- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4201
معضلة مصر بين الخليج وإيران
ركّزت القاهرة على خفض التصعيد بهدف إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن والحدّ من الصدمات الاقتصادية والطاقوية التي ستعقبها، غير أن هذا النهج قد ينقلب عليها في علاقتها مع شركائها التقليديين في دول الخليج.
منذ اندلاع الحرب مع إيران، باتت الأولوية القصوى للرئيس عبد الفتاح السيسي تقليص تداعياتها على الاقتصاد المصري الهشّ. بيد أن نداءاته للتفاوض—بما فيها التواصل المباشر مع طهران—تنطوي على خطر تنفير الشركاء الخليجيين الذين طالما كانوا الداعم المالي الأكثر موثوقية للقاهرة. وبصرف النظر عن مصير الهدنة الراهنة، فإن قدرًا من الاضطراب الاقتصادي الإضافي بات أمرًا محتومًا. وسيتعين على السيسي إدارة هذه الأزمة المالية، فضلًا عن التعامل مع مشهد إقليمي جديد قد يكون فيه الرعاة التقليديون أقل ميلًا لدعم مصر.
اقتصاد هشّ رغم التعافي الجزئي
في نهاية عام 2023، وجدت مصر نفسها أمام أزمة اقتصادية حادة جرّاء تضافر صدمات خارجية وقرارات سياسية مجحفة: تضخّمت تكاليف الغذاء والطاقة في سياق جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا، وتراجعت عائدات قناة السويس تراجعًا شبه تام في أعقاب هجوم حماس على إسرائيل وانضمام الحوثيين إلى ضرب الملاحة في البحر الأحمر، فيما تراكمت الديون العامة جراء الإنفاق المتواصل على المشاريع العملاقة، وأفضى تثبيت سعر الصرف اصطناعيًا إلى نشوء سوق صرف موازية وشحّ في العملات الأجنبية.
في مطلع عام 2024، أنقذت الإمارات العربية المتحدة القاهرة من أزمتها بشراء منطقة رأس الحكمة الساحلية المطلة على البحر المتوسط بـ35 مليار دولار. كما وافقت مصر على تعويم عملتها—شرطًا مسبقًا للحصول على برنامج صندوق النقد الدولي البالغ 8 مليارات دولار—فيما التزم الاتحاد الأوروبي بتقديم مساعدات إضافية بقيمة 8.5 مليار دولار. وعلى الرغم من الوطأة الشديدة التي ألقاها تخفيض العملة على المواطنين، فإن الحدّ من السوق الموازية أعاد الملاءة المالية إلى المصارف المحلية واستأنف تدفق التحويلات المالية.
أمضت القاهرة السنتين التاليتين في تنفيذ بعض الإصلاحات التي التزمت بها في إطار برنامج الصندوق. وأسهمت تحسينات تحصيل الضرائب والتحول الرقمي في رفع الإيرادات، كما رفعت وكالتا فيتش وستاندرد آند بورز تصنيف البلاد إلى «B» في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، مما أشّر إلى مناخ استثماري أكثر استقرارًا. وفي ظل سعر الصرف المرن، ارتفعت تحويلات المغتربين—مصدر رئيسي للعملة الصعبة ودخل تكميلي لكثير من الأسر—إلى ما يزيد على 41 مليار دولار بين تموز/يوليو 2025 وكانون الثاني/يناير 2026، بزيادة بلغت 40 بالمئة مقارنةً بالعام السابق. وعلى المنوال ذاته، استقطب القطاع السياحي الذي يمثل 12 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي ما يزيد على 19 مليون زائر في عام 2025 محققًا إيرادات بلغت 24 مليار دولار.
بيد أن حرب إيران كلّفت القاهرة على الأرجح مليارات الدولارات جراء إلغاء حجوزات سياحية. وغادر ما لا يقل عن 10 مليارات دولار من الاستثمارات قصيرة الأجل (كسندات «الأموال الساخنة» ذات الفوائد المرتفعة) البلادَ في الأيام الأولى للنزاع، فيما هوت قيمة الجنيه بأكثر من 11 بالمئة أمام الدولار. ومع ذلك، أفادت وزارة المالية في أواخر آذار/مارس بأن النمو المتوقع بحلول 30 حزيران/يونيو (نهاية السنة المالية) سيبلغ 5.2 بالمئة، مع التفاؤل بتحقيق نمو إضافي وخفض الدين في العام المقبل.
