- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4167
ما الذي يتطلبه نجاح اللجنة الإدارية الجديدة في غزة
ستتوقف ديمومة اللجنة الإدارية الوطنية لغزة ونجاحها على مدى قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة واستجابة سريعة للاحتياجات على الأرض. ومن هذا المنطلق، يقع على عاتق إدارة ترامب، ومجلس السلام، والممثل السامي، تقديم الدعم السياسي والميداني الضروري لصد أي محاولات عرقلة من جانب "حماس" أو "السلطة الفلسطينية"، فضلاً عن تذليل العقبات الإدارية والأمنية التي قد تنشأ من الجانب الإسرائيلي.
إن إنشاء "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" الشهر الماضي - وهو الاسم الذي أُطلق على "اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية غير السياسية" المكلفة بموجب خطة السلام المكونة من عشرين نقطة التي وضعها الرئيس ترامب، يمثل خطوة مهمة في مسار الانتقال من مرحلة ما بعد الحرب إلى جهود تحقيق الاستقرار. وتفترض خطة ترامب أن تكون "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" الجهة الوحيدة المخولة بتولي شؤون الحكم في القطاع. وإلى جانب التحديات المعتادة التي تواجه سلطات انتقالية مماثلة، ستواجه اللجنة تحديات خاصة بالسياق الفلسطيني، تشمل عقبات تشغيلية معقدة، ومحاولات نزع الشرعية السياسية من قبل "حماس" و"السلطة الفلسطينية"، إضافة إلى الحاجة إلى ضمان تعاون إسرائيلي فعال وسريع الاستجابة.
وستتوقف مصداقية "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" على قدرتها على تجاوز هذه التحديات وتقديم نتائج ملموسة وسريعة إلى سكان غزة. على المدى القصير، يجب أن يركز مجلس السلام - وهو الكيان الذي تقوده الولايات المتحدة والمكلف بالإشراف على عملية الانتقال بأكملها، بما في ذلك الاشراف على أنشطة "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"- على توفير الغطاء السياسي اللازم الذي تحتاجه اللجنة للعمل، إلى جانب تزويدها بالأدوات العملية التي تمكّنها من إحداث تأثير مباشر في حياة سكان غزة وترسيخ مصداقيتها على الأرض. وإذا فشلت اللجنة، فإن ذلك سيعرّض خطة النقاط العشرين برمتها للخطر.
أهمية الانطباع الأول
وفقاً للخطة المكونة من عشرين نقطة، فإن "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" هي الجهة المكلفة بـ"الإدارة اليومية للخدمات العامة"، الأمر الذي يضعها عملياً في موقع قيادي، لا سيما فيما يتعلق بجهود استعادة هياكل الحكم في غزة، وتنفيذ برامج الإنعاش المبكر، وإعادة تأهيل المناطق التي دمرتها الحرب. وإذا نجحت في هذه المهام، فستكون اللجنة في وضع يمكّنها من لعب دور رئيسي بمجرد بدء مرحلة إعادة الإعمار.
وقد تبرز "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" أيضاً كجهة مسؤولة فعلياً عن الشؤون الأمنية داخل غزة، إذ تشير جميع الدلائل الحالية إلى أن "قوة الاستقرار الدولية" المنصوص عليها في خطة العشرين نقطة لن تكون قادرة أو راغبة في القيام بدور عملياتي في نزع سلاح "حماس". ورغم أن اللجنة لا تتمتع بولاية أمنية صريحة، إلا أنها ستسيطر على" قوات الشرطة الفلسطينية التي تم فحصها "والواردة في خطة ترامب الأصلية، مما يمنحها بحكم الأمر الواقع دوراً أمنياً موسعاً. سيتم تناول هذه القضايا الأمنية وغيرها بشكل أكثر شمولاً في تقرير لاحق منفصل للمرصد السياسي.
