- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4154
لماذا يتعين على الولايات المتحدة الإبقاء على دورها الريادي في مجال مكافحة الإرهاب على الصعيد الدولي
مع قيام الولايات المتحدة والأمم المتحدة بمراجعة وثائق استراتيجياتهما، يتعين على إدارة ترامب إعادة تأكيد دور أمريكا في صياغة أجندة مكافحة الإرهاب، إذ لا غنى عن المنظمات متعددة الأطراف في هذا الجهد.
في الأسبوع الماضي، أعلن الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة ستنسحب من 66 منظمة دولية، من بينها ثلاث منظمات تضطلع بمهام حيوية في مجال مكافحة الإرهاب. وبعد ذلك بوقت قصير، حذر وزير الخارجية ماركو روبيو من أن الإدارة ستواصل مراجعة هذه المنظمات وقطع العلاقات مع تلك التي تعتبرها "مهدرة أو غير فعالة أو ضارة"، وذلك انسجاماً مع الأمر التنفيذي الصادر عن ترامب في شباط/فبراير 2025بهذا الشأن.
وتثير موجة الانسحابات الجديدة، وما قد يتبعها من خطوات مماثلة، تساؤلات حول ما إذا كانت الإدارة تعتزم الاستمرار في الدور الريادي الذي اضطلعت به الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر. ومن المقرر أن تصدر الحكومة الأمريكية والأمم المتحدة، في المستقبل القريب، وثائق استراتيجية جديدة ومراجعات محدثة لمكافحة الإرهاب، وهو ما يمثل فرصة مهمة للإدارة لتأكيد التزامها المستمر بوضع أجندة دولية لمكافحة الإرهاب، بما في ذلك من خلال العمل ضمن الأطر متعددة الأطراف. وإلى جانب ما أسهمت به هذه المقاربة من تحقيق انتصارات وتقدم تاريخي على مدى الخمسة والعشرين عاما الماضية، سيظل النهج متعدد الأطراف ضرورياً في المرحلة المقبلة إذا كان الرئيس ترامب يطمع إلى تحقيق أهدافه في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والإرهاب المرتبط بإيران، وغيرها من التهديدات، ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل أيضا في أمريكا الجنوبية ومناطق أخرى من العالم.
استهداف المنظمات الخطأ
لم تقدم الإدارة حتى الآن مزيدا من التفاصيل حول أسباب قطع علاقاتها مع المنظمات المعنية بمكافحة الإرهاب التي ورد ذكرها في الإعلان، وهي: "المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب " (GCTF)، و"المعهد الدولي للعدالة وسيادة القانون" (IIJ)، و"صندوق المشاركة المجتمعية العالمية والمرونة" (GCERF). وقد أسهمت الولايات المتحدة في إنشاء وقيادة كل من هذه الكيانات، ومن شأن الانسحاب منها أن يترك أثرأاً سلبياًاً مباشراًاً على جهود مكافحة الإرهاب.
ويُعد "المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب "، أبرز هذه المنظمات الثلاث، إذ تأسس عام 2011 ويضم صانعي سياسات مدنيين وممارسين من 31 دولة والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك روسيا والصين، إضافة إلى دول تقع على خطوط المواجهة مع الإرهاب العالمي مثل كينيا وباكستان، وكذلك الدول المانحة في أوروبا الغربية والخليج التي تمول أو تقدم المساعدة الفنية والتدريب. وفي سنواته الأولى، سهّل المنتدى إجراء نقاشات معمقة مع الحكومات العربية التي واجهت صعوبات في التعامل مع الجماعات الإرهابية التي استغلت موجة الربيع العربي، كما مكّن المانحين والخبراء الغربيين من تقديم المشورة بشأن سبل مواجهة هذه الجماعات دون انتهاك حقوق الإنسان. وفي الفترة الأخيرة، اضطلع المنتدى بدور مماثل في أفريقيا، حيث تصاعدت تهديدات تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة بشكل ملحوظ.
