- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4233
14 نقطة حول الـ 14 نقطة: تقييم الاتفاق الإطاري الإسرائيلي اللبناني
تتيح هذه الوثيقة التاريخية فرصةً لا تتكرر إلا مرةً في الجيل لبناء سلام حقيقي بين بيروت والقدس، غير أن التقدّم لا بد أن يكون سريعاً وملموساً في ظل ما تمثّله إيران وحلفاؤها المحليون من تهديدٍ بمعارضةٍ عنيفة.
بعد بدايةٍ متعثّرة لجولتهما الخامسة من المفاوضات، وتأخّرٍ دام ساعاتٍ قبل حفل الختام، وقّع لبنان وإسرائيل في خاتمة المطاف «اتفاقاً إطارياً» في 26 حزيران/يونيو، فتجاوزا بذلك إلى حدٍّ بعيد «بيان النوايا» الذي كان منتظَراً أن يُقرّاه. وهو أول اتفاق بين الجارتين منذ اتفاق السلام القصير الأمد في أيار/مايو 1983، بل لعله الأهم منذ اتفاق الهدنة بينهما قبل سبعةٍ وسبعين عاماً، بالنظر إلى اتساع نطاقه وعلوّ طموحه وما قد يترتب عليه من تداعيات.
يأتي نص الاتفاق موزّعاً على أربع عشرة نقطة، في بنيةٍ لا تستعيد صدى مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية الأخيرة فحسب، بل تبدو مقصودةً لتقديم مسارٍ بديل لتلك المذكرة في مقاربة المسألة اللبنانية. وفي ما يلي أربع عشرة ملاحظة على تلك النقاط الأربع عشرة:
1. نشأ مصطلح «الاتفاق الإطاري» عام 1978 لوصف شطرَي «اتفاقيات كامب ديفيد» الأصلية، اللذين تطوّر أحدهما إلى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 (أما الشطر الآخر، المتعلق بالقضية الفلسطينية، فلم يُكتب له النجاح). والعبارة توحي بخطوةٍ كبيرة إلى الأمام، وإن لم تكن خطوةً حاسمة. فقد خرجت جولات المحادثات الأربع السابقة ببياناتٍ تتفاوت في دقّة تفاصيلها، غير أن المرجّح أن يستأثر تنفيذ الاتفاق الإطاري الجديد بصدارة الدبلوماسية الإسرائيلية اللبنانية في المدى المنظور.
2. صحيحٌ أن التقارير الإعلامية انصبّت على تفاصيل نزع سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي وإنشاء «مناطق تجريبية» لانتشار الجيش اللبناني، لكن يجدر التنبّه إلى أن الهدف الاستراتيجي الجوهري للاتفاق إنما هو إرساء السلام بين البلدين. فقد تردّدت كلمتا «السلام» و«السلمي» عشر مرات في النص، إذ تُلزم الفقرة 12 الطرفين بالشروع فوراً في إنشاء «مجموعات عمل لصياغة اتفاق السلام والأمن الشامل والكامل». وبذلك يُطوى أي سجال لبناني داخلي حول ما إذا كان في وسع بيروت أن تكتفي بأهدافٍ أضيق لهذه الدبلوماسية، كتجديد الهدنة الثنائية أو بلوغ صيغةٍ ما من اتفاق عدم الاعتداء. فالهدف بات جلياً اليوم: السلام الكامل.
3. من اللافت أن يلجأ الاتفاق إلى عبارة «لا رجعة فيه»، وهي من أقوى التعابير في المجال الدبلوماسي ولم يسبق أن استُخدمت في أي اتفاق سلام عربي إسرائيلي. ومع ذلك ترد مرتين هنا، وفي سياقين متباينين كل التباين: فالفقرة 1 تنص على أن «هذا الإطار... يعبّر عن العزم على إحراز تقدّم لا رجعة فيه نحو التسوية الشاملة لجميع القضايا بين البلدين»، فيما تنص الفقرة 4 على أن «حكومة لبنان تؤكد من جديد التزامها الحازم الذي لا رجعة فيه باستعادة السيادة الكاملة على كامل أراضيها وممارستها». وفي هذا التلازم اللفظي ما يُبرز الصلة الحاسمة بين تمسّك لبنان بسيادته الكاملة وهدف صنع السلام مع إسرائيل.
