- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4193
مع اندلاع الحرب مع إيران، "حماس" تميل نحو جماعة الإخوان
أدى الصراع المستمر منذ شهر والتطورات في غزة إلى إضعاف علاقة الجماعة الإرهابية بطهران، مما أتاح لواشنطن فرصة لتحقيق أهدافها من خلال العمل مع قطر وتركيا، فضلاً عن مصر.
لقد كشفت الحرب مع إيران عن انقسام طويل الأمد بين مسؤولي حماس الموالين لإيران وأولئك الموالين لجماعة الإخوان المسلمين، بل وسعت نطاق هذا الانقسام. ورغم اختلاف المعسكرين فيما يتعلق بالتوجه الإقليمي، لا يمكن اعتبار أي منهما "معتدلاً"، نظراً لتأييدهما المشترك للإرهاب وهدفهما النهائي المتمثل في تدمير إسرائيل. ومع ذلك، فإن الضعف الحالي لمؤيدي إيران سيعزز حتماً من موقف قطر وتركيا، اللتين دعمتا جانب جماعة الإخوان المسلمين، مما يمكن الولايات المتحدة من حث هذين البلدين على ممارسة المزيد من الضغط على "حماس".
ومع ذلك، مهما كان رد فعل واشنطن على التحولات الأخيرة، يجب أن تحذر من تقوية حماس عن غير قصد من خلال تقديم حوافز سياسية، لا سيما من خلال التعامل المباشر مع الجماعة الإرهابية. كما يجب أن يظل أي تعامل أمريكي مباشر مع "حماس" مشروطاً بتنفيذها الكامل لخطة إدارة ترامب المكونة من 20 نقطة، وكذلك الالتزام بالمعايير الدولية المنصوص عليها في مبادئ "الرباعية" لعام 2006 - أي الالتزام بعدم اللجوء لاستخدام العنف، والاعتراف بإسرائيل، وقبول الاتفاقات الإسرائيلية - الفلسطينية السابقة.
الخلفية
منذ بداية الحرب مع إيران، كانت التصريحات القليلة التي أدلت بها "حماس" داعمة بشكل ساحق لطهران. لكن حدث مثال مخالف في 14 آذار/مارس، عندما دعت الحركة إيران إلى الامتناع عن استهداف "الدول المجاورة"، حتى في الوقت الذي أعربت فيه عن دعمها لـ"حقها في الدفاع عن النفس". ومثلت هذه الرسالة انفصالاً علنياً نادراً - على الأقل في السنوات الأخيرة - بين الجماعة الإسلامية والجمهورية الإسلامية.
يُظهر البيان قلق الحركة بشكل خاص بشأن مستقبلها في الدوحة. وكحال دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، تعرضت قطر لقذائف إيرانية، واتخذت موقفاً حازماً ضد أي تعبير علني عن دعم الجمهورية الإسلامية. وتظهر علامات استياء قطر من "حماس" بوضوح في عمليات الاعتقال الأخيرة، بما في ذلك اعتقال معلقين منتظمين على قناة الجزيرة ومؤثرين إعلاميين تابعين لحماس أعربوا عن دعمهم لإيران.
لكن بيان 14 آذار/مارس يعكس أيضاً صراعاً طويل الأمد على السلطة داخل المنظمة. ومن بين المؤيدين لإيران الجناح العسكري لـ"حماس" والقيادة المتمركزة في غزة، الذين يبررون وجهة نظرهم بالإشارة إلى توفير طهران للتدريب والأسلحة والدعم المباشر لقدرات الجماعة الإرهابية والعسكرية. وأبرز شخصية في هذا المعسكر هو خليل الحية، الذي خلف فعلياً يحيى السنوار وقادة آخرين في كتائب القسام. وفي الوقت نفسه، يعتقد الجانب المؤيد للإخوان، الذي يتألف أساساً من قيادة الشتات برئاسة رئيس المكتب السياسي السابق خالد مشعل، أن التحالف مع الدول السنية ذات التوجه الإخواني - أي قطر وتركيا - سيسهل قبول "حماس" في العالم العربي، مما سيمهد الطريق لاستيلائها على الحركة الوطنية الفلسطينية والاندماج الدولي في المستقبل.
وتجدر الإشارة إلى أن كلا المعسكرين ليسا "معتدلين" بأي شكل من الأشكال. ففي حين أبدى أنصار جماعة الإخوان المسلمين أحياناً مرونة تكتيكية، إلا أنهم لم يحيدوا أبدًا عن مبادئ المعارضة المتشددة للحركة. فعلى سبيل المثال، أعربوا عن استعدادهم لقبول دولة فلسطينية على أساس حدود عام 1967 والنظر في هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل، لكنهم يرفضون صراحة أي اعتراف بإسرائيل ويصرون على الاحتفاظ بـ"حق المقاومة". وقد كان كلا المعسكرين ولا يزالان مؤيدين للهجوم الإرهابي الذي وقع في 7 تشرين الأول/أكتوبر. وفيما يتعلق بنزع السلاح، صرح مشعل مؤخرًا أن نزع سلاح حماس يعادل "نزع روحها".
