- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4198
مرة أخرى… ولكن "إلى الأبد" هذه المرة؟ ملامح الحملة الإسرائيلية الأخيرة في لبنان
المخاطر العسكرية والدبلوماسية لإعادة الانتشار في جنوب لبنان باهظة، بيد أن في وسع إسرائيل تخفيفها: بالإفصاح العلني عن أهدافها الأمنية، والسعي نحو أفق سياسي ثنائي، وضبط أولويات حملتها العسكرية، ومساءلة المسؤولين في بيروت عمّا يقع تحت مسؤوليتهم.
بعد شهر كامل على انزلاق حزب الله إلى حرب إيران بفتحه جبهةً في لبنان، تتحرك فرقٌ عديدة من جيش الدفاع الإسرائيلي على امتداد الجنوب، وتتواصل الغارات الجوية على مناطق شتى من البلاد. وقد أُخليت غالبية السكان المحليين حرصاً على سلامتهم، فيما دُمِّر سبعة جسور على نهر الليطاني لقطع إمدادات المقاتلين القادمين من الشمال. وفي المقابل، يُمطر حزب الله بنيرانه المكثفة طيفاً واسعاً من الأهداف العسكرية والمدنية، لا سيما في الشمال الإسرائيلي. وحين تُكتب هذه السطور، تواصل الحملة الإسرائيلية تقدمها على الرغم من وقف إطلاق النار الذي أعلنته واشنطن مع طهران في السابع من نيسان/أبريل، وإن ظل المدى الزمني لهذا التقدم رهيناً بالمجهول.
تجلّي خطةُ الحرب الإسرائيليةُ المفهومَ الأمني الأشمل الذي باتت تعتمده على جبهات متعددة منذ أكتوبر 2023: نشر وحدات برية في أراضٍ معادية مُخلاة ومُدمَّرة دفاعاً عن المجتمعات الحدودية. ويرسم هذا النهج في جوهره حدوداً أمنية إسرائيلية جديدة تتخطى الخطوط السيادية المعترف بها. وفي مواجهة حزب الله، تسعى إسرائيل إلى إبعاد التهديدات عن مجتمعاتها الشمالية الهشة وإقامة منطقة أمنية متقدمة في الجنوب اللبناني. ولن يُفضي ذلك بالطبع إلى اجتثاث هذه التهديدات كلياً، غير أن الحملة والمعطيات الإقليمية المستجدة—ومنها الأضرار البالغة التي أصابت الداعم الإيراني للحزب—ربما تفتح آفاقاً إضافية لدفع ملف نزع سلاحه بالوسيلتين العسكرية والسياسية، وتعزيز ترتيبات أمنية راسخة مع بيروت، وصولاً ربما يوماً ما إلى اتفاق سلام ثنائي.
المأزق الاستراتيجي الإسرائيلي
تكشف هجمات حزب الله الأخيرة عن التهديد المتجذر الذي لا يزال يشكّله الحزب رغم الضربات الموجعة التي وجّهتها له العمليات الإسرائيلية الكبرى في 2024؛ وهو تهديد يتغذى على إخفاق بيروت في نزع سلاحه، وقصور الآلية الدولية للتنفيذ التي أفرزتها اتفاقية وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وعجز الجهود الإسرائيلية منفردةً عن الحيلولة دون إعادة بنائه. ومن ثَمَّ استطاع الحزب أن يُمازج قدراته العسكرية بالنسيج المدني اللبناني بصورة منهجية، مواصلاً تهديده المباشر للمجتمعات الشمالية الإسرائيلية.
على الصعيد السياسي، اتخذت الحكومة اللبنانية خطوات لافتة، أبرزها الحظر الرسمي على أسلحة حزب الله ونشاطه العسكري، إلا أن هذا الحظر لم يتحول بعد إلى واقع ملموس—ويعود ذلك جزئياً إلى أن حلفاء الحزب داخل الحكومة يعرقلون أي إجراءات تنفيذية مراراً وتكراراً. ومع ذلك، أبقى المسؤولون اللبنانيون باباً مفتوحاً أمام التفاوض السياسي مع إسرائيل. وعلى مستوى أوسع، يظل السياق الدبلوماسي الدولي ضبابياً؛ فقد استأثرت حرب إيران بالاهتمام الدولي على حساب الملف اللبناني، وتصر طهران على أن وقف إطلاق النار الأسبوعي يشمل لبنان، في حين تؤكد كل من الولايات المتحدة وإسرائيل أنه لا يتضمنه.
