- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4230
شرق أوسط ما بعد الحرب؟ المفاوضات الأمريكية-الإيرانية ومستقبل المنطقة
ثلاثة خبراء يناقشون بنود الاتفاق الأمريكي-الإيراني الجديد وثغراته وتداعياته الإقليمية الأوسع، بما في ذلك كيفية استقباله داخل دول الخليج و«إيران».
في 18 حزيران/يونيو، عقد «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» منتدى سياسات افتراضياً ضمّ «ريتشارد نيفيو» و«دينس روس» و« هولي داغريس». «نيفيو» هو زميل «بيرنشتاين» المساعد في المعهد والمبعوث الخاص الأمريكي السابق لشؤون «إيران» بالنيابة. و«روس» هو زميل «ديفيدسون» المتميز في المعهد ومسؤول أمريكي رفيع سابق في إدارات «ريغان» و«بوش» و«كلينتون» و«أوباما». و«داغريس» هي الزميلة الأقدم لعائلة «ليبيتزكي» في المعهد ومحررة نشرة «ذي إيرانيست». وفيما يلي ملخص المقررين لمداخلاتهم.
ريتشارد نيفيو
في جوهرها، تقايض مذكرة التفاهم الجديدة بين «واشنطن» و«طهران» إعادة فتح مضيق هرمز مقابل إنهاء الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية. ويقترن هذا التبادل بوعود بشأن مفاوضات مستقبلية وحزمة كبيرة لتخفيف العقوبات يُقصد بها ضمان التزام «إيران».
وعلى صعيد الملف النووي، لا يتضمن الاتفاق محتوى جديداً أو جوهرياً يُذكر — إذ تتعهد «إيران» بإبقاء برنامجها النووي على حاله إذا أبقت «الولايات المتحدة» برنامج عقوباتها على حاله. أما المسائل الأصعب، بما في ذلك مصير مخزون النظام من اليورانيوم عالي التخصيب، فقد أُرجئت إلى اتفاق نهائي. وقد تؤدي الصياغة التي تشير إلى تخفيف تركيز هذه المادة وإمكانية تصديرها إلى تحييد التهديد الذي تشكّله في نهاية المطاف، لكن هذا التهديد يبقى في الوقت الراهن دون معالجة. وعلاوة على ذلك، يكاد النص يخلو من أي إشارة إلى التحقق ودور «الوكالة الدولية للطاقة الذرية».
وتثير هذه الإغفالات قلقاً خاصاً عند مقارنتها بحجم التخفيف المعروض. فصندوق إعادة الإعمار البالغ 300 مليار دولار المنصوص عليه في مذكرة التفاهم لن يتجسّد إلا في اتفاق نهائي، ومن ثمّ فإنه أقل أهمية من بندين فوريين: أحدهما يطلق فعلياً صادرات النفط الإيراني وعائداته من القيود، والآخر يمنح النظام إمكانية الوصول إلى أموال مجمّدة محتجزة حول العالم يتراوح مجموعها بين 24 و100 مليار دولار. وبوسع «طهران» توجيه هذا الضخّ النقدي السريع نحو إعادة بناء قوتها الصاروخية، وتعزيز وكلائها، وغير ذلك من الأنشطة المزعزعة للاستقرار.
وثمة سؤال ملحّ آخر يتعلق بما سيحدث بعد انقضاء المهلة التي حددتها مذكرة التفاهم بستين يوماً للتفاوض على اتفاق نهائي. ويمكن قراءة هذا الإطار الزمني بوصفه مساحة حصيفة للمفاوضين، يمكن تمديدها إلى أجل غير مسمى. وبما أن كلفة الخروج من هذا المسار الدبلوماسي هي العودة إلى الحرب، فإن مذكرة التفاهم قد تتحول بمعنى ما إلى الاتفاق النهائي.
وقياساً إلى خطة العمل المشتركة المؤقتة التي جرى التوصل إليها عام 2013 — وهي مقارنة أنسب من خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 — فإن المذكرة الجديدة تتنازل عن قيمة أكبر في مجال العقوبات وتقدّم أقل على الجانب النووي. فقد أمّن اتفاق 2013 تخفيفاً فعلياً لتركيز اليورانيوم المخصّب وحدّد كيفية منح المراقبين الدوليين حق الوصول مقابل مبيعات نفطية محدودة ووصول إيراني مضبوط إلى العائدات؛ في المقابل، تشجّع مذكرة التفاهم الحالية على توسيع مبيعات النفط ولا تكاد تأتي على ذكر «الوكالة الدولية للطاقة الذرية». و«الإيرانيون» لديهم حوافز قوية للبقاء في الاتفاق، وإن كان من المرجّح أن يواصلوا السعي إلى مزيد من التخفيف.
