- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4249
كيف يمكن للاتفاق الإيراني المقبل الاستفادة من دروس "خطة العمل المشتركة"؟
إن "مذكرة التفاهم" الموقعة في حزيران/يونيو و"خطة العمل المشتركة" لعام 2013 ليستا متطابقتين تماماً، لكن الشروط المحدودة عمداً والتفاصيل الدقيقة للاتفاقية الأخيرة تنطوي على دروس مفيدة لكل من واشنطن وطهران في الوقت الذي تفكران فيه في جولة جديدة محتملة من المفاوضات.
في الثاني من آب/أغسطس، أعلن الرئيس ترامب أنه يتراجع عن الشروع في تصعيد عسكري واسع النطاق ضد إيران، مشيراً إلى مراعاته لمخاوف دول المنطقة والتقارير التي تفيد بإحراز تقدم جديد نحو التوصل إلى اتفاق. ومنذ ذلك الحين، يبدو أن الجهود الدبلوماسية قد تكثفت، مع الحديث عن اتفاق قريب الأجل بين إيران وعمان بشأن استخدام مضيق هرمز. وتدعي طهران أنها لن تفتح المضيق مجدداً حتى تتخذ الولايات المتحدة خطوات للعودة إلى "مذكرة التفاهم" (MOU) الموقعة في حزيران/يونيو، مثل رفع الحصار المفروض على التجارة الإيرانية غير الإنسانية وإلغاء العقوبات المفروضة على مبيعات النفط. وإذا تمسكت طهران بهذا الموقف، فستحتاج إلى استئناف المفاوضات المباشرة مع واشنطن.
وفي هذه الحالة، ما هو النهج الذي ينبغي أن تتبعه إدارة ترامب للتفاوض على اتفاق جديد، وما الذي يمكنها فعله لضمان أن يستمر هذا الترتيب لفترة أطول من "مذكرة التفاهم" الأولى؟ ولتحقيق ولو قدر ضئيل من النجاح، ينبغي للمسؤولين الأمريكيين أن يركزوا على اتفاق أبسط وأكثر وضوحاً يعطي الأولوية لعنصرين رئيسيين: إعادة فتح المضيق والممرات المائية المحيطة به أمام الملاحة الدولية، والحصول على صورة دقيقة ومحدثة عن الوضع الفعلي للبرنامج النووي الإيراني من أجل التخفيف من مخاوف الخروج الوشيك عن الاتفاق.
خطوات فورية
كبداية، ينبغي للإدارة أن تلقي نظرة صادقة على "مذكرة التفاهم" التي وقعها ترامب في فرساي لمعرفة أين يكمن الخطأ. فقد زادت الصياغة غير الدقيقة لتلك الوثيقة ومجموعة القضايا التي توسعت بشكل مفرط من درجة الصعوبة التي تنطوي عليها مهمة كانت صعبة بالفعل.
لحسن الحظ، ثمة مثال جيد على اتفاق مؤقت سابق يمكن لواشنطن الاستلهام منه والاستفادة من تفاصيله. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2013، أعلنت الصين وفرنسا وألمانيا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وإيران عن "خطة العمل المشتركة" (JPOA) - التي لا ينبغي الخلط بينها وبين "خطة العمل الشاملة المشتركة" (JCPOA) الأوسع نطاقاً بكثير، والتي تم التوصل إليها في عام 2015. وفي المراحل المبكرة من المفاوضات التي أسفرت عن "خطة العمل المشتركة"، أدرك المفاوضون الإيرانيون والأمريكيون (بمن فيهم كاتب هذه السطور) أنهم لن يتمكنوا من معالجة جميع القضايا اللازمة للتوصل إلى تسوية شاملة للمخاوف الأمريكية - الإيرانية، حتى لو اقتصروا فقط على طموحات طهران النووية ورغبتها في رفع العقوبات. كان الخطر الناجم عن المفسدين أو سوء الحظ كبيراً للغاية، لذا تقرر السعي إلى التوصل إلى اتفاق أقصر وأصغر نطاقاً يمكن أن يفسح المجال لمزيد من المحادثات مع تخفيف التوترات في الوقت نفسه.
وبالطبع، فإن مذكرة تفاهم فرساي وخطة العمل المشتركة ليستا متطابقتين تماماً - لأسباب ليس أقلها الحرب التي اندلعت في إيران هذا العام. ومع ذلك، يمكن استخلاص عدة دروس مهمة من المقارنة بينهما.