4. يشوب النص شيءٌ من التناقض في ما إذا كان اتفاقاً ثلاثياً أم اتفاقاً ثنائياً أُنجز بدعم أمريكي. فعنوانه الرسمي «الإطار الثلاثي» يوحي بأن الولايات المتحدة شريك متكافئ، بينما تذكر الفقرة 1 أن «كلا البلدين يؤكدان عزمهما على حل [جميع] القضايا بوصفهما دولتين ذواتَي سيادة عبر مفاوضات ثنائية مباشرة، بوساطة الولايات المتحدة ودعمها». ومهما يكن وجه حسم الدبلوماسيين لهذه المسألة، فإن بقية الالتزامات الكثيرة في الاتفاق تُجلّي أن دور أمريكا لا غنى عنه، من التفاوض إلى التنفيذ إلى الذود عن العملية في وجه خصومها (انظر النقطة 11 أدناه).
5. السلام هو الغاية النهائية، لكن الطريق إليه يمر عبر تطبيق المبدأ التنفيذي الجوهري الذي ترسمه الفقرة 2، وهو أن كلتا الحكومتين «تلتزمان بعملية متبادلة ومتدرجة، ذات شروط واضحة، يستعيد بموجبها الجيش اللبناني السلطة السيادية الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية، رهناً بنزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية على نحو مُتحقَّق منه وتفكيك البنية التحتية المرتبطة بها، بما يتيح لجيش الدفاع الإسرائيلي أن ينتشر تدريجياً خارج الأراضي اللبنانية». تلك هي الصفقة الجوهرية في قلب الاتفاق: فكلما أوفى الجيش اللبناني بالتزامه بالانتشار في مناطق بعينها، ونزع سلاح حزب الله وفكّك بنيته ومنع إعادة تجمّعه فيها، تخلّى جيش الدفاع الإسرائيلي عن السيطرة وغادر، ليُسمح بعدها للمدنيين اللبنانيين بالعودة تحت سيطرة لبنانية «حصرية». ولا جدول زمنياً محدداً لهذه العملية، لكن تسلسلها واضح كل الوضوح؛ فالانسحاب الإسرائيلي ليس تلقائياً ولا مفترَضاً، ولا يطالب لبنان بانسحابٍ فوري غير مشروط، بل يُنظر إلى إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي بوصفها عمليةً متدحرجة يحكم إيقاعَها ونطاقَها إيقاعُ جهود الجيش اللبناني ونطاقُها. وكما ينص الاتفاق، فإن «التنفيذ الناجح» وحده هو ما سيتيح لجيش الدفاع الإسرائيلي أن يغادر.
6. لا يعرّف الاتفاق «نزع السلاح» ولا «التفكيك»، غير أن المصطلحين يجدان شرحهما على النحو الآتي في الملحق الأمني الذي وردت تفاصيله لاحقاً: «اتخاذ تدابير قانونية بحق جميع الأفراد المسلحين غير الحكوميين المنخرطين في نشاط غير مأذون به، وتدمير البنية التحتية المرتبطة بهم أو جعلها غير صالحة للعمل، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر الأسلحة ومخازن الأسلحة والأنفاق ومراكز القيادة، من جانب تلك الجماعات المسلحة غير الحكومية». ومع مضيّ العملية، يَهمّ أن نراقب هل يمتد التفكيك ليطال مصانع أسلحة حزب الله ومنشآت تجميع طائراته المسيّرة ومرافق تدريبه وسائر بنيته العسكرية، بل ربما شبكات اتصالاته ومؤسساته المالية ومقارّ قيادته. أما في شأن نزع السلاح، فالملحق الأمني لا يحسم ما إذا كانت العملية ستجري بالتراضي أم بالإكراه أم بهما معاً، وهو ما يفتح الباب أمام أساليب شتّى لبلوغ الهدف. على أن خياراً بعينه استُبعد صراحةً، وهو دمج وحدات حزب الله في الجيش اللبناني، وهي فكرة كانت تكسب زخماً في بعض الأوساط؛ إذ التزمت بيروت، وفق الفقرة 4، بأن تضمن ألا يكون للجماعات المسلحة غير الحكومية «أي دور عسكري أو أمني وأي قدرات مسلحة في أي مكان في لبنان».