كما طوّر المنتدى مجموعة مهمة من أفضل الممارسات المتعلقة بمقاربات العدالة الجنائية وسيادة القانون واسعة النطاق، إضافة إلى قضايا فنية أكثر تخصصاً مثل تهديدات الطائرات بدون طيار والتطرف داخل السجون. ومن بين الفوائد الأخرى، تسهم هذه الخبرات المتراكمة في تعزيز مصالح الولايات المتحدة من خلال مساعدة الحلفاء على معالجة تحدياتهم الخاصة في مجال مكافحة الإرهاب.
تأسس "المعهد الدولي للعدالة الجنائية" بوصفه مركزاً تدريبياً متخصصاً في مكافحة الإرهاب لممارسي العدالة الجنائية، حيث يطبق أفضل ممارسات المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب ويبرهن على فعاليته العالية في دعم أولويات الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، وبناءً على طلب واشنطن، عقد المعهد منتدى حول " أدلة ساحة المعركة " في عام 2019، حيث درب الدول على كيفية استخدام المعلومات التي تم جمعها في ساحة المعركة لتمكين المدنيين من ملاحقة المقاتلين الإرهابيين الأجانب قضائياً. وقبل ذلك، كانت حكومات عديدة مترددة في اعتماد هذه المقاربة وتفتقر إلى الخبرة الفنية والسلطات القانونية اللازمة. وبعد عام واحد، حذت هيئتان متعددتا الجنسيات حذو الولايات المتحدة والمعهد الدولي للعدالة الجنائية، وهما وكالة "يوروجست"، التابعة للاتحاد الأوروبي (Eurojust) و"المديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب"(CTED) حيث أصدرتا إرشاداتهما الخاصة بشأن أدلة ساحة المعركة. وبحلول تشرين الثاني/نوفمبر 2025، قدّرت"يوروجست" أن هذه الأدلة «تُستخدم على نحو متزايد» في قضايا الإرهاب والجرائم الجنائية داخل أوروبا. ومن جانبه، واصل" المعهد الدولي للعدالة الجنائية" تنظيم تدريبات إضافية حول هذا الموضوع على مدار السنوات اللاحقة، بما في ذلك تدريب موجه للسلطة القضائية العراقية.
تم إنشاء المنظمة الثالثة، وهي "الصندوق العالمي للمشاركة المجتمعية والمرونة" (GCERF)، في الأصل لربط المنظمات غير الحكومية العاملة في بيئات عالية المخاطر المرتبطة بالإرهاب بالمانحين الراغبين في تمويل برامج مكافحة الإرهاب. واليوم، تضطلع هذه المنظمة بدور محوري في التعامل مع آلاف من أفراد عائلات تنظيم الدولة الإسلامية المحتجزين في معسكرات شمال شرق سوريا. وقد سهّل الصندوق عمليات عودة النساء والأطفال من مخيمي روج والهول، إضافة إلى إعادة تأهيلهم وإدماجهم مجدداً في العراق ومناطق أخرى. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة كانت المانح الأكبر، إذ قدمت نحو 36 مليون دولار، فإن الصندوق نجح في حشد ما يقرب من 150 مليون دولار من حكومات أخرى ومن القطاع الخاص، وهو ما يعكس قدرة التمويل الأمريكي الأولي على تحفيز الشركاء للانخراط والمساهمة.
وبصفتها الجهة المؤسسة والممول الرئيسي لهذه المنظمات، لعبت واشنطن دوراً أساسياً في تحديد أولوياتها وضمان مساءلتها على النتائج. ومن شأن الانسحاب منها أن يحدّ من قدرة الولايات المتحدة على توجيه وضمان اتساق الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب مع أولوياتها الاستراتيجية.
مخاطر فراغ القيادة الأمريكية
هناك قلق أوسع نطاقاً من أن الإجراءات الجذرية، مثل إعلان الانسحاب الذي صدر الأسبوع الماضي، قد ترسل إشارة سلبية إلى الشركاء مفادها أن إدارة ترامب لا تولي أهمية كافية للتعاون متعدد الأطراف في مواجهة بعض أخطر التهديدات في الشرق الأوسط، بما في ذلك تنظيم الدولة الإسلامية وإيران. إن الاستمرار في هذا المسار سيشكل خطأ مكلفاً ويتعارض بشكل مباشر مع الأهداف المعلنة للإدارة في التصدي لهذه التهديدات.