غير أن الحرب ستُعيق على الأرجح أي تقدم في التحدي الجوهري الماثل أمام مصر: تقليص الهيمنة الاقتصادية للدولة. وقد كشف آخر تقييم لبرنامج الصندوقأن «لا خصخصة فعلية جرت على مدى الأربعة والعشرين شهرًا الماضية، في حين أُسّست كيانات عسكرية جديدة». ثمة حفنة من الشركات العامة تطرح أسهمًا في سوق الأوراق المالية، لكن ذلك لا يُغيّر من الواقع الجوهري المتمثل في الإبقاء على شركات الدولة المتعثرة مع تهميش القطاع الخاص. وما لم تُقدم القاهرة بجدية على خصخصة الشركات العسكرية المنتشرة في كل مكان، فإن العوائق الهيكلية أمام النمو ستظل قائمة. والأرجح أن الظروف الراهنة في زمن الحرب تجعل السيسي أقل ميلًا من أي وقت مضى لمواجهة هذه المسألة السياسية الشائكة.
هواجس الطاقة على المدى المتوسط
سيرتد الضغط العالمي على الطاقة الناجم عن الحرب بثقل شديد على مصر. فقد تضاعفت فاتورة الطاقة الشهرية للبلاد من كانون الثاني/يناير إلى آذار/مارس أكثر من مرتين، مما دفع الحكومة إلى رفع الأسعار بنسب تصل إلى 30 بالمئة وتقليص الاستهلاك. ومع اقتراب فصل الصيف، قد يواجه المصريون انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي على غرار ما شهدوه صيف عام 2024، حين اعتراها عجز حاد وكانت لا تزال تتكيّف مع مرحلة التحول إلى دولة مصدِّرة صافية للطاقة.
تعمل الولايات المتحدة منذ فترة على معالجة مشكلات الطاقة في مصر. فإثر ضغوط مارستها إدارة ترامب في كانون الأول/ديسمبر، وافقت إسرائيل على صفقة تمتد خمسة عشر عامًا بقيمة 35 مليار دولار لتزويد مصر بالغاز الطبيعي من حقل تمار البحري—توسيعًا جوهريًا لاتفاقيتهما القائمة. غير أن هذا الممر الإمدادي عرضة للاضطراب في زمن الحرب، وقد تعطّل لما يقارب شهرًا كاملًا. وفي الثاني من نيسان/أبريل، أجازت هيئة الصادرات والواردات الأمريكية «إكسيم» ائتمانًا بقيمة ملياري دولار لتأمين صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكي إلى مصر.
على المدى البعيد، تعتزم القاهرة زيادة حصتها من الطاقة الخضراء مع الإسراع في تطوير مشاريع المنبع. وتشمل هذه المشاريع النية لشراء حقل غاز أفروديت من قبرص، ومذكرة تفاهم محتملة مع نيقوسيا بشأن حقل كرونوس، واكتشافًا غازيًا ضخمًا أعلنته شركة «إيني» الإيطالية في امتياز تمساح البحري المصري. وستضع هذه الجهود مصر في موقع ريادي بين منتجي الطاقة في شرق المتوسط خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة—ويبقى التحدي الأساسي في كيفية سدّ الفجوة الكبيرة في الإمدادات المحلية إلى أن تُؤتي هذه المشاريع ثمارها.
مقاربة القاهرة قد تأتي بنتائج عكسية
في ضوء هشاشة أوضاع مصر الراهنة، آثر السيسي التفاوض وخفض التصعيد بهدف إنهاء الأزمة الإيرانية في أسرع وقت ممكن وتخفيف الصدمات الاقتصادية والطاقوية التي ستعقبها. غير أن ذلك يعني تجنّب الانحياز الاستراتيجي الكامل إلى جانب دول الخليج—الداعم الأكبر لمصر—وهو رهان قد ينقلب عليه.
ففي اتصال هاتفي جرى في 13 آذار/مارس مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أدان السيسي هجمات النظام على هذه الدول، لكنه في الوقت ذاته أكّد «استعداد مصر لبذل كل جهد للوساطة وإيلاء الحلول السياسية والدبلوماسية الأولوية في الأزمة الراهنة». وفي 31 آذار/مارس، أعلن علنًا للرئيس ترامب أن «لا أحد سواك قادر على وقف هذه الحرب». وفي الوقت ذاته، شارك وزير الخارجية بدر عبد العاطي في جهود الوساطة التي قادتها باكستان والتي أفضت إلى الهدنة الحالية. كما التقى بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو لبحث إنشاء ممر للطاقة والحبوب، وهو ما يمكن أن يعود بمنافع جمّة على مصر.