أثناء معالجتها لهذه المهام الصعبة، سيكون أمام "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" نافذة زمنية قصيرة نسبياً لكسب مصداقيتها أو فقدانها. إن سكان غزة يتطلعون إلى تبني أي كيان يمكنه تغيير ظروفهم المعيشية واحداث تغييراً ملموساً ورسم طريق نحو العودة إلى الحياة الطبيعية بعد نحو عامين من الحرب المدمرة. إن تحقيق نتائج سريعة وملموسة سيعزز شرعية اللجنة ويمنحها دفعة سياسية ومعنوية. وعلى العكس من ذلك، إذا تعطلت عملياتها المبكرة، فستفقد اللجنة ثقة الجمهور وستصبح أكثر عرضة للهجمات السياسية، وهو ما ستستغله "حماس" و"السلطة الفلسطينية" لتجريدها من الشرعية وإضعافها لصالح نفوذهما.
التحديات الداخلية
على الرغم من أن "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" تكنوقراطية وغير سياسية " بطبيعتها، إلا أنها تعمل في بيئة شديدة التسييس، وبالتالي ستكون عرضة للهشاشة السياسية. علناً، رحبت "حماس" والسلطة الفلسطينية بإنشائها، جزئياً لتفادي الصدام مع الرئيس ترامب والتحالف الإقليمي الذي تشكل حول خطة العشرين نقطة. ومع ذلك، فإن كلا المنظمتين قد تتضرران إذا نجحت اللجنة. وعلى الرغم من ادعاءاتهما بعكس ذلك، لا تزال "حماس" تسعى إلى الحفاظ على سيطرتها السياسية على غزة، ونجاح اللجنة من شأنه أن يقوض هذا الهدف، لا سيما إذا انتهى الأمر باللجنة إلى تولي دور أمني أوسع. ومن جانبها، تشعر السلطة الفلسطينية بالقلق من أن هذا النجاح قد يحول اللجنة من كيان" مؤقت وانتقالي" إلى وسيط دولي دائم معترف به وموثوق به في المراحل المستقبلية.
كما أن "السلطة الفلسطينية" و"حماس" لديهما أدوات متعددة لتعقيد عمليات اللجنة. فمن ناحية، يمكن لأعضاء "حماس" المسلحين تهديد سلامة موظفي اللجنة. علاوة على ذلك، سيتعين على اللجنة الاعتماد جزئياً على البيروقراطية القائمة في غزة لتنفيذ سياساتها وقراراتها. وعلى الرغم من أن جزءاً من مهمة اللجنة هو إقصاء أعضاء "حماس" المعروفين من هذه الهياكل، فإن المتعاطفين معها قد يحتفظون بمناصبهم، مما يتيح للجماعة الإرهابية مواصلة الوصول إلى مواقع التأثير (وترهيب) البيروقراطيين الآخرين. وبالمثل، تمتلك "السلطة الفلسطينية" عدداً من الأدوات القانونية والتنظيمية التي يمكنها استخدامها لعرقلة عمليات اللجنة. ومن المرجح أيضاً أن تنخرط "حماس" و"السلطة الفلسطينية" في حملات دعائية مباشرة أو غير مباشرة تهدف إلى نزع الشرعية عن اللجنة.
العامل الإسرائيلي
من دون التزام صريح من القدس بتسهيل عمل "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، لا يمكن للجنة أن تنجح، لأن إسرائيل تسيطر على حركة الأموال والمواد والأشخاص داخل غزة وخارجها. يجب أن يأتي هذا الالتزام من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو شخصيًا، من أجل تحديد النهج الذي يتعين على البيروقراطية الإسرائيلية اتباعه للتعامل البنّاء مع اللجنة. كما ستحتاج هذه البيروقراطية إلى تغيير أسلوب عملها فيما يتعلق باحتياجات غزة.