وفي السابق، أنشأت الولايات المتحدة وقادت منتديين متعددي الأطراف هما "مجموعة تنسيق إنفاذ القانون" (LECG) و"منتدى مكافحة الإرهاب العابر للحدود"(CTTF)، وذلك لتعبئة الشركاء الدوليين في مواجهة الإرهاب المرتبط بإيران، بقيادة وزارتي الخارجية والعدل وبمشاركة عدد من الوكالات الأمريكية الأخرى. وتعد هاتان الهيئتان الوحيدتين المخصصتين حصرياً لمواجهة هذا التهديد، وقد انضمت إليهما أكثر من ثلاثين دولة، فيما يعكس الطابع العالمي للشبكات الإرهابية والمالية وشبكات المشتريات والدعم اللوجستي التي تديرها إيران ووكيلها الخارجي الرئيسي، "حزب الله". وقد مكنت مجموعة تنسيق إنفاذ القانون ومنتدى مكافحة الإرهاب العابر للحدود العاملين في مجال مكافحة الإرهاب حول العالم من تبادل الخبرات ومقارنة أساليب العمل وتطوير استراتيجيات أكثر فاعلية للتعامل مع هذه التهديدات المعقدة، ما أسفر عن عدد من قرارات التصنيف وتجميد الأصول وتحقيق نجاحات ملموسة في مجال إنفاذ القانون.
كما قامت وزارة الخارجية الأمريكية بربط هذه المنتديات بحملات دبلوماسية تهدف إلى زيادة الوعي بالتهديدات التي تشكّلها إيران و"حزب الله"، والضغط من أجل اتخاذ إجراءات ملموسة. وقد أسفر هذا النهج عن نتائج مهمة، إذ قامت 19 حكومة منذ عام 2019 بحظر "حزب الله" أو تصنيفه أو فرض قيود عليه، بينما اتخذ عدد متزايد من الحكومات خطوات مماثلة ضد الحرس الثوري الإيراني. وبفضل هذه الأدوات الجديدة، كثفت الحكومات تحقيقاتها في مجال إنفاذ القانون ضد شبكات الحرس الثوري الإيراني و"حزب الله" العاملة على أراضيها.
واليوم، أصبح منتدى "مجموعة تنسيق إنفاذ القانون" ومنتدى" مكافحة الإرهاب العابر للحدود" في وضع مؤهل لمساعدة إدارة ترامب على تحقيق هدفها المتمثل في مكافحة أنشطة إيران و"حزب الله" في نصف الكرة الغربي. وقد كانت العديد من حكومات أمريكا الجنوبية والوسطى أعضاء نشطين في هذه المنظمات لسنوات عديدة، مما مكن واشنطن من تعزيز قدراتها لمواجهة هذه التهديدات. ولكن بدون قيادة ودعم قويين من الولايات المتحدة، من غير المرجح أن يستمر أي من المنتديين، ومن شأن زوالهما أن يُعيق تحقيق أولويات الإدارة الرئيسية.
وينطبق الأمر نفسه على التحالف العالمي لهزيمة "داعش"، وهو هيئة تضم تسعين عضواً بقيادة الولايات المتحدة، وقد لعب دوراً لا يقدّر بثمن في مواجهة العناصر الإرهابية العالمية في العراق وسوريا لأكثر من عقد من الزمان. وعلى الرغم من أن الإدارة لم تشر إلى حل التحالف أو الانسحاب منه، فإن انسحابها من منظمات مكافحة الإرهاب متعددة الأطراف الأخرى ذات السجل الحافل سيثير بلا شك قلق الدول الأعضاء الأخرى. كما أن تخفيض مستوى مشاركة الولايات المتحدة وحده سيشكل ضربة قوية لفعالية التحالف. فإلى جانب تمكين الدول من تنسيق جهودها ضد منظمة إرهابية لا تزال تشكل تهديداً، شكل التحالف منتدى حاسماً للضغط على الدول من أجل تمويل برامج التدريب على مكافحة الإرهاب، وتوفير المعدات اللازمة، وإعادة معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية إلى أوطانهم، وتلبية الاحتياجات الإنسانية ومتطلبات الاستقرار الأوسع نطاقاً. وفي الفترة الأخيرة، استخدمت الولايات المتحدة التحالف لإعادة تركيز الاهتمام الدولي على التهديدات الناشئة لتنظيم "داعش" في أفريقيا.