وعلى الجبهة الداخلية، يُشعل الهدف الاستراتيجي الإسرائيلي جدلاً حامياً. فقد أقرّ مسؤول في جيش الدفاع الإسرائيلي على ما يُروى بأن إقامة منطقة أمنية جديدة في جنوب لبنان هي هدف الحملة الراهنة، لا نزع سلاح حزب الله. فردّ وزير الدفاع إسرائيل كاتس مؤكداً أن الغاية النهائية تبقى نزع سلاح الحزب بالوسيلتين العسكرية والسياسية. ويبدو جلياً أن الحكومة تسعى إلى ردم الهوة بين السقف العالي للتوقعات الشعبية وما تتيحه الإمكانيات الفعلية في هذه المرحلة. وكان نتنياهو وكاتس قد تعهدا في تصريحات منفصلة أواخر الشهر الماضي بـ"تغيير جذري" للمعادلة "مرة واحدة وإلى الأبد"، دون أن يُحدد أيٌّ منهما هدفاً استراتيجياً-سياسياً واضحاً؛ إذ تمحور خطابهما حول الكيفية التي يمكن بها تحقيق الهدف العسكري المحدود: تقليص التهديدات الأقرب إلى المجتمعات الحدودية الإسرائيلية، وفي مقدمتها الصواريخ المضادة للدروع. وغالباً ما يتغافلان عن الإقرار بأن الحفاظ على هذا المكسب على المدى البعيد يستوجب مساعياً سياسية جادة نحو نزع سلاح حزب الله. أما وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، فقد ذهب أبعد من ذلك مطالباً بألا تتوقف العملية قبل أن يصبح نهر الليطاني الحدودَ الإسرائيلية الجديدة، وإن ظلت هذه المواقف خارج دائرة السياسة الحكومية الرسمية.
بنية الحملة وملامح مناطق الأمن الجديدة
تقضي الخطة الراهنة لجيش الدفاع الإسرائيلي بتوجيه ضربات موجعة لحزب الله في مختلف أرجاء لبنان، مع تجريد الجزء الجنوبي من البلاد من أسلحته وعزله حتى نهر الليطاني. وبعد إخلاء غالبية السكان المحليين، يعكف الجيش على إقامة منطقة أمنية في شريط من الأراضي اللبنانية المحاذية للحدود في مواجهة المجتمعات الشمالية الإسرائيلية. وفي عمق الأراضي اللبنانية، انتشرت وحداته على قمم التلال المطلّة على "خط الصواريخ المضادة للدروع" حيلولةً دون توظيف الحزب إياها ضد تلك المجتمعات. وفي سائر المنطقة الواقعة جنوبي الليطاني، يعتزم الجيش تنفيذ ضربات دقيقة مدفوعة باستخبارات تستهدف مواقع الحزب في القرى المُفرغة في معظمها من أهلها.
وسيستلزم إقامة المنطقة الأمنية، وفق ما أُفيد، هدماً واسعاً في شريط القرى اللبنانية الأكثر التصاقاً بالحدود، باستثناء المجتمعات المسيحية فيما يُرجَّح أن تُستثنى القرى الدرزية كذلك. وأوضح الجيش أن هذه القرى لن تُهدم كلياً، بل ستُستهدف البنية التحتية الإرهابية الموجودة فيها فحسب، إذ المراد حرمان حزب الله وسائر الجهات من توظيفها منطلقاً لهجمات عابرة للحدود. بيد أنه في ضوء التصريحات الإسرائيلية المتعددة ونموذج غزة الذي ألهم العملية في لبنان، فإن الوصول إلى هذا الهدف سيُفضي في الغالب إلى نتائج "أرض محروقة" في بعض الحالات.
وبنهاية الحملة، تعتزم إسرائيل تثبيت مناطق الأمن المؤقتة التالية في جنوب لبنان، ابتداءً من الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة:
- منطقة أمن مؤقتة تمتد بعمق ثلاثة إلى أربعة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، تنتشر فيها قوات جيش الدفاع الإسرائيلي بقدر ما يقتضيه الوضع. وعلى غرار النموذج الذي أُرسي في أعقاب الحرب على غزة، أُخلي المدنيون منها وستُهدم المباني على نطاق واسع لقطع الطريق أمام أي توظيف مستقبلي للبنية التحتية الحدودية لأغراض إرهابية، بما يعني عملياً حظر عودة الأهالي أو إعادة الإعمار إلى أن تُبرم ترتيبات بديلة مع الحكومة اللبنانية.
