن تكون تحسين أداء الاقتصاد، من دون أن يطرحوا أي إجراءات ملموسة يمكن للحكومة اتخاذها لتهيئة بيئة أكثر جاذبية للاستثمار الأجنبي. وفي الوقت نفسه، تعكس معظم التعليقات المتداولة داخل إيران بشأن خطة الـ300 مليار دولار تصوراً مفاده أن هذه الأموال ستكون بمثابة صندوق تمويل متاح للحكومة تتصرف فيه كيفما تشاء، من دون أي نقاش جدي بشأن الإصلاحات التي يتعين عليها تنفيذها لاستقطاب المستثمرين الأجانب.
دلالات تغيير النهج الاقتصادي الإيراني
صرح بعض مسؤولي إدارة ترامب أن مذكرة التفاهم قد تدفع طهران إلى تبني إصلاحات اقتصادية. لكن ما المؤشرات التي يمكن أن تدل على حدوث مثل هذا التحول؟ قد يتمثل أحد أبرز هذه المؤشرات في اتخاذ إيران خطوات لجعل أنظمتها المالية متوافقة مع المعايير التنظيمية الدولية الخاصة بالإشراف المصرفي مثل اتفاقيات "بازل"، ومكافحة التهرب الضريبي، وتعزيز شفافية الحسابات وهياكل الملكية، وغيرها من المعايير ذات الصلة. كما أبدى بعض المسؤولين في طهران اهتماماً بإنهاء إدراج إيران على القائمة السوداء لـ"فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية" (FATF)، إذ إن هذا التصنيف حدّ بصورة كبيرة من قدرة البنوك الإيرانية على الوصول إلى الأسواق المالية العالمية. ومع ذلك، عارض التيار المتشدد بشدة حتى إجراءات الامتثال المحدودة التي تطلبها "فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية"، رغم أن المنظمة قد تكتفي، على الأرجح، بتعهدات شكلية لا تبذل الحكومة جهداً حقيقياً لتنفيذها.
وربما يكون إحكام "الحرس الثوري الإسلامي" سيطرته على مفاصل الاقتصاد خلال الحرب قد خفف من مخاوفه من أن تمثل الشركات الخاصة تهديداً سياسياً لسلطته، مما قد يدفعه إلى إبداء قدر أكبر من الاستعداد لإجراء إصلاحات تستقطب الاستثمار الأجنبي وتعود بالنفع عليه وعلى الدائرة المقربة منه. غير أن أي مؤشرات ملموسة على حدوث مثل هذا التحول لم تظهر حتى الآن.
وعلاوة على ذلك، قد تلجأ بعض دول الخليج إلى إطلاق إعلانات طموحة بشأن حجم الاستثمارات التي تعتزم ضخها في إيران في مرحلة ما بعد الحرب. إلا أن مثل هذه التعهدات تستحق قدراً مماثلاً من التشكيك، إن لم يكن أكبر، من ذلك الذي أُحيطت به التعهدات التي أُعلنت خلال جولة الرئيس ترامب في الخليج في أيار/مايو 2025، عندما أعلن مسؤولون سعوديون وإماراتيون وقطريون عزمهم استثمار تريليوني دولار في الولايات المتحدة، في حين لم يتحقق سوى جزء محدود من تلك الوعود بعد مرور أكثر من عام. ويبدو أن تلك التعهدات كانت تستهدف تحقيق أثر سياسي وإعلامي فوري أكثر من كونها التزامات قابلة للتنفيذ، ومن المرجح أن ينطبق الأمر نفسه على أي إعلانات إقليمية بشأن الاستثمار في إيران.
الخلاصة
في ضوء سجل الإخفاقات المتكرر في تحفيز إصلاحات اقتصادية داخل الجمهورية الإسلامية، ينبغي للحكومة الأمريكية تصميم خطة الـ300 مليار دولار بحيث تربط تنفيذها بخطوات مبكرة وملموسة يتعين على طهران اتخاذها لتحسين بيئة الأعمال لديها. وعلى أقل تقدير، ينبغي إلزام إيران بالوفاء بالتزاماتها الدولية تجاه "فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية" وغيرها من الهيئات التنظيمية ذات الصلة. كما ينبغي على واشنطن أن تبعث برسالة واضحة مفادها أن مجتمع الأعمال الغربي لن يعيد النظر في عزوفه عن السوق الإيرانية ما لم يعالج النظام التحديات الأخرى المذكورة آنفاً، وفي مقدمتها الفساد، وغموض هياكل الملكية، والموقف الأيديولوجي المعادي للاستثمار الأجنبي. وحتى في السيناريو المستبعد الذي تقدم فيه طهران على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة في قطاع الأعمال، فستظل الولايات المتحدة وشركاؤها أمام معضلة سياسية تتمثل فيما إذا كان ينبغي المضي في التطبيع الاقتصادي، ولا سيما إذا لم تترافق الإصلاحات الاقتصادية مع تحولات جوهرية مماثلة في ملفات حيوية مثل البرنامج النووي، وبرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، وحقوق الإنسان، وموقف النظام من وجود إسرائيل.