- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4186
سوريا تعاني تداعيات أزمة إيران
لم تحظَ تداعيات الحرب على سوريا باهتمام يُذكر، غير أنه لا ينبغي لأحد أن يتجاهل حجم التحولات التي شهدتها منذ عام 2024، ولا مدى أهمية صون إنجازات الحكومة في مواجهة إيران وحلفائها، مع الإقرار في الوقت ذاته بالتداعيات الاقتصادية المحلية لهذا الصراع.
لو وقعت الحرب على إيران قبل عام ونصف فحسب، لكانت سوريا دولةً في خط المواجهة الأول، تُعين راعيتها طهران على التصدي للولايات المتحدة وإسرائيل. أما الآن، فمع رحيل نظام بشار الأسد، آثرت دمشق الحذر، ونأت بنفسها عن الانخراط المباشر في الأزمة الإقليمية إلى جانب أيٍّ من الطرفين. بيد أن هذا الصمت لا ينبغي أن يُفهم منه هدوء داخلي؛ إذ لا تزال الحرب تُلقي بأعبائها على حكومة سوريا الفتية، التي تواجه تحديات شتى: سقوط ضحايا جراء الصواريخ وشظايا الاعتراض في أجوائها، وحملات تضليل إعلامي تستهدف نواياها العسكرية، وتصاعد التهديدات الحدودية من وكلاء إيران في العراق ولبنان، فضلاً عن تداعيات طاقوية واقتصادية قد تُلقي بظلالها على مسار الانتقال وجهود إعادة الإعمار. وتبقى سوريا إحدى أبرز نقاط الضوء في السياسة الخارجية لإدارة ترامب، وللحفاظ على هذا الوضع، على صانعي القرار أن يُولوا اهتمامهم لكيفية تعامل هذه الدولة الهشة مع الحرب، وما قد تتعرض له من تداعيات.
الفائدة من الخسارة
قبل سقوط الأسد، كانت دمشق ركيزةً أساسية في الاستراتيجية الإقليمية لإيران، إذ أتاحت لطهران إتمام "جسرها البري" عبر العراق وسوريا نحو حزب الله اللبناني، الجوهرة التاج في شبكة وكلاء الميليشيات. ومنذ اندلاع الحرب الأهلية السورية، رحّب نظام الأسد بالقوات الإيرانية ووكلاء الميليشيات الشيعية القادمين من أفغانستان والعراق ولبنان وباكستان للقتال دفاعاً عنه. وغياب هؤلاء الوكلاء عن سوريا اليوم يعني أنه لا تنطلق صواريخ من أراضيها في الحرب الدائرة، مما يُعفي القوات الإسرائيلية والأمريكية من القلق بشأن جبهة إضافية.
كما أتاح نظام الأسد لروسيا حرية التصرف في الفضاء الجوي السوري منذ عام 2015. غير أنه عقب سقوطه، باتت القواعد العسكرية الروسية محصورة في الساحل الغربي بحرية حركة شبه معدومة. وقد أعطى ذلك القوات الإسرائيلية قدراً أكبر من حرية الوصول إلى الأجواء السورية، مما مكّنها من تدمير معظم القدرات العسكرية الكبرى للنظام في الأيام التي أعقبت سقوط الأسد، وإحكام سيطرتها الجوية، وإن أثار ذلك استياء ثوار سوريا وداعميهم، الذين رأوا أنهم لا صلة لهم بالأسد وسياساته، ومن ثَمَّ كان ينبغي إبقاء تلك الأسلحة بين أيديهم. وفي الحرب الراهنة، أتاحت هذه السيطرة الجوية المستمرة لإسرائيل التحليق فوق مساحات أوسع بمخاطر أقل، وتوظيف الأجواء السورية بوصفها منطقة اعتراض فعلية في مواجهة الصواريخ التي تطلقها إيران ووكلاؤها. وباختصار، كانت الحملة الأمريكية الإسرائيلية الراهنة ضد إيران لتواجه عقبات أشد لو كان الأسد لا يزال في الحكم.
التداعيات على الطاقة والاقتصاد
تراجع قطاع الطاقة السوري منذ اندلاع الحرب على إيران. ففي الثامن والعشرين من فبراير، علّقت إسرائيل صادراتها من الغاز الطبيعي إلى مصر والأردن إلى أجل غير مسمى، مستندةً إلى بند القوة القاهرة في اتفاقية التوريد التي وسّعت نطاقها مؤخراً. وعلى إثر ذلك، خفّضت مصر صادراتها من الغاز التي كانت ترسلها إلى سوريا عبر الأردن، في وضع يعكس تراجعاً مطّرداً للتقدم الذي أحرزته دمشق في تعزيز قطاع الكهرباء على مدار العام الماضي.