وتطلعاً إلى الاستراتيجية القسرية اللازمة لإحراز تقدم نحو اتفاق نهائي، فقد قوّض الرئيس «ترامب» بعضاً من أوراق ضغطه عبر تصريحاته المتكررة المناهضة لتجدد الصراع. ولإنجاح نهجه المفضّل، سيتعين على المسؤولين ضمان أن تحصل «إيران» فعلاً على المنافع التي تفاوضت عليها — وهو طرح متناقض ومحفوف بالمخاطر. وبالنظر إلى إشارة مذكرة التفاهم إلى عقوبات «الأمم المتحدة» وإصرارها على حصول «طهران» على المنافع الاقتصادية التي تنشدها، سيتعين على «الولايات المتحدة» أيضاً أن تستقطب شركاءها ومنافسيها الدوليين على حد سواء، بمن فيهم «روسيا» و«الصين». أما بالنسبة إلى الشركاء الإقليميين، فمن المرجح أن تعزّز هذه القرارات الأمريكية المتقلبة شعوراً مألوفاً بالتذبذب، ورغبة صامتة في أن تتراجع «واشنطن» خطوة إلى الوراء وتدعهم يتولون القيادة.
دينس روس
تنصّ مذكرة التفاهم الجديدة على أن مضيق هرمز سيبقى مفتوحاً لمدة ستين يوماً مع عبور معفى من الرسوم؛ وبعد ذلك، ستدخل «إيران» في مباحثات مع «عُمان» ودول الخليج بشأن الإدارة و«الخدمات البحرية». وهذا يمهّد الطريق أمام «طهران» لفرض خططها الإدارية على الممر المائي — وهي سابقة خطيرة بالنسبة إلى بلدان أخرى تطلّ على نقاط اختناق دولية رئيسية.
كما أن ربط هرمز بـ«لبنان» خطأ استراتيجي. فأولوية «طهران» هي إنقاذ «حزب الله»، لا «لبنان». وإذا كان المسؤولون الأمريكيون يهدفون إلى حماية الحكومة اللبنانية والحفاظ على أي أمل في استعادة سيادتها، فعليهم ألا يذعنوا لمطلب «إيران» القائل بأن حل القضايا الواردة في مذكرة التفاهم مرهون بالحفاظ على وقف إطلاق النار في «لبنان» — وهو ما يعني في نظر «طهران» أن توقف «إسرائيل» جميع عملياتها، وأن يعيد «حزب الله» بناء نفسه بدلاً من نزع سلاحه، وأن تنسحب القوات الإسرائيلية.
ولتفادي هذه السيناريوهات، سيتعين على «الولايات المتحدة» أن تستخدم أوراق الضغط التي كرّر كل من الرئيس «ترامب» ونائب الرئيس «فانس» القول إنها بحوزة «واشنطن». غير أن الرئيس بعث برسالة معاكسة في بعض تصريحاته الأخيرة — على سبيل المثال، حين أعلن أن فتح المضيق وإنهاء الحرب أمران مهمان لأنه لا يريد أن يكون مثل «هربرت هوفر» ويتسبب في انهيار اقتصادي من طراز عام 1929.
