- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4263
حظر التجارة مع المستوطنات يضع أوروبا وإسرائيل على مسار تصادمي بشأن الضفة الغربية
مع أن القرار غير المسبوق بحظر التجارة مع المستوطنات بصورة مشتركة يثير أسئلة دبلوماسية وسياسية صعبة في خضم دورة انتخابية إسرائيلية حاسمة، فإن الإعلان ستكون له آثار مهمة تتجاوز موعد الانتخابات، إذ يشير إلى أن دولاً كثيرة ستعطي هذه القضية أولوية في علاقاتها مع أي حكومة يختارها الناخبون.
في 8 أيلول/سبتمبر، رعت المملكة المتحدة وكندا وفرنسا بياناً مشتركاً أعلنت فيه استعدادها لحظر تجارة السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وشاركت في توقيعه الدنمارك وفنلندا وآيسلندا وأيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد. وحظيت هذه الخطوة بدعم بيان منفصل أصدرته لندن وأوتاوا وباريس، وشدد على أن "الوقت قد حان لاتخاذ إجراءات إضافية للوفاء بالتزامنا بحماية حل الدولتين ومصالحنا والدفاع عن قيمنا، قبل فوات الأوان".
تشير هذه التطورات إلى تحول كبير في السياسات، إذ تمثل المرة الأولى التي يعلن فيها أعضاء في مجموعة الدول السبع حظراً من هذا النوع. فعلى مدى عقود، تجنبت الدول الأوروبية فرض حظر شامل على التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية، واكتفت بدلاً من ذلك بإجراءات محددة، مثل حرمان السلع المنتجة في المستوطنات من الرسوم الجمركية التفضيلية أو إلزامها بوضع ملصق خاص يوضح منشأها.
في إسرائيل، أحدثت هذه الإعلانات أزمة دبلوماسية وأثارت رفضاً شديداً من المسؤولين والرأي العام، ولا سيما تجاه المملكة المتحدة. كما تعرض توقيت البيانات لانتقادات حادة بسبب اقتراب الانتخابات الإسرائيلية. فلماذا أقدمت هذه الحكومات على هذه الخطوة غير المسبوقة، ولماذا الآن؟ والأهم، ما التداعيات المحتملة على سياسة إسرائيل في الضفة الغربية، وعلاقاتها مع أوروبا، ومستقبل الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق حل الدولتين؟
المواجهة الدبلوماسية بشأن كتلة E1
بعد سنوات من تصاعد التوترات الدبلوماسية بشأن الوضع في الضفة الغربية، جاء البيان المشترك مدفوعاً جزئياً بما وصفه بـ"مستويات غير مسبوقة من التوسع الاستيطاني"، بما في ذلك أعداد قياسية من الوحدات السكنية الجديدة، والزيادة الكبيرة في بناء البؤر الاستيطانية، وإضفاء الحكومة الحالية الصفة القانونية على أكثر من مئة مستوطنة جديدة. وتقع كثير من هذه المواقع الجديدة في عمق الضفة الغربية، بعيداً عن "الكتل" الاستيطانية الرئيسية القريبة من الخط الأخضر لعام 1967، ما يقوض أي إمكانية مستقبلية لإحياء مفاوضات حل الدولتين.
ويبدي الموقعون على البيان قلقاً خاصاً إزاء مشروع E1، وهو ممر استيطاني واسع النطاق سيمتد، إذا اكتمل، من القدس إلى كتلة «معاليه أدوميم». وعلى مدى سنوات، حذرت العواصم الأوروبية إسرائيل من أن بناء E1 يمثل خطاً أحمر، لأنه سيفصل بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، وقد يخلق وقائع على الأرض يصعب التراجع عنها ويمكن أن ترقى إلى ضم فعلي. وقد أعاد قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة تأكيد هذه الرسالة في بيان صدر في أيار/مايو الماضي.
بسبب ضغوط الاتحاد الأوروبي والمعارضة الصريحة من عدة إدارات أميركية، امتنعت الحكومات الإسرائيلية عن تنفيذ مشروع E1 لأكثر من ثلاثين عاماً. لكن الحكومة الحالية أقرت مخططاته في آب/أغسطس 2025، ما أدى أيضاً إلى خلافات دبلوماسية مع عدد من الدول العربية. فعلى سبيل المثال، حذرت المسؤولة الإماراتية لانا نسيبة من أن "ضم أراض في الضفة الغربية سيشكل خطاً أحمر بالنسبة إلى دولة الإمارات"، وأنه "سيقوض بصورة خطيرة رؤية اتفاقات أبراهام وروحها".
وفي تطور أحدث، طرحت وزارة الإسكان الإسرائيلية عطاءً في 18 آب/أغسطس أمام المقاولين للتنافس على بناء 1,234 وحدة سكنية في E1، كما أعلنت أن باب تقديم العروض لبقية الوحدات المخطط لها، والبالغ إجماليها 3,400 وحدة، سيفتح في تشرين الأول/أكتوبر. ويمثل ذلك تقدماً تاريخياً للمشروع، إذ يتجاوز للمرة الأولى مرحلة التخطيط.