7. تنص الفقرة 3 على أن «المناطق التجريبية» ستكون «آلية لعمليات إعادة الانتشار المرحلية والمُتحقَّق منها لجيش الدفاع الإسرائيلي، ولعمليات انتشار الجيش اللبناني». ومع أن لبنان وإسرائيل أقرّا هذا المفهوم في المحادثات السابقة، فقد وفدا إلى واشنطن الأسبوع الماضي بتصوّرين شديدَي التباين حول التنفيذ؛ فقد اقترحت بيروت بدايةً أن ينسحب الجيش الإسرائيلي من شريطٍ بمحاذاة الحدود، ثم يعود إليه المدنيون اللبنانيون النازحون. ولم يكن مستغرباً أن تتحفّظ إسرائيل على بدء العملية على مرمى نيران بلداتها الشمالية. وانتهيا في خاتمة المطاف إلى منطقتين أبعد شمالاً في «قطاع جنوب الليطاني»، مع الاتفاق على إضافة مناطق تجريبية أخرى «بالتراضي».
وفي هذا الإطار، يُلزم الملحق الأمني الطرفين باستحداث مبادرة مشتركة مبتكرة، هي «مجموعة التنسيق العسكري للبنان» الثنائية، كي «تعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وتدير منع التضارب والتحقق والتنفيذ الشامل». ويُراد لهذه العملية التدريجية، التي توسّع سيطرة الجيش اللبناني فيما تنزع سلاح حزب الله وتفكّك بنيته، أن تمتد في خاتمة المطاف «إلى جميع أنحاء لبنان».
8. بينما تنصبّ المناطق التجريبية على نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته في رقعٍ محددة من الأرض، قطعت بيروت كذلك التزاماً أوسع بتجفيف تمويله في عموم البلاد. فالحكومة، كما تذكر الفقرة 11، تتعهد بمنع «تدفق الأموال إلى أي كيان أو منظمة أو فرد منتسب إلى الجماعات المسلحة غير الحكومية»، و«تلتزم صراحةً بمنع تدفق أموال إعادة الإعمار إلى الجماعات المسلحة غير الحكومية والكيانات المرتبطة بها» (واللافت أن الولايات المتحدة شاركت في هذا الالتزام أيضاً؛ انظر النقطة 11 أدناه). وسيكون لتحديد من هو «المنتسب» إلى حزب الله وما «الكيان المرتبط» به على وجه الدقة شأنٌ بالغ الأهمية: فهل يدخل في ذلك «مجلس الجنوب»، أو حركة «أمل» التي يتزعمها رئيس مجلس النواب نبيه بري؟ وماذا عن رؤساء البلديات المحسوبين على حزب الله في البلدات الواقعة جنوب الليطاني؟ وأياً يكن، فالمبدأ المعتمَد هنا أداة قوية تُعين على خنق الجماعة مالياً.