على الرغم من أن الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية تظل ذات أولوية قصوى، فإن نجاح الجهود المدنية يلعب دوراً حيوياً في تعزيز أمن غزة على المدى الطويل. ولتهيئة الظروف اللازمة أمام اللجنة لتنفيذ مهامها الأكثر إلحاحاً في الوقت المناسب، يتعين على إسرائيل تبني نهج سريع الاستجابة في مسائل مثل فحص السلطات الجديدة في غزة، وتمكين إدخال المواد الضرورية، وتسهيل حركة الموظفين الرسميين. وفي المقابل، فإن اتباع نهج بيروقراطي مرهق سيجعل من الصعب على اللجنة العمل بفعالية، ويفتح المجال أمام عودة "حماس" وتصاعد حالة عدم الاستقرار.
المؤشرات الأولية ليست مطمئنة. على سبيل المثال، أفادت التقارير في الشهر الماضي، أن رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة" تأخر ست ساعات عند جسر اللنبي أثناء توجهه إلى الاجتماع الافتتاحي للجنة في القاهرة. وقد يعزى بعض هذه الحوادث إلى الجمود البيروقراطي في المراحل الأولى، إلا أن تحولها إلى نمط متكرر من شأنه أن يعرقل بشكل خطير قدرة اللجنة الوطنية لتنسيق الإغاثة والإنعاش على تحقيق النجاح.
ساعدني لأساعدك في نهاية المطاف
في نهاية المطاف، حتى لو تم التغلب على هذه التحديات الخارجية، فإن التزام اللجنة بتنسيق الإغاثة والإنعاش وفقاً لمبادئ الحكم الرشيد سيكون العامل الأهم في تحديد نجاحها. أولا وقبل كل شيء، يجب على اللجنة أن تلتزم بصرامة بولايتها "التكنوقراطية وغير السياسية"، وأن تتجنب الانجرار إلى النزاعات السياسية. ويعد قرارها الأخير باعتماد شعار مطابق لشعار السلطة الفلسطينية خير دليل على ذلك، إذ أن مثل هذه الحوادث تحول الانتباه ورأس المال السياسي عن مهمتها الأساسية. كما يجب على اللجنة أيضاً تجنب محاولة معالجة القضايا التي تفوق قدراتها أو ولايتها الحالية، بما في ذلك إعادة الإعمار أو نزع سلاح "حماس".
أولا وقبل كل شيء، يجب على اللجنة أن تلتزم بصرامة بولايتها "التكنوقراطية وغير السياسية"، وأن تتجنب الانجرار إلى النزاعات السياسية. ويعد قرارها الأخير باعتماد شعار مطابق لشعار السلطة الفلسطينية خير دليل على ذلك، إذ أن مثل هذه الحوادث تحول الانتباه ورأس المال السياسي عن مهمتها الأساسية.
في الواقع، لدى اللجنة ما يكفيها من المشاغل، إذ تتمثل أولويتها القصوى في استقرار الوضع الإنساني فيما يُسمى "المنطقة الحمراء". وهي أجزاء من غزة انسحبت منها القوات الإسرائيلية وتعيش فيها الغالبية العظمى من سكان غزة. هناك العديد من الاحتياجات الملحة في هذه المنطقة التي يمكن معالجتها على الفور بطرق توفر فرص عمل فورية أو تؤثر بشكل مباشر على حياة الناس، مما يجعل اللجنة هيئة حاكمة ذات مصداقية في هذه العملية. على سبيل المثال، يمكن للجنة أن تركز على بدء عملية استعادة البنية التحتية الأساسية والخدمات الحيوية في قطاعات المياه والكهرباء، والصرف الصحي، والصحة، والتعليم.