- "خط الصواريخ المضادة للدروع" الممتد بعمق ثمانية إلى عشرة كيلومترات داخل لبنان، حيث تتمركز قوات جيش الدفاع الإسرائيلي على التلال وتُنفذ عمليات رامية إلى منع أي إطلاق مباشر لهذه الصواريخ باتجاه المجتمعات الحدودية الإسرائيلية.
- سيرتفع عدد المواقع الإسرائيلية في هاتين المنطقتين من خمسة إلى ثمانية عشر موقعاً.
- في سائر المنطقة الممتدة حتى الليطاني، سيحرص الجيش الإسرائيلي على الإبقاء على السيطرة العملياتية الديناميكية ومواصلة ضرباته الميدانية المتواصلة ضد حزب الله والتنظيمات الإرهابية الأخرى.
التداعيات المحلية والإقليمية
يُقلقل المفهوم الأمني الإسرائيلي الجديد العلاقات مع الجيران، ويُمدّ بالوقود رواية "إسرائيل الكبرى" الزائفة المتداولة حول مزاعم السعي لبسط السيطرة على المشرق كله. ورغم ذلك، يبدو أن القادة الإسرائيليين يُدركون جيداً أن الحملة العسكرية الراهنة لن تحسم إشكالية حزب الله، وأن مفاوضات دبلوماسية رسمية مع بيروت باتت ضرورة لا مفر منها. وفي هذا السياق، تعيين رون ديرمر على رأس هذه الدبلوماسية إشارةٌ دالة، كونه من أوثق المقربين لنتنياهو وقد ألمح إلى إمكانية التحرك نحو اتفاق سلام ثنائي مستقبلي. وحين تُسدل الحملة العسكرية ستارها، تعتزم إسرائيل استئناف المحادثات الأمنية الرسمية مع بيروت حول نزع سلاح حزب الله على المستوى الوطني، مع مواصلة الجيش الإسرائيلي إنفاذ ذلك ميدانياً.
في المقابل، تجلب استئناف المعارك تعقيدات جسيمة: فالوجود الإسرائيلي في الجنوب اللبناني سيُلقي بأعباء سياسية ثقيلة على حكومة بيروت المناهضة لحزب الله، وسيوفر الأخيرُ أدواتٍ تغذّي خطابه في "المقاومة" ضد الاحتلال الإسرائيلي، فضلاً عن توسيع رقعة مظلومية "القرى السبع" المتراكمة منذ 1948، وتصاعد الضغوط السياسية والقانونية الدولية على القدس على الأرجح. كذلك سيُعسّر تدمير جسور الليطاني على حزب الله التسلل نحو إسرائيل، لكنه سيُثقل أيضاً كاهل السكان المتبقين في الجنوب. ويبقى معلقاً سؤالٌ جوهري حول أسلوب إدارة شؤون المجتمعات اللبنانية الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية.
عسكرياً، ستُضعف الحملة قدرات حزب الله القريبة من الحدود دون أن تُفنيها—بما فيها الغارات العابرة للحدود والقناصة والعبوات الناسفة والصواريخ المضادة للدروع والصواريخ قصيرة المدى التي تُشكّل العماد الأكبر لترسانته الصاروخية. غير أن ذلك لن يحول دون إطلاق صواريخ أبعد مدىً من شمال الليطاني، كما لن يُقيّد الحزب عن توظيف خبرته الغنية في حرب العصابات ضد الوحدات الإسرائيلية داخل لبنان أو ضد المجتمعات الحدودية ذاتها. والأمر المؤكد أن "نسخ" النموذج الغزاوي ولصقه في لبنان ينطوي على مجازفة كبيرة في ضوء الفوارق الجوهرية بين المسرحين من حيث التضاريس والمساحة والعمق الاستراتيجي، ناهيك عن أكلاف الانتشار الطويل في مثل هذه الظروف. وقد حذّر رئيس الأركان إيال زامير مؤخراً من أن المؤسسة العسكرية قد تنهار تحت وطأة الاستنزاف ما لم تُوفَّر لها تعزيزات كافية، وهو أمر عسير في ظل تقاعس الحكومة المتواصل عن تجنيد اليهود الأرثوذكس المتشددين وإعفاء المقاتلين المنهكين في صفوف الاحتياط.