9. من المعاني الضمنية اللافتة في الاتفاق أن كلاً من الطرفين يُبدي مراراً تفهّماً لمصاعب الآخر وتحدياته، بما ينمّ عن حسٍّ بالتعاطف المتبادل أعمق مما تنطوي عليه عادةً وثائق من هذا النوع. فقد يُخيَّل للمرء أن الحكومة الإسرائيلية لا يعنيها أن يعود المدنيون اللبنانيون إلى الجنوب من عدمه، وأن الحكومة اللبنانية لا يعنيها بالمثل حال البلدات الإسرائيلية الشمالية، إذ يُنتظر من كلٍّ منهما أن ينصرف إلى أولوياته الوطنية. غير أن الوثيقة، على نحوٍ لافت، تنضح بشعورٍ بأن هذه المصالح الوطنية المتمايزة متشابكة؛ ففي الفقرة 8 مثلاً «يقرّ البلدان بأن استعادة الأمن في جنوب لبنان عبر انتشار الجيش اللبناني، والعودة الآمنة لسكانه المدنيين، وأمن البلدات الإسرائيلية الشمالية، أمورٌ أساسية للاستقرار والسلام على المدى البعيد». ويعزّ أن نجد هذا القدر من التفهّم المتعاطف في أي اتفاق سلام عربي إسرائيلي سابق.
10. انقضّ منتقدو حنكة لبنان التفاوضية على ما ورد في الفقرة 13 من التزامٍ بـ«اتخاذ تدابير حسن نية تُظهر نية إيجابية، بما في ذلك وقف جميع الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية، والتعهد بالعمل على البحث عن الرفات وإعادته والإفراج عن المحتجزين». وتحديداً، يتهم المعارضون في الداخل الحكومةَ اللبنانية بأنها فرّطت في حق المواطنين في تحميل إسرائيل مسؤولية ما لحق بهم من مشقّةٍ ونزوحٍ وموتٍ جرّاء العمل العسكري في الأشهر الأخيرة. بيد أن هذه قراءة منحرفة لالتزامٍ يصبّ في مصلحة الطرفين معاً؛ فهو، وإن كان يعني على الأرجح أن لبنان لن يساهم بعد اليوم في تحقيقات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بشأن الأفعال الإسرائيلية، يطمئن في المقابل المخاوف اللبنانية من أن تساند إسرائيل مساعيَ محتملة في الكونغرس الأمريكي لقطع المساعدات العسكرية الثنائية عن الجيش اللبناني أو تقييدها بشدة، عقاباً له على قعوده عن التحرك ضد حزب الله. ولا تعني هذه الفقرة قطعاً أن لبنان سيقلب فجأة موقفه من دعوى المحكمة الجنائية الدولية ضد مسؤولين إسرائيليين، أو دعوى محكمة العدل الدولية التي تتهم إسرائيل بالإبادة الجماعية، لكن مردّ ذلك أن لبنان (شأنه شأن إسرائيل والولايات المتحدة) لم يصدّق يوماً على «نظام روما الأساسي» وليس طرفاً في المحكمة الجنائية الدولية، كما لم يتقدّم قط بأي مداخلة رسمية في دعوى الإبادة أمام محكمة العدل الدولية.
11. دور الولايات المتحدة في الاتفاق عميق، وتشهد به مواضع عدّة من النص. وبجمع هذه المواضع، يتبيّن أن إدارة ترامب التزمت بما يلي:
- بذل «الوساطة والدعم» للدبلوماسية الإسرائيلية اللبنانية (الفقرة 1)
- دعم صياغة الملحق الأمني (الفقرة 2)
- التحقق من مبادرة المنطقة التجريبية ودعمها (الفقرة 3)
- تصدُّر جهود حشد الدعم الدولي والعربي لهذه العملية (الفقرة 4)
- دعم «مجموعة تنسيق عسكري» والمشاركة فيها لضمان التنفيذ (الفقرة 7)
- استنهاض الشركاء الدوليين لدعم إعادة إعمار لبنان (الفقرة 10)
- العمل مع لبنان لمنع التدفقات المالية إلى حزب الله والمنتسبين إليه (الفقرة 11)
- تيسير المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية للتوصل إلى اتفاق سلام نهائي (الفقرة 12)
ويضيف الاتفاق أن «أي مساعدات أمريكية جديدة» للبنان ستكون «مشروطة بصرامة بمعالم قابلة للتحقق، وشفافية كاملة، ونتائج مثبتة، ورقابة مستمرة»، وهي شروط لا تسري بالضرورة، ضمناً، على المساعدات الأمريكية القائمة.