وقد عُقدت مقارنات كثيرة بين المفاوضات الحالية وخطة العمل الشاملة المشتركة في عهد إدارة «أوباما»، لكن هذه في حقيقتها مقارنة بين أمرين غير متكافئين. فمن ناحية، لم يجرِ التفاوض على اتفاق 2015 في أعقاب حرب. وعلاوة على ذلك، لم يكن لدى «إيران» أي يورانيوم عالي التخصيب مكرّر إلى المستويات المشاهدة اليوم، في حين قيّدت خطة العمل الشاملة المشتركة التخصيب عند نسبة 3.67 في المئة وألزمت بإخراج 98 في المئة من مخزون النظام من اليورانيوم خارج البلاد. ومع أن «إيران» لا تخصّب اليورانيوم حالياً بالنظر إلى الأضرار التي ألحقتها الحرب ببرنامجها، فإن مذكرة التفاهم لا تنصّ على إزالة مخزونها الكبير القائم من اليورانيوم عالي التخصيب — بل تكتفي بإمكانية تخفيف تركيزه داخل «إيران»، على أن تتولى مراقبته جهات لم تُسمَّ بعد. والأسوأ من ذلك أن هذه هي الإشارة الوحيدة في مذكرة التفاهم إلى مراقبة برنامج كان يخضع في السابق لرقابة واسعة من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية». [لمزيد من المعلومات حول دلالة مستويات تخصيب اليورانيوم والجداول الزمنية والمسائل ذات الصلة، انظر معجم «معهد واشنطن» النووي الإيراني.]
وتثير مذكرة التفاهم أيضاً أسئلة حول موثوقية «أمريكا» كشريك أمني أكثر مما تجيب عليه. فقد برهنت الحرب مع «إيران» بوضوح صارخ على أهمية دمج أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي الإقليمية بغية تقليص هشاشة البنية التحتية الحيوية للطاقة في دول الخليج. ولم يردع الوجود الأمامي للقواعد الأمريكية الهجمات على هذه الدول، كما أن إخلاء كثير من المنشآت الأمريكية أثناء القتال ربما ترك المسؤولين المحليين يتساءلون عما إذا كانت «أمريكا» ستحافظ فعلاً على هذه القواعد. وعلى الرغم من إضعاف الجيش الإيراني، فإن أي انسحاب دائم من القواعد الأمريكية سيترك دول الخليج تشعر بهشاشة بالغة.
ومن الجوانب الإيجابية أن تزايد الاهتمام بتعزيز الدفاعات الإقليمية وتجاوز مضيق هرمز سيؤدي على الأرجح إلى مزيد من الاستثمار في عمليات اقتناء الأسلحة وتطوير البنية التحتية. وعلى الصعيد الأخير، قد يوفّر الممر الاقتصادي بين «الهند» و«الشرق الأوسط» و«أوروبا» بديلاً عن كل من هرمز ومضيق باب المندب. ويمكن أن تشمل الدفعة الناتجة لتكامل الاقتصادات «إسرائيل»، وإن كان لا ينبغي توقّع أي خطوات جديدة نحو التطبيع السياسي. ومع أن «السعودية» وغيرها من دول الخليج قد تقرّر أيضاً الاستثمار في «إيران» في إطار حزمة إعادة الإعمار والتأهيل البالغة 300 مليار دولار، فمن المرجح أن تكون أي عروض من هذا القبيل محدودة — إذ يُفترض أن تُحجب الاستثمارات الخليجية الأكثر جدية ما لم يطرأ تغيّر حقيقي على سلوك «طهران».
ويبدو أن نهج إدارة «ترامب» يقوم على افتراض أن رغبة «إيران» في الانضمام إلى الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين ستمنح «واشنطن» نفوذاً كافياً لإحداث تحول في «الجمهورية الإسلامية». غير أن هذا يتجاهل القوة الثابتة لأيديولوجية النظام وصورته عن نفسه. فقادة «إيران» الحاليون لا يزالون يسعون إلى الهيمنة الإقليمية لأسباب هجومية ودفاعية على حد سواء، ومن ثمّ لن يستميلهم نهج أمريكي يقدّم الإغراءات دون أن يُظهر لهم ما قد يخسرونه.
هولي داغريس
ثمة بضع زوايا رئيسية ظلّت غائبة إلى حد كبير عن النقاشات حول مذكرة التفاهم الجديدة. أولاً، تستحق الصورة الرمزية للاتفاق الانتباه. فقد وقّع الرئيس «ترامب» مذكرة التفاهم في «فرساي»، وهو ما استغلته «الجمهورية الإسلامية» لتصوّر نفسها المنتصرة و«الولايات المتحدة» في موضع «ألمانيا» في نهاية الحرب العالمية الأولى. وعلاوة على ذلك، فإن النقاشات السياسية نفسها الدائرة في «واشنطن» تدور أيضاً في «طهران». فبعض المتشددين (المعروفين بـ«الأصوليين») يرفضون مذكرة التفاهم رفضاً قاطعاً، تماماً كما عارضوا خطة العمل الشاملة المشتركة. وهم يحتجّون بأن «الولايات المتحدة» أثبتت أنها غير جديرة بالثقة و/أو أن «إيران» قدّمت تنازلات مفرطة، بما في ذلك نفوذها على مضيق هرمز. وفي المقابل، يزعم بعض الإصلاحيين أن الاتفاق يمثّل انتصاراً على «الولايات المتحدة» المتغطرسة، التي اضطرت الآن إلى الاعتراف بسيادة «إيران» ونفوذها.