توصيات سياسية
بصفتها هيئة تكنوقراطية حديثة العهد، تفتقر "اللجنة الوطنية لإدارة غزة " إلى الأدوات اللازمة لمواجهة بعض التحديات السياسية والدبلوماسية التي تنتظرها. ومن ثم، فإن المهام البالغة الأهمية المتمثلة في حشد الدعم الإقليمي والدولي للجنة وإشراك إسرائيل ستقع على عاتق الممثل السامي لغزة، نيكولاي ملادينوف، وهو دبلوماسي فعال وذو خبرة. وسيكون الممثل السامي الواجهة اليومية بين مجلس السلام والجهات المعنية الإقليمية والمحلية، التي ستسعى بلا شك إلى تحديد مدى سلطته على الفور وما إذا كان يحظى بدعم مباشر من الرئيس ترامب. وستحدد قدرته على إثبات هذا الدعم شروط مشاركته المستقبلية مع هذه الجهات المعنية وتشير إلى ما إذا كان بإمكانه تهيئة الظروف لنجاح اللجنة.
وعلى وجه الخصوص، ينبغي لمجلس السلام أن يطلب من الممثل السامي أن يوضح أن "حماس" و"السلطة الفلسطينية" يجب ألا تتخذ أي إجراءات من شأنها أن تقوض عمليات الحكومة الوطنية المؤقتة لغزة. وبطبيعة الحال، هناك حدود لمدى تأثير الجهات الخارجية على السلوك السياسي لـ"حماس" و"السلطة الفلسطينية"، وسيكون هذا صحيحاً بالتأكيد فيما يتعلق بحملات التوعية التي تشنها هذه الجهات وتأثيرها غير المباشر على البيروقراطيين في غزة الذين يعملون تحت إشراف الحكومة الوطنية المؤقتة لغزة. ومع ذلك، سيكون لدى الممثل السامي والمسؤولين الآخرين أدوات لتقليل الأضرار التي يسببها المفسدون، مثل مراقبة أنشطتهم عن كثب، وفضحهم عندما ينخرطون في أعمال عرقلة، واستخدام دول المنطقة لتضخيم هذه الرسالة - على وجه التحديد، قطر وتركيا ومصر (بالنسبة لحماس)، والسعودية والأردن ومصر (بالنسبة للسلطة الفلسطينية).
أما بالنسبة لإسرائيل، فإن أولوية العمل هي التأكد من أنها تتبنى نهجاً يسهل عمليات اللجنة لتنسيق الشؤون العامة بدلاً من عرقلتها. هذا قرار سياسي لا يمكن أن يضمنه سوى الرئيس ترامب من رئيس الوزراء نتنياهو. كما سيكون التحدي التشغيلي الرئيسي هو التغلب على بطء البيروقراطية الإسرائيلية وضمان استجابات فعالة لطلبات اللجنة لتنسيق الشؤون العامة اليومية. لذلك، يجب على القدس تعيين شخص مسؤول يتمتع بالسلطة ليكون مسؤول الاتصال الإسرائيلي لجميع الأمور التي تؤثر على عمليات اللجنة.
ولكن في النهاية، النجاح يجلب النجاح، وسيتوقف هذا في المقام الأول على كفاءة وأداء اللجنة، على الرغم من أن مجلس السلام يمكن أن يساعد في تعزيز هذين المقياسين. مع تقدم المرحلة الثانية من خطة ترامب، من المأمول أن تظهر عدد من التطورات الإيجابية التي تسهم في تحسن ظروف سكان غزة. وحيثما كان ذلك مناسباً وموثوقاً، ينبغي منح اللجنة الفضل الجزئي على الأقل في هذه التطورات من أجل تعزيز شرعيتها وتسهيل عملياتها اللاحقة.
سيتطلب تمكين اللجنة من النجاح بذل جهود كبيرة ورأس مال سياسي من جميع الأطراف المعنية. ورغم صعوبة ذلك، يجب على المسؤولين أن يضعوا في اعتبارهم أن الفشل لن يؤدي إلا إلى خلق فراغ ستملؤه "حماس" حتماً. وهذا سيكون ضاراً للغاية ليس فقط بمصالح الفلسطينيين والإسرائيليين، بل أيضاً بخطة السلام التي وضعها الرئيس ترامب ومبدأها الأساسي المتمثل في منع جماعة إرهابية مثل "حماس" من الاحتفاظ بأي دور في الحكم المستقبلي لغزة.