وفي النسخ المنشورة من الملحق الأمني، يبدو دور واشنطن محدوداً على نحوٍ يثير الاستغراب، إذ لا يرد إلا في معرض تيسير التنفيذ والوساطة في فضّ النزاعات. أما في الواقع، فالأرجح أن ينهض للولايات المتحدة دورٌ أمتن بوصفها الطرف الرائد في استحداث «كيان طرف ثالث متفق عليه بين الجانبين» يتولى التحقق من «إخلاء جميع الجماعات المسلحة غير الحكومية وبنيتها التحتية العسكرية» في المناطق التجريبية.
ويتمخّض عن هذه الالتزامات الأمريكية كافّةً استنتاجان واضحان: أولهما أن الولايات المتحدة، لا الأمم المتحدة ولا تجمّعٌ من الدول، هي من يتحمل مع الطرفين مسؤولية تنفيذ هذا الاتفاق؛ وثانيهما أن على إدارة ترامب أن تسارع إلى تشكيل فريقٍ كبير مشترك بين الوكالات يتفرّغ للوفاء الكامل بالتزامات واشنطن.
12. لم يُداور واضعو الاتفاق في رفض فكرة أن لإيران دوراً مشروعاً في رسم مستقبل الشأن السياسي أو الأمني اللبناني، على خلاف ما تنطوي عليه ضمناً مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية. فكما تنص الفقرة 6، «ترفض حكومة لبنان مزاعم أي جهة فاعلة، حكومية أو غير حكومية، باستخدام القوة نيابةً عنها من دون إذن صريح منها، وتؤكد مجدداً أن أي ادعاء من أي جهة فاعلة، حكومية أو غير حكومية، بممارسة دور عسكري أو أمني إنما هو أمر غير قانوني بموجب قرارات الحكومة اللبنانية ومنافٍ للمصالح الوطنية اللبنانية». ولا عجب، والحال هذه، أن يندفع أبرز وكلاء إيران في لبنان، أي حزب الله وأمل، إلى إدانة الاتفاق بأشد العبارات؛ فقد نزل حزب الله إلى الشارع مهدداً بالعنف في وجه الحكومة، ووصف بري الوثيقة بـ«الفتنة»، وتباهى بمكالمة هاتفية مع نظيره الإيراني محمد باقر قاليباف، مُظهراً وثاقة تنسيقه مع طهران. وحصيلة ذلك أن لبنان غدا اليوم، بلا لبس، الساحةَ المركزية لمزاعم الجمهورية الإسلامية بدورٍ إقليمي أوسع بعد صمودها في وجه الحرب على إيران.
13. لا يصحّ التهوين من شجاعة الحكومة اللبنانية وعنادها. فأيسر السبل أمام الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام كان الاصطفاف خلف بري، والوقوف عند دعوة مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية إلى وقفٍ كامل لإطلاق النار، ومسايرة مطلب طهران بانسحابٍ إسرائيلي غير مشروط من كامل الأراضي اللبنانية. وصحيحٌ أن هذا المسلك ربما دفع واشنطن إلى وقف تمويلها للجيش اللبناني، لكن دولاً بعينها في المنطقة كانت ستسدّ هذا الفراغ على الأرجح. غير أن قادة لبنان آثروا غير ذلك، إذ أدركوا أن جُلّ جمهورهم سئم عقوداً من الحرب والهيمنة الإيرانية، فأقدموا على قرارٍ جريء برفض إغراءات طهران والمراهنة على واشنطن وإسرائيل وعلى مسعى السلام. والطريق ما زال طويلاً، ولا سيما في تنفيذ التعهد بنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته، وهو وعدٌ ما انفكّت الحكومات اللبنانية تقطعه منذ «اتفاق الطائف» قبل أربعة عقود. لكن المآل قد يختلف هذه المرة أخيراً، فقد قُضي الأمر وغدا الصراع بين أنصار الاتفاق وخصومه لعبةً صفرية.