لقد تأرجح ميزان القوى بين المركزين على مر السنين، فمنذ عام 2017 وحتى حرب غزة، كان المعسكر الإيراني هو المهيمن داخل الحركة. لكن وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر2025، ووفاة قادة "حماس" الرئيسيين الموالين لإيران، والتدهور الشديد في "كتائب القسام"، رجح الميزان مجددًا لصالح الإخوان - وهو اتجاه من المرجح أن تعززه الحرب مع إيران. من الجدير بالذكر أن إيران لم تضعف ماديًا جراء النزاع فحسب، بل ستخرج أيضًا معزولة إقليميًا بعد استهدافها لدول عربية عديدة.
علاوة على ذلك، سيكون لتوجه الحركة نحو الإخوان آثار سياسية على الحركة، فمع اقتراب موعد انتخاب حماس لقيادات جديدة هذا العام، من المرجح أن يحاول مشعل اغتنام الفرصة لاستعادة دوره السابق. وعلى الصعيد الإقليمي، كما ذكرنا، فإن قطع العلاقات مع إيران أو حتى تخفيض مستواها سيؤدي إلى تعميق اعتماد "حماس" على قطر وتركيا، مما يزيد من نفوذهما تجاه الحركة. كما ستسعى القيادة المتحالفة مع جماعة الإخوان إلى توسيع نطاق نفوذها ليشمل عواصم إقليمية أخرى. لطالما سعى مشعل إلى فتح قنوات اتصال مع الرياض، وإن لم ينجح في ذلك. ومن المرجح أن يسلك هو والمسؤولون الذين يشاطرونه الرأي مساراً مماثلاً هذه المرة، مستشهدين بانفصال الجماعة عن طهران - على الرغم من أن المسؤولين السعوديين لم يبدوا أي اهتمام متزايد بمثل هذه المبادرات.
الآثار المترتبة على سياسة الولايات المتحدة
في ظل تحول "حماس" نحو جماعة الإخوان المسلمين، لن تتمكن قطر وتركيا بعد الآن من الاعتماد على روايتهما التي سادت خلال سنوات الحرب وحتى بعدها. وبحسب هذا الطرح، حالت العناصر الموالية لإيران ميدانياً، والنفوذ الناجم عن احتجاز الرهائن، دون تمكن وسطاء حماس المنتمين للإخوان من الوصول إلى نتائج. وفي حين أن المعسكر الإيراني لن يختفي وسيحتفظ ببعض النفوذ في غزة، فقد فقدت هذه الحجة مصداقيتها، مما يتيح للولايات المتحدة فرض المساءلة.
ينبغي على واشنطن استخدام نفوذها لدفع الدوحة وأنقرة إلى ممارسة ضغوط إضافية على حماس. بالنسبة لقطر، يمكن أن تشمل هذه الضغوط التمويل، والوصول إلى وسائل الإعلام والمنصات السياسية، والأهم من ذلك، التواجد في العاصمة القطرية. في الوقت نفسه، ينبغي على الولايات المتحدة ضمان ألا توفر تركيا شبكة أمان بديلة لـ"حماس"، كما فعلت خلال فترات التوتر السابقة بين حماس وقطر. كما ينبغي للمسؤولين الأمريكيين ضمان المشاركة الكاملة من جانب مصر، التي ترى في حماس تهديداً لأمنها القومي، وقد عارضت أي إجراءات قد تمنحها الشرعية. وعلى النقيض من ذلك، غالباً ما استخدمت قطر وتركيا أدوارهما الوسطية لتأمين مكاسب سياسية لحماس مقابل مرونة من جانب الجماعة.
وينبغي أن يتعلق المطلب الأكثر إلحاحاً بنزع سلاح حماس، إذ يدعو اقتراح صدر في أواخر اذار/مارس عن الممثل الأعلى لمجلس السلام - الكيان الذي تقوده الولايات المتحدة والذي يشرف على عملية الانتقال- إلى نزع السلاح الكامل، ولكن التدريجي. قد يكون هذا النهج غير مرضٍ، لكنه يعكس الواقع. وسيتعقد نزع السلاح بسبب عدد من العوامل، ليس أقلها أن حتى المعسكر الصاعد الموالي للإخوان قد يفتقر إلى السيطرة الكاملة على جميع العناصر المسلحة في غزة. من المرجح أن تحاول "حماس" تأجيل الرد الرسمي على الاقتراح حتى تنتهي الحرب مع إيران.