ولم يُسهم توقف عمليات النفط والغاز في دول الخليج في تحسين الأوضاع السورية. علاوة على ذلك، قد تكون مذكرات التفاهم التي وقّعتها دمشق مع المملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى في أواخر العام الماضي، والتي تشمل مشاريع متعددة القطاعات تتجاوز قيمتها ستين مليار دولار، في مهبّ الريح. ففي ظل الأضرار التي طالت البنية التحتية المدنية والطاقوية والعسكرية في الخليج، قد تُقرر هذه الحكومات التفرغ للتعافي الداخلي عقب الحرب وتقليص حجم الأموال التي كانت مستعدةً لتخصيصها لإعادة إعمار سوريا. وينطبق ذلك بوجه خاص على المشاريع متوسطة وبعيدة المدى، وهي في جوهرها مشاريع لا غنى عنها للحفاظ على زخم التعافي الاقتصادي السوري في مرحلة ما بعد الأسد.
حملات التضليل والجماعات الوهمية
طوال فترة الحرب، اضطرت دمشق إلى التعامل مع مختلف الأطراف التي تلجأ إلى تسريبات إعلامية وحملات تضليل، بهدف جر البلاد إلى المعارك أو زعزعة استقرارها. فقد روّجت إيران وشبكة وكلائها لأخبار عن جماعات وهمية داخل سوريا تنفّذ هجمات مزيّفة على أهداف حليفة؛ إذ ادّعت جماعة مجهولة أُطلق عليها اسم "هيئة أنصار التوحيد الإسلامية" مسؤوليتها عن إطلاق صواريخ باتجاه أهداف إسرائيلية في الجولان، فيما زعمت "أجناد بيت المقدس" استهداف قوات أمريكية في قاعدة الشداد العسكرية شمال شرق سوريا، رغم أن جميع الأفراد الأمريكيين كانوا قد أخلوا المنشأة قبل اندلاع الحرب بوقت كافٍ. وسعى ناشطون إلكترونيون إلى تعمية الصورة أكثر بجعل هذه الهجمات الوهمية تبدو كأنها من تنفيذ جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة.
كما روّجت إيران ووكلاؤها لرواية مفادها أن سوريا تعتزم غزو لبنان إلى جانب إسرائيل لقتال حزب الله. وفي الواقع، تبدو طهران ووكلاؤها في أشد الحاجة إلى انخراط دمشق في الصراع، لأنهم يرون فيه وسيلة لزعزعة استقرار سوريا وإعادة فتحها ممراً لتنقل الأفراد والأسلحة بين العراق ولبنان.
الأمن الحدودي والدبلوماسية الإقليمية
على مدار الأسبوع أو الأسبوعين الماضيين، دفعت وزارة الدفاع السورية بمزيد من القوات إلى الحدود اللبنانية والعراقية، حرصاً على منع حزب الله والميليشيات المدعومة إيرانياً التي تهيمن على الحشد الشعبي العراقي من التسلل إلى البلاد لتنفيذ عمليات زعزعة استقرار. والجدير بالذكر أن ضربات أمريكية استهدفت مؤخراً عناصر الحشد في القائم، على الجانب الآخر من الحدود مباشرةً، في حين أوقفت وحدات وزارة الداخلية السورية مهربي أسلحة بالقرب من معابر حدودية في محافظتَي حمص ودير الزور.
وحرص المسؤولون السوريون على التأكيد أن تصعيد نشاطهم الأمني على هذين الحدودين إجراء دفاعي بحت، وأن دمشق لا تنوي الانخراط في الحرب هجومياً. وقد نُقلت هذه الرسائل عبر وسائل الإعلام الرسمية وفي اتصالات هاتفية مباشرة مع قادة العراق ولبنان، أجراها كلٌّ من الرئيس أحمد الشرع، ووزير الخارجية أسعد الشيباني، والقائم بأعمال السفارة السورية في بيروت.