والمأمول أن تعي الحكومة الإسرائيلية، وهي التي تصارع رياحها السياسية الداخلية المعاكسة، قيمة هذه اللحظة، وأن تنهض قولاً وفعلاً بدور الشريك الذي يتطلّع إليه هذا الاتفاق غير المسبوق. ويندرج في ذلك، من جملة أمور، تفادي التصريحات والإجراءات الاستفزازية التي تزيد مسار بيروت الوعر تعقيداً، والتنسيق الوثيق مع السلطات السياسية والأمنية اللبنانية في شأن التنفيذ، والتشجيع الهادئ لجهود المانحين الدوليين دعماً لإعادة إعمار لبنان وتأهيله.
14. بقدر ما يُعدّ الاتفاق الإطاري نجاحاً بيّناً للدبلوماسية الأمريكية، ولوزير الخارجية ماركو روبيو خاصةً، فإنه عرّى أيضاً سجالاً أمريكياً داخلياً حول ما إذا كانت إيران جزءاً من المشكلة وحدها في الشرق الأوسط، أم أنها قد تكون جزءاً من الحل. وكثيراً ما يُصوَّر هذا السجال تنافساً بين روبيو ونائب الرئيس جي دي فانس، كبير المدافعين عن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية. وحتى ساعة كتابة هذه السطور، لم يُدلِ الرئيس ترامب بأي تعليق علني على اتفاق لبنان، وإن كانت الفقرة 14 تُزجي «التقدير العميق» لـ«رؤيته وقيادته». ولعل في ذلك ما يوحي بأنه لم يحسم رأيه بعد في المسألة، وهو ما قد يبعث القلق لدى إسرائيل ولبنان معاً، رغم المكالمة الهاتفية الودية التي أُفيد بأن ترامب أجراها مع عون في عطلة نهاية الأسبوع.
خاتمة
يفتح الاتفاق الإسرائيلي اللبناني فرصةً لا تتكرر إلا مرةً في الجيل لبناء سلامٍ حقيقي بين هاتين الجارتين، لكن الطريق أمامه محفوف بالمخاطر وهشّ. ومع مجاهرة طائفة من المعارضين بعزمهم على وأد الفرصة في مهدها، لا بد أن يأتي التقدم سريعاً وملموساً.
وقد حمل اليوم خطوةً إيجابية مبكرة، إذ زار قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر بيروت ليشرع في تنسيق تنفيذ الملحق الأمني مع قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، وهي خطوة فطنة بالنظر إلى سجلّ الأخير في تغليب «السلم الأهلي» على تدابير نزع سلاح حزب الله. وعلى واشنطن أن تدفع نحو مزيد من الخطوات المُعينة، كتأييدٍ عربي ودولي أوسع للاتفاق. على أن شيئاً لن يعوّض القطعة المفقودة الأهم، وهي احتضانٌ علني حارّ للاتفاق من الرئيس ترامب شخصياً. وإذا جاء ذلك بحذقٍ، على النحو الذي لا يُتقنه سواه، أمكنه أن يمنح الدبلوماسية الإسرائيلية اللبنانية دفعةً كبيرة، من دون المساس بصلب مذكرة التفاهم مع إيران التي تفاوض عليها، ومن دون أن يُذكي التوتر بين نائبه ووزير خارجيته.