أما بالنسبة إلى «الإيرانيين» المناهضين للنظام، فإن كثيرين منهم يشعرون بالخيانة جرّاء مذكرة التفاهم، إذ إنها تخفق في معالجة حقوق الإنسان بعد أشهر قليلة فقط من وعد الرئيس «ترامب» لهم بأن «المساعدة في الطريق». ويزعم البيت الأبيض أن القمع في «إيران» قد خفّ، غير أن عدداً متزايداً من الأفراد الذين شاركوا في احتجاجات كانون الثاني/يناير يواجهون الإعدام — بل إن العدد هو الأعلى منذ ثمانينيات القرن الماضي. كما يعيد النظام إثارة مظالم قديمة بهدف إعادة فرض سيطرته على الجمهور (مثل استهداف مغنية نشرت مقطعاً مصوّراً دون ارتداء حجابها عام 2024). وقد أثبتت إدارة «ترامب» أنها قادرة على الحديث عن حقوق الإنسان في «كوبا»، وبوسعها أن تفعل الأمر نفسه في «إيران». وبدايةً، ينبغي لها أن تدعو إلى وقف اختياري لعمليات الإعدام، وأن تطالب بالإفراج عن السجناء السياسيين، وأن تعيد التمويل الأمريكي للمنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان وحرية الإنترنت، وأن تجدّد تأشيرات الطلاب الإيرانيين، وأن تسمح لطالبي اللجوء بالبقاء في «الولايات المتحدة». إن إخفاق الإدارة في إدراج حقوق الإنسان في مذكرة التفاهم قد قلب واحدة من أكثر الشعوب المؤيدة لـ«أمريكا» في العالم ضد «الولايات المتحدة»، وأقنع كثيراً من الإيرانيين العاديين بأن لا «الجمهوريين» ولا «الديمقراطيين» يأبهون بمصالحهم.
وقد جادل بعض المراقبين بأن تخفيف العقوبات سيوفّر تحسينات اقتصادية للناس، لكن هذه المنافع ستكون ضئيلة — إذ سيذهب معظم تلك الأموال إلى أولويات أخرى، وفق ما يحدّده نظام بات أكثر تشدداً وجرأة بفعل الحرب. وعلى المدى الطويل، فإن أي دفعة اقتصادية ناجمة عن مذكرة التفاهم ستكون غير كافية ما لم تُعالَج مشكلات سوء الإدارة والفساد البنيوية. وعلاوة على ذلك، فإن الاتفاق يكتفي في جوهره بتأجيل المعضلة النووية من دون معالجتها بعمق.
ومستقبلاً، من المرجح أن توجّه «إيران» تركيزها نحو الداخل لبعض الوقت بدلاً من الدفع بأجندتها الإقليمية. فمراسم تشييع المرشد الأعلى الراحل «علي خامنئي» ستبدأ في 4 تموز/يوليو، ويتعين على البلاد القيام بإعادة إعمار واسعة في أعقاب تدمير بنى تحتية وقدرات دفاعية رئيسية. وقد أوعز رئيس البرلمان «محمد باقر قاليباف» إلى القطاع الخاص المحلي بالتركيز على تيسير التعافي الاقتصادي واستمالة «الصين»، أكبر مشترٍ للنفط الإيراني. والمصدر الوحيد المباشر للصراع سيكون استمرار «إسرائيل» في نشاطها العسكري في «لبنان»، وهو ما حذّرت «طهران» من أنه سيشكّل خرقاً لوقف إطلاق النار وقد يفضي إلى مزيد من الضربات الصاروخية المتبادلة.
أعد هذا الملخص كل من «كيت تشيسنت» و«وئام حموشن» و«ميريديث زيلونكا». وتصدر سلسلة «منتدى السياسات» بدعم سخي من «مؤسسة وينكلر لوي».