الدرس الأول: اختر نطاق اتفاقك بعناية. على عكس "خطة العمل المشتركة"، شملت "مذكرة التفاهم " عدداً كبيراً جدًّا من القضايا، مثل إنهاء الصراع في لبنان، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار الأمريكي، والإشارة إلى هيكل إعادة إعمار إيران بعد الحرب، ومعالجة القضية النووية، وتحديد الخطوط العريضة لرفع العقوبات في المستقبل، وما إلى ذلك. وقد زاد المفاوضون من صعوبة مهمتهم بإدراج التزامات نيابة عن أطراف غير مشمولة في "مذكرة التفاهم" (مثل بيروت)، وبإضافة صياغة كانت عرضة على الفور لتفسيرات متباينة فيما يتعلق بمضيق هرمز.
الدرس الثاني: اجعل اتفاقك سهل الشرح ومباشر التنفيذ. وقد اجتازت بعض أجزاء مذكرة تفاهم فرساي هذا الاختبار. على سبيل المثال، التزمت كل من "خطة العمل المشتركة" و"مذكرة التفاهم" بإلزام إيران والولايات المتحدة بتجميد برامجهما النووية وبرامج العقوبات عند الوضع الراهن. ومع ذلك، ظهرت خلافات حادة حول قضايا أخرى، وتأثرت "مذكرة التفاهم" سلباً بسببها.
على سبيل المثال، بعد الإعلان عن الاتفاق في حزيران/يونيو، حاولت الولايات المتحدة أن تدعي أن إيران قد قبلت تنازلات نووية كبيرة ووافقت على إخضاع البرنامج بأكمله لعمليات التفتيش من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) . ومع ذلك، فإن النص الفعلي لـ"مذكرة التفاهم" لم يتضمن أي التزامات من هذا القبيل، إذ نفت إيران أن تكون هذه الالتزامات جزءاً من المفاوضات. وعلى النقيض من ذلك، حددت "خطة العمل المشتركة" بالتفصيل كيف ستقوم إيران بتفكيك أجزاء من برنامجها النووي، بلغة محددة توضح كيفية تعاونها مع جهود التحقق التي تبذلها الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) وتخفيف مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب على الفور.
كانت صياغة "مذكرة التفاهم" بشأن رفع العقوبات أوضح وأكثر تحديداً من الأحكام المتعلقة بالبرنامج النووي. على سبيل المثال، ألزمت المذكرة الولايات المتحدة بإعفاء شامل من العقوبات المفروضة على مبيعات النفط الإيراني - وهو تنازل أصبح أكثر سخاءً عندما أصدرت الإدارة " الترخيص العام X " بعد ذلك بوقت قصير. كما سمحت "مذكرة التفاهم" لإيران بالوصول إلى مليارات الدولارات من الأموال المقيدة في الخارج، دون قيود، و"جعلتها قابلة للاستخدام بالكامل للدفع لأي مستفيد نهائي" تحدده طهران. ومع ذلك، أرسلت الإدارة الأمريكية مرة أخرى إشارات متضاربة بشأن التزام الولايات المتحدة بالاتفاق، حيث جادلت علناً بأن إيران قد قبلت قيوداً صارمة على الأموال المجمدة. كان من الطبيعي أن يتأخر تنفيذ أحكام تخفيف العقوبات الواردة في "مذكرة التفاهم" على أي حال بسبب الطبيعة المعقدة لمثل هذه العمليات، لكن واشنطن أعطت طهران سبباً لاعتبار أي تأخير بمثابة فخ أو علامة على سوء النية.
على النقيض من ذلك، كانت شروط "خطة العمل المشتركة" بشأن تخفيف العقوبات محدودة النطاق بدرجة أكبر بكثير. وافقت الولايات المتحدة على "إنشاء قناة مالية لتسهيل التجارة الإنسانية" مع أطراف محددة، مما منح واشنطن فعلياً حق النقض بشأن من يمكن الدفع له ومن أي حسابات. وبالمثل، أوقفت "خطة العمل المشتركة" التخفيضات على مبيعات النفط مؤقتاً بدلاً من إنهائها، وقصرت إيران على "مبلغ متفق عليه من العائدات المودعة في الخارج"، والذي بلغ في النهاية 700 مليون دولار شهرياً. قبلت طهران هذه الصيغة، لذا عندما ظهرت مشكلات في التنفيذ لاحقاً، نُظر إليها على أنها مشكلة فنية يجب حلها، وليس خرقاً سياسياً كبيراً بين الجانبين.