التوصيات
لاستثمار الفرص الراهنة والتغلب على المخاطر والتحديات، على إسرائيل أن تُجاهر بأفقها السياسي بعيد المدى: تهيئة الشروط وفتح المفاوضات التي تُمهّد السبيل لاتفاق سلام مع لبنان في المحصلة، ومن ركائز ذلك إرساء ترتيبات أمنية مستقرة ونزع سلاح حزب الله. من ثَمَّ، يجب أن تسير الحملة العسكرية جنباً إلى جنب مع جهود دبلوماسية موازية منسّقة عن كثب مع واشنطن، وأن تتمحور كلتا الحركتان حول التدابير الآتية:
أولاً: بناء آلية تنفيذ أكثر فاعلية: كما جرى مع اتفاقية وقف إطلاق النار في 2024، تُفضّل إسرائيل أن تضطلع الولايات المتحدة بدور الضامن الرئيسي لأي آلية تُستحدث في أعقاب الحملة الراهنة. ومرشح آخر لهذا الدور هو مجلس السلام بقيادة أمريكية، شريطة تحييد أعضاء من أمثال تركيا وقطر ومنعهم من إعاقة المسار. وفي كلتا الحالتين، المفتاح هو استخلاص الدروس من إخفاقات الآليات السابقة—بما فيها يونيفيل—وبناء منظومة موثوقة للتحقق من نزع سلاح حزب الله وتوثيقه.
ثانياً: فرض شروط أكثر صرامة على الحكومة اللبنانية: ينبغي إلزام بيروت بتقديم خطة وطنية ملزمة وتفصيلية لنزع التسليح، مدعومة بمعايير واضحة وجداول زمنية محددة. والأهم أن تُخوّل هذه الخطة قوات الأمن صلاحية تفتيش الممتلكات الخاصة، وهي الغطاء الذي كثيراً ما يتخفى خلفه حزب الله. كما ينبغي إقالة كل ضابط يُقوّض المهمة أو يتعاون مع الحزب. وبوصفها حوافز على هذه الخطوات، يجب ربط مستقبل المساعدات الخارجية للجيش اللبناني بتقدم موثق وقابل للقياس في مسار نزع التسليح، مع تعليق المساعدات الدولية للحكومة على اتخاذ إجراءات فعّالة لمنع تدفق الأسلحة والأموال والموارد إلى حزب الله، بما يشمل تشديد الرقابة على المطارات والموانئ والحدود البرية بالتنسيق مع سوريا.
ثالثاً: ممارسة ضغوط عسكرية وقانونية ومالية على شركاء حزب الله السياسيين: ينبغي أن تنطلق الجهود الإسرائيلية والأمريكية في هذا الشأن من حركة أمل وزعيمها نبيه بري، اللذين عرقلا مراراً مسيرة السيادة اللبنانية وسلطة الحكومة الشرعية.
رابعاً: التأكيد الدائم على مؤقتية الوجود الإسرائيلي في لبنان: الهدف الجوهري هو أن يكون لبنان قادراً بنفسه على منع انطلاق التهديدات من أراضيه بصورة مستدامة؛ وكلما أسرع في بلوغ هذه الغاية، أمكن لإسرائيل الانسحاب في أجل أقرب.
خامساً: تقليص النفوذ الإيراني في لبنان: في أعقاب اندلاع حرب إيران، حظرت الحكومة اللبنانية الحرس الثوري الإسلامي من أراضيها، وألغت الدخول الإيراني بلا تأشيرة، وطلبت من سفير طهران المغادرة—وإن آثر تجاهل الطلب. ومن هنا، ينبغي تشجيع بيروت على الاحتذاء بالنموذج الذي اعتمدته الإمارات باتخاذ إجراءات ثنائية حازمة: تجميد الرحلات الجوية، وحظر التحويلات المالية، وتعليق العلاقات الدبلوماسية، وإغلاق البعثات الدبلوماسية، وتشديد نظام التأشيرات، ووقف حركة التبادل التجاري.
سادساً: ربط إعادة الإعمار بنزع التسليح: كما في غزة، لا ينبغي السماح لسكان المناطق الأمنية في جنوب لبنان ممن جرى إجلاؤهم بالعودة إلى ديارهم أو المضي في إعادة بنائها، وذلك حتى تُحرز بيروت تقدماً ملموساً وموثقاً في مسار نزع سلاح حزب الله.
سابعاً: مواصلة الضغط على معاقل حزب الله شمال الليطاني: مع الإحجام قدر الإمكان عن الإضرار بالبنية التحتية الوطنية أو المساس بالقوات المسلحة اللبنانية. وحين تُقفل الحملة الراهنة، ينبغي لجيش الدفاع الإسرائيلي إيثار الضربات والغارات الديناميكية على أسلوب الانتشار الثابت داخل لبنان كلما أتاح ذلك الموقفُ. وحتى في حال ثبت أن وجوداً مؤقتاً لا مناص منه، فليُقلَّص إلى أدنى حد ممكن تحديداً للتعرض لمخاطر حرب العصابات.