قد يميل البعض إلى تعزيز "البراغماتيين" الموالين للإخوان من خلال تحقيق مكاسب سياسية لتسهيل تنفيذ الخطة المكونة من 20 نقطة. وسيكون هذا خطأً، حيث تمر حماس بأحد أضعف لحظاتها في تاريخها - على غرار منظمة التحرير الفلسطينية بعد تحرير الكويت عام 1991 عندما دعمت الغزو العراقي. لقد فقدت "حماس" أحد داعميها (إيران) وأغضبت آخر (قطر)، ومن ثم ينبغي على الولايات المتحدة استغلال هذا الوضع لصالحها.
وبالتالي، في حين قد يكون من الضروري اتباع نهج تدريجي لنزع السلاح، يجب على الولايات المتحدة تجنب أي خطوات من شأنها تمكين "حماس" أو إضفاء الشرعية عليها. ومن المرجح أن تستغل الجماعة عملية نزع السلاح المطولة لتأمين مزيد من المشاركة المباشرة مع الولايات المتحدة تحت ستار حل قضايا نزع السلاح العالقة. في الأشهر القليلة الماضية، تواصل مسؤولون أمريكيون، بمن فيهم مبعوث شؤون الرهائن آدم بوهلر، ومبعوث الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، ومؤخراً، وفقاً للتقارير، مساعد ويتكوف آرييه لايتستون، بشكل مباشر مع ""حماس.
وقد تعتقد الإدارة، مع بعض المبررات، أن التواصل المباشر عبر المبعوثين يسهل إحراز تقدم في القضايا المتعلقة بغزة. ومع ذلك، وبالنظر إلى ضعف "حماس" وزيادة نفوذ قطر وتركيا، فإن مثل هذا النهج ليس فقط غير ضروري، بل إنه يؤدي إلى نتائج عكسية. فالتواصل مع الولايات المتحدة هو هدف طالما سعت إليه "حماس"، وهو ما يبشر بدخولها إلى التيار الرئيسي من وجهة نظر الفاعلين الإقليميين؛ كما أنه يوفر مظهراً من الشرعية ويعزز موقف الجماعة تجاه خصومها الفلسطينيين مثل اللجنة الوطنية لإدارة غزة والسلطة الفلسطينية. علاوة على ذلك، إذا شعرت "حماس" أنها تستطيع تجاوز الممثل الأعلى لمجلس السلام من خلال التواصل المباشر مع الولايات المتحدة، فستسعى إلى ذلك.
كما ينبغي تقديم الانخراط الأمريكي على أنه الجائزة النهائية بمجرد أن تفي "حماس" بالتزاماتها في غزة وخارجها. وعلى وجه التحديد، لا ينبغي أن يتم هذا الانخراط إلا بعد أن تنفذ "حماس" الخطة المكونة من 20 نقطة بالكامل وتلتزم بمبادئ الرباعية.
التوصيات
يخلق الموقف الضعيف لـ"حماس" تاريخياً فرصاً للولايات المتحدة لزيادة الضغط على الجماعة من خلال قطر وتركيا - لكنه يخلق أيضاً مخاطر. وقد يؤدي اتباع نهج متحمس للغاية يكافئ "حماس" سياسياً من أجل تنفيذ خطة النقاط العشرين إلى تعزيز الجماعة الإرهابية وتوفير مخرج لها من مأزقها الحالي.
ولمعالجة هذه المخاطر، ينبغي على الولايات المتحدة:
- إعادة التأكيد على أن الانخراط السياسي مع حماس لن يحدث إلا بعد قبولها لمبادئ الرباعية. يجب إيصال هذا الموقف بوضوح إلى الشركاء الإقليميين والدوليين لثنيهم عن اتخاذ أي خطوات قد تسهل دمج الجماعة الإرهابية في التيار الرئيسي.
- الامتناع عن التعامل المباشر مع "حماس". يجب أن يتولى الممثل الأعلى لمجلس السلام وحده معالجة أي قضايا تتعلق بغزة أو تنفيذ الخطة المكونة من 20 نقطة.
- إشراك قطر وتركيا لضمان استخدامهما لنفوذهما المتزايد على "حماس". على المدى القريب، يجب أن تركز الضغوط على التنفيذ الكامل لخطة النقاط العشرين. وفي الوقت نفسه، يجب على الولايات المتحدة ضمان بقاء مصر وسيطاً رئيسياً، نظراً لرؤيتها للجماعات الإسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين كتهديد للأمن القومي.
وفي وقت تنأى "حماس" بنفسها عن إيران بدافع الضرورة والضعف، ينبغي للولايات المتحدة أن تستغل هذا التحول لدعم المصالح الأمريكية في غزة والمنطقة الأوسع، لا أن تكافئ الحركة بمنحها فرصاً لا تستحقها.