الدرس الثالث: إدارة التوقعات الخارجية بشكل أفضل. عانت مذكرة تفاهم فرساي من وصف غير دقيق أُلحق بها خلال مرحلة التفاوض. فقبل إتمام الاتفاق، صرحت إدارة ترامب بأن النتيجة ستكون نهجا ً"قائماً على الأداء "لا تحصل طهران بموجبه على أي تخفيف إلا مقابل اتخاذ خطوات، وأنه سيتم تضمين تنازلات إيرانية كبيرة، مثل "إزالة المواد المخصبة، وتفكيك البنية التحتية للتخصيب، والحد من إنتاج الصواريخ، وإنهاء دعم إيران لوكلائها الإرهابيين في المنطقة". وقد كررت بيانات صحفية رفيعة المستوى أصدرها البيت الأبيض هذه الأوصاف بعيدة المدى بعد وقت قصير من توقيع الاتفاق.
لكن في النهاية، لم يذكر النص الفعلي لمذكرة التفاهم سوى القليل جدًّا عن التنازلات الإيرانية المحددة. وكانت النتيجة بمثابة صدمة لمن تابعوا المفاوضات عن كثب - وهو شعور ازداد حدة عندما وصفت "مذكرة التفاهم" بشكل محدد للغاية التخفيف المستقبلي للعقوبات الذي وُعدت به إيران. فقد وضع الاتفاق بشكل أساسي كامل برنامج العقوبات الأمريكية ضد إيران على طاولة المفاوضات؛ بل بدا أنه يقر بأن جميع هذه العقوبات ستُلغى في أي اتفاق نهائي مع طهران.
على النقيض من ذلك، لم تحدد "خطة العمل المشتركة" التوقعات بشأن المفاوضات المستقبلية إلا بعبارات عامة. والأهم من ذلك، أنها حصرت نطاق المحادثات قصيرة المدى في القضايا ذات الأولوية القصوى المطروحة في عام 2013 - وهي على وجه التحديد، تقديم تخفيف محتمل للعقوبات النووية (وليس جميع العقوبات) مع إعادة هيكلة البرنامج النووي ليكون متسقاً مع الاحتياجات العملية والسلمية والمدنية بدلاً من الاحتياجات العسكرية. كما وُصفت "خطة العمل المشتركة" صراحةً بأنها اتفاق مدته ستة أشهر وأساس للمحادثات المستقبلية - لا أكثر. وتتمثل المهمة الآن في إيجاد صياغة محددة بشكل مماثل ومناسبة لعام 2026.
نحو اتفاق أفضل في المستقبل
اعتماداً على كيفية سير الهدنة الأخيرة في الأعمال العدائية، قد تتاح للمسؤولين الأمريكيين قريباً فرصة أخرى لإجراء مفاوضات مباشرة مع إيران، على الأرجح بالاستناد إلى "مذكرة التفاهم" الموقعة في فرساي. ولتجنب تكرار أخطاء ذلك الاتفاق، ينبغي لإدارة ترامب التركيز على ثلاث مهام.
أولاً، اختيار قضية أو قضيتين وإقناع إيران بالتركيز عليهما أيضاً، بدلاً من محاولة معالجة جميع الشكاوى والمخاوف القائمة بين الطرفين. ومن المرجح أن تؤتي المفاوضات الجديدة ثمارها إذا ما ركزت على معالجة الأسباب المباشرة للأزمة الحالية - التصعيد الذي أدى إلى الحرب في ربيع هذا العام وإغلاق الممرات المائية الدولية منذ ذلك الحين - مع تقليل احتمالات ظهور أزمة كبرى أخرى في المستقبل.