بيد أنه إذا عمدت حكومة السيسي إلى تعزيز ترتيبات تصبّ في مصلحة إيران—بما في ذلك بعض الصفقات المطروحة من إدارة ترامب—فقد ترى دول الخليج في ذلك خيانةً لما أودعته في مصر من استثمارات. فالإمارات تتصدر قائمة المستثمرين الأجانب المباشرين في مصر بفارق كبير، يشمل صفقة رأس الحكمة وحيازات أخرى متعددة. فضلًا عن ذلك، تعرّضت لضربات صاروخية وبمسيّرات إيرانيةأكثر من غيرها من دول المنطقة؛ ولهذا تبنّت موقفًا حازمًا إبان الحرب في مواجهة طهران، ولم تُعلن حتى الآن دعمها الصريح للهدنة الراهنة. وفي 23 آذار/مارس، بدا أن المستشار الرئاسي الإماراتي أنور قرقاش يُطلق تحذيرًا مبطّنًا للقاهرة حين تساءل: «وأين الدول العربية والإقليمية الكبرى؟... كانت دول الخليج العربي ركيزةً وشريكًا للجميع في أوقات الرخاء... فأين أنتم اليوم في أوقات الشدة؟»
وكذلك ضخّت الحكومات الخليجية الأخرى استثمارات ضخمة في مصر. ففي كانون الأول/ديسمبر، قدّمت قطر للقاهرة 3.5 مليار دولار في إطار صفقة تطوير متوسطية بقيمة 29.7 مليار دولار. كما أودعت المملكة العربية السعودية ما يزيد على 10 مليارات دولار في البنك المركزي المصري، فيما ناقشت الكويت تحويل ودائعها البالغة 4 مليارات دولار إلى استثمارات مباشرة.
الدور الأمريكي
حتى لو أحجمت دول الخليج عن اتخاذ إجراءات عملية كسحب استثماراتها أو ودائعها، فإن مصر تواجه على الأرجح مرحلة مديدة لن تعود فيها قادرة على الاتكاء على الأموال الخليجية. إذ ستنصرف هذه الدول أولًا إلى إعادة بناء ما خلّفه القصف الإيراني من دمار بمليارات الدولارات، وقد تبقى جيوبها مغلقة بعد ذلك إن تصلّب موقفها من السيسي. وبالتالي، لن تستطيع مصر توظيف الديون بالوتيرة السابقة ذاتها، ولا سدّ الفجوات التي يُفرزها تباطؤها الإصلاحي.
لتخفيف هذه المعضلة، ينبغي لواشنطن حثّ القاهرة على ضبط الإنفاق والتسريع في مسار الخصخصة. وقد أعلن وزير المالية أحمد كوجك بالفعل عن قيود على الإنفاق الحكومي خلال الربع الرابع من ميزانية 2025/2026. كما تتوقع الموازنة المعتمدة لعام 2026/2027 زيادة بنسبة 27 بالمئة في الإيرادات و13 بالمئة في الإنفاق، مع تخصيص حصة وافرة من الفائض لسداد الديون. غير أن الشكوك تبقى كبيرة حول مدى الالتزام بهذه الأرقام.
بإمكان الولايات المتحدة تقديم دعم محدود—فالائتمان الذي أقرّته «إكسيم» هذا الشهر لصادرات الغاز المسال يُجسّد نهج إدارة ترامب في تقديم مساعدات خارجية تُيسّر عمل الشركات الأمريكية في الخارج. لكن لا بد من رسم حدود واضحة، مع تجنّب القروض الحكومية المباشرة.
وإذا قررت الحكومة الأمريكية دعم مصر بتمويل تجاري، فينبغي أن يتمحور حول تنمية قطاعَي التكنولوجيا والشركات الناشئة. ففي شباط/فبراير، أطلقت القاهرة «ميثاق الشركات الناشئة» بقيمة مليار دولار لتمويل 500 شركة على مدى خمس سنوات. وعلى واشنطن البحث في سبل التعاون مع هذه المبادرة ودعمها من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص، سواء عبر تحديد آلية واضحة تتولى تمويلها مؤسسة التمويل الدولي للتنمية، أو بإشراك «صندوق مصر-أمريكا للمشاريع».
وفي الوقت ذاته، ينبغي لواشنطن الضغط على القاهرة لتسريع الإصلاحات، كتوسيع الحوافز الضريبية وتخفيف الأعباء التنظيمية التي تكبّل نمو قطاع التكنولوجيا. فالولايات المتحدة لا يمكنها أن تحلّ محل الثروة الخليجية، لكنها قادرة على إبقاء مصر على مسار الإصلاح في ظل تداعيات حرب إيران المتواصلة.