وفي الوقت ذاته، أعلن الشرع علناً في اجتماعاته مع الرئيس اللبناني جوزيف عون وقادة إقليميين آخرين دعمه لمساعي بيروت نحو نزع سلاح حزب الله. كما تواصل مع حكومات الخليج معرباً عن تضامنه وعارضاً المساعدة في إيجاد مسارات بديلة لتفادي طرق الشحن البحري المضطربة، مقترحاً مسارات برية عبر سوريا نحو منطقة البحر المتوسط. وذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى إنشاء غرفة عمليات عسكرية مشتركة تضم دول الخليج والمشرق، تستهدف جزئياً تعزيز الوحدة العربية في مواجهة إيران، وضمان عدم تمكن إسرائيل من فرض إرادتها على المنطقة إذا ما تراجعت قوة طهران تراجعاً دائماً في أعقاب الحرب.
توصيات للسياسة الأمريكية
مهما يكن مآل الحرب، يظل الواقع الجديد في سوريا ربحاً صافياً؛ فنظام الأسد لم يعد قائماً، ولم تعد إيران ووكلاؤها يملكون توظيف البلاد منصةً لزعزعة استقرار المنطقة. بيد أن الاستقرار بعيد المدى لسوريا وتحررها من النفوذ الإيراني ليسا مكفولَين بأي حال، لذا ينبغي لواشنطن استثمار الأزمة الراهنة فرصةً للتعاون الأوثق مع دمشق على المحاور التالية:
التنسيق في مواجهة الحشد الشعبي العراقي: نظراً لتمركز كثير من وكلاء إيران الميليشياوي في العراق بالقرب من الحدود السورية، ينبغي لواشنطن ودمشق التنسيق المسبق كلما عزمت الولايات المتحدة على توجيه ضربات ضد هذه العناصر. ويمكن للجهود المشتركة أن تُقيّد محاولات الحشد التسلل عبر الحدود، أو زعزعة استقرار سوريا ما بعد الأسد، أو تهريب أسلحة إلى حزب الله.
البناء على التقاطع السوري الإسرائيلي في الأمن الحدودي مع لبنان: تحرص دمشق على إغلاق حدودها في وجه حزب الله، ومن ثَمَّ ينبغي لمسؤولي واشنطن توظيف هذا التوجه دليلاً لإسرائيل على أن سوريا لا تشكل تهديداً. إن تنمية الثقة على هذا المحور، والتأكيد على المصالح الأمنية المشتركة بين البلدين، كفيلان بتهيئة الأرضية لاستئناف الدبلوماسية في مرحلة ما بعد الحرب، وربما تمهيد الطريق لاتفاقية أمن حدودي إسرائيلية سورية في أقرب وقت ممكن.
تقديم دعم تكنولوجي في مجالَي الأمن العام ومكافحة التضليل: ينبغي للحكومة الأمريكية تشجيع شركات التكنولوجيا الأمريكية على مساعدة وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات السورية في بناء منظومات إنذار مبكر يمكن المدنيين الاستفادة منها عند سقوط صواريخ أو اعتراضات فوق المناطق السكنية. كما يمكن للشركات الأمريكية ووزارة الإعلام السورية التعاون على رصد حملات التضليل التي تشنها إيران وسواها ومجابهتها، مع الضغط على شركات التكنولوجيا لتطبيق شروط خدماتها وإزالة المحتوى المنتهك لقواعد التضليل.
التشاور مع الشركاء حول مسارات بديلة للطاقة: على غرار مقترح الشرع بشأن الطرق البرية للتجارة، ينبغي لواشنطن التواصل مع المملكة العربية السعودية والأردن لاستكشاف مسارات تجارية وخطوط أنابيب بديلة تتجه شمالاً نحو البحر المتوسط، عوضاً عن الاتجاه جنوباً عبر الممرات البحرية الخليجية الهشة. ومن شأن ذلك تعزيز مرونة التجارة مستقبلاً وتوفير حلول احتياطية في حال تجدد المشكلات في مضيق هرمز أو باب المندب.
الواقعية في تقدير الآفاق الاقتصادية قريبة المدى: لا يمكن في الوقت الراهن فعل الكثير لتخفيف الانعكاسات الاقتصادية للحرب على سوريا؛ إذ سيتعين تأجيل معظم هذه الجهود إلى ما بعد تهدئة الأزمة. وفي المرحلة المقبلة، ينبغي لواشنطن نصح دمشق بالكف عن رفع سقف توقعات المواطنين إزاء تحولات اقتصادية كبرى في المدى القريب، إذ إن رسم صورة أكثر واقعية وشفافية اليوم أجدى من إثارة الآمال ثم الإخفاق في تجسيدها بفعل عوامل خارجية.