ومن المرجح أن يكون مصدر تلك الأزمة المستقبلية المحتملة مزيجاً من برامج إيران الصاروخية والطائرات المسيرة والنووية. ويبدو التوصل إلى اتفاق بشأن الصواريخ أو الطائرات المسيرة أمراً غير مرجح، كما أنه سيصرف الانتباه عن الأهداف الأكثر إلحاحاً وقابلية للتحقيق المذكورة أعلاه. ومع ذلك، قد يكون التوصل إلى ترتيبات محدودة تعزز الشفافية بشأن الوضع النووي الإيراني أمراً ممكناً - لا سيما وأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تتمتع بخبرة واسعة داخل ذلك البلد وبإجراءات قياسية لتفتيش البرامج النووية (على عكس الصواريخ والطائرات المسيرة، التي تتطلب منظمة أو آلية جديدة تماماً لإجراء تحقق فعال). وتتسم هذه المسألة بإلحاح خاص لأن السلطات الأمريكية لا تبدو على علم بعدد أجهزة الطرد المركزي للتخصيب المتبقية لدى إيران، أو أماكن وجودها، أو ما قد تقوم به، مما يثير خطراً حقيقياً جدًّا بحدوث أزمة نووية طويلة الأمد.
ثانياً، التركيز على صياغة النص التالي بشكل صحيح، بغض النظر عن مدى محدوديته. في عام 2013، كانت هناك ثقة، ولو بحد أدنى، بين الولايات المتحدة وإيران على الرغم من عقود من الخلافات الحادة. وقد مكن ذلك واضعي "خطة العمل المشتركة" من إدراج بعض الغموض الإبداعي في الأماكن التي قد يساعد فيها ذلك المفاوضات المستقبلية، مع توخي مزيد من الدقة في الصياغة والمفاهيم الأساسية المتعلقة بالمهام التي كان يتعين إنجازها على الفور. وحتى في ذلك الوقت، احتاج الطرفان إلى عدة أسابيع من تشرين الثاني/نوفمبر 2013 إلى كانون الثاني/يناير 2014 لتسوية المسائل المتبقية المتعلقة بالتنفيذ.
اليوم، لا يقترب الطرفان بأي شكل من هذا المستوى الأدنى من الثقة المتبادلة، لذا يجب أن تكون صياغة أي اتفاق جديد أكثر وضوحاً، وأن يتم ترتيب خطواته بشكل أكثر دقة. ومرة أخرى، ليس من الضروري أن يحدث كل شيء دفعة واحدة. على سبيل المثال، يمكن للولايات المتحدة وإيران الاتفاق على خطوات فورية تحدد بوضوح ما سيقوم به كل منهما في مضيق هرمز على الفور، مع تحديد موعد لتنفيذ الخطوات الأخرى في المستقبل.
ثالثاً، يجب أن تظل الرسائل والجهود الرامية إلى بناء الثقة مركزة على المتطلبات الدنيا للاتفاق: الحفاظ على وقف إطلاق النار وإعادة فتح الممرات المائية المسدودة. ويمكن أن يتحقق جزء من هذا الجهد من خلال مزيد من الانضباط في الرسائل، على الرغم من أن ذلك قد يكون صعباً في ظل البيئة السياسية الأمريكية الحالية. كما ينبغي على كلا الجانبين التركيز على استئناف تدابير بناء الثقة المتوقفة، مثل خلية تجنب التضارب التي كان من المفترض أن تنشئها القيادة المركزية الأمريكية والحرس الثوري الإسلامي الإيراني (IRGC) في حزيران/يونيو.
ومن التدابير الأخرى التي قد تكون مفيدة فتح حساب ضمان يتم فيه تجميع عائدات النفط الإيرانية المجمدة في الخارج ثم صرفها لطهران على أساس شهري - شريطة أن تظل حركة الملاحة البحرية مستمرة دون انقطاع. ولمساعدة إيران على الشعور بالاطمئنان، يمكن منح السيطرة على هذا الحساب لطرف ثالث (ربما باكستان، التي لعبت دوراً رائداً في الوساطة هذا العام). ويمكن للمفاوضين أيضاً صياغة بعض الشروط المحددة بوضوح لاستخدام هذه الأموال (على سبيل المثال، للأغراض الإنسانية حصراً).
لن يكون أي مما سبق سهلاً في ضوء ما حدث بين الطرفين حتى الآن. ومع ذلك، وبالنظر إلى المخاطر الإقليمية والعالمية، فإن الأمر يستحق محاولة دبلوماسية أخرى - شريطة أن يكون المفاوضون على استعداد للتعلم من أخطائهم الأخيرة.