البحث عن النبرة الصحيحة في وثائق استراتيجية مكافحة الإرهاب
لطمأنة الشركاء بأن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بدورها القيادي الدولي في مكافحة الإرهاب، وكذلك بالمنظمات متعددة الأطراف التي تسهم بشكل كبير في هذه المهمة، يجب على واشنطن استغلال فرصتين قادمتين. أولاً، من المقرر أن تصدر الإدارة الأمريكية قريباً وثيقة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب. وقد ذكرت استراتيجية الرئيس ترامب لعام 2018 أن "الولايات المتحدة ستواصل قيادة ودعم شركائها في مكافحة الإرهاب"، على الرغم من تحذيرها من أن أمريكا "لا تحتاج إلى تحمل المسؤولية الأساسية عن أنشطة مكافحة الإرهاب في جميع أنحاء العالم". وعلى الرغم من صحة هذا المبدأ، فإن الإدارة ستواجه صعوبة في الضغط على الحكومات الأخرى لزيادة مساهماتها إذا قلّصت واشنطن مساهماتها بشكل كبير. لذلك، يجب أن تؤكد الاستراتيجية الجديدة لمكافحة الإرهاب على أن المنظمات والمشاركة المتعددة الأطراف ستظل جزءاً أساسياً من نهج الولايات المتحدة.
ثانياً، ستجري الأمم المتحدة هذا الصيف مراجعتها الرسمية التاسعة لإستراتيجية مكافحة الإرهاب العالمية لعام 2006، وهي أول مراجعة من هذا النوع خلال إدارة ترامب الحالية. ويُوفّر هذا المنتدى فرصة جيدة أخرى لإظهار التزام واشنطن بالحفاظ على دورها في وضع وتشكيل المعايير الدولية لمكافحة الإرهاب.
خلاصة
في وقت توفر فيه الاضطرابات في الشرق الأوسط فرصاً وتحديات هائلة على صعيد مكافحة الإرهاب، تظل أفضل وسيلة لتطبيق مبدأ "أمريكا أولاً" هي تأكيد القيادة الأمريكية في هذه القضايا واستغلال جميع الأدوات لدفع الأحداث في الاتجاه المرغوب، وليس الانسحاب من المنظمات التي لها سجل حافل في تعزيز المصالح الأمريكية. وقد أوضحت إدارة ترامب أنها لا ترى قيمة كبيرة في المنصات متعددة الأطراف كوسيلة لتحقيق أهدافها، لكنها لم تحدد بعد كيف ستعوض هذه المنصات أو تحد من العواقب السلبية الواضحة للانسحاب منها.
قد يكون الاستفادة من المنظمات متعددة الأطراف لدعم الأجندات المفضلة أمراً معقداً، لكن هذه الممارسة ساعدت الولايات المتحدة مراراً على بناء توافق في الآراء وتوليد زخم حول قضاياها ذات الأولوية على مر السنين، لا سيما التهديدات التي يشكلها تنظيم الدولة الإسلامية و"حزب الله" وإيران. في المقابل، فإن الابتعاد عن التعاون متعدد الأطراف في مجال مكافحة الإرهاب قد يتيح فرصة لخصوم مثل روسيا والصين، العضوين في بعض هذه المنظمات، لاستغلال تراجع اهتمام الولايات المتحدة لإعادة تشكيل المعايير الدولية لمكافحة الإرهاب بما يخدم أولوياتهم الخاصة. وهذا السيناريو وحده كافٍ لجعل الإدارة تتوقف وتعيد النظر في خياراتها
ملاحظة: شارك أحد المؤلفين على نحو مكثف في تأسيس بعض المنظمات التي نوقشت في هذا العدد من المرصد السياسي والإشراف عليها، في حين شارك المؤلف الآخر بصفته خبيراً في اجتماعات عقدتها هذه المنظمات.