كذلك، أشار مسؤولون أوروبيون إلى تصاعد عنف المستوطنين المتطرفين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية بوصفه أحد الدوافع الرئيسية وراء قرار الحظر التجاري. ويتزايد إحباط كثير من العواصم الغربية من إحجام الحكومة الإسرائيلية الحالية، بوجه عام، عن اتخاذ إجراءات جادة لمواجهة هذه الظاهرة.
من القيود التجارية إلى الحظر
تمثل القيود التجارية المتعلقة بمستوطنات الضفة الغربية قضية قديمة في أوروبا. وبموجب اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، لا تستفيد السلع المنتجة في المستوطنات من الرسوم الجمركية التفضيلية الممنوحة للسلع التي يكون منشؤها داخل حدود إسرائيل المعترف بها دولياً. وفي عام 2015، اتخذت دول الاتحاد الأوروبي خطوة إضافية بإلزام السلع القادمة من المستوطنات بحمل ملصقات توضح منشأها للمستهلكين، بدلاً من عبارة "صنع في إسرائيل".
وفي الآونة الأخيرة، أصدرت عدة دول أوروبية إرشادات تجارية بشأن التعامل مع المستوطنات. وفي آب/أغسطس، أصدر مسؤولون في كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والنرويج والمملكة المتحدة تحذيراً علنياً جاء فيه: "ينبغي للشركات ألا تفكر في تقديم عروض لعطاءات البناء المرتبطة بمشروع E1. وعليها أن تدرك العواقب القانونية والمتعلقة بالسمعة، بما في ذلك خطر التورط في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي".
حتى الآن، امتنعت معظم الدول الأوروبية عن فرض حظر شامل، ولا تزال دول عدة تعارضه، وفي مقدمتها ألمانيا. ولمعالجة قضايا مثل عنف المستوطنين المتطرفين، فضلت هذه الدول استخدام أدوات محددة، مثل نظام الاتحاد الأوروبي العالمي للعقوبات في مجال حقوق الإنسان، المعروف أيضاً باسم قانون «ماغنيتسكي» العالمي للاتحاد الأوروبي. ومنذ عام 2024، اعتمد الاتحاد الأوروبي ثلاث حزم من العقوبات ضد أفراد ضالعين في العنف ومنظمات تدعمهم، من بينها «هاشومير يوش» و«شباب التلال» و«نحالا»، مقتدياً بالإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة في عهد إدارة «بايدن».
الجدل حول التوقيت السياسي
أثار إعلان الحظر انتقادات حادة في إسرائيل، إذ اتهم الرئيس «إسحاق هرتسوغ» لندن، الطرف الرئيسي الموقع على البيان، بممارسة "تدخل سافر" في انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر. ويرى مراقبون آخرون أن هذا التوقيت قد يأتي بنتائج عكسية ويقوض أهداف المملكة المتحدة وشركائها، إذ سيحاول «بتسلئيل سموتريتش» و«إيتمار بن غفير»، وهما الوزيران الإسرائيليان الخاضعان للعقوبات والأكثر مسؤولية عن تصاعد النشاط الاستيطاني، استغلال الحظر لحشد الناخبين خلفهما بدعوى الدفاع عن إسرائيل.
على الرغم من هذه المخاطر، رأت لندن وباريس وأوتاوا أن عليها التحرك فوراً قبل فوات الأوان، انطلاقاً من اعتقادها بأن مشروع E1 يدخل مرحلة حاسمة. فالموعد النهائي لتقديم العروض للمجموعة الأولى، التي تضم 1,234 وحدة سكنية، هو 19 تشرين الأول/أكتوبر، فيما سيفتح عطاء الوحدات المتبقية، وعددها 2,167 وحدة، في 25 تشرين الأول/أكتوبر. وقد بدأ بالفعل بعض العمل الميداني في البنية التحتية المرتبطة بالمشروع. وترى عواصم أوروبية كثيرة أن مستقبل حل الدولتين قد يبلغ نقطة اللاعودة بعد انقضاء مهلة 19 تشرين الأول/أكتوبر، إذ يمكن إرساء العقود في أي وقت بعد ذلك. ومتى دخل مقاولون من أطراف ثالثة على الخط، قد تتذرع أي حكومة إسرائيلية مقبلة بتعقيدات قانونية وصعوبات أخرى لتجنب وقف المشروع.
ومراعاة لاحتمال اعتراض واشنطن على الحظر التجاري، أبلغت العواصم الأوروبية الولايات المتحدة بالإعلان مسبقاً، وأفادت تقارير بأن رئيس الوزراء البريطاني «آندي برنهام» أحاط الرئيس «ترامب» نفسه علماً بالأمر. واللافت أن الإدارة الأميركية اتخذت حتى الآن موقفاً أقرب إلى الحياد. فقد رفض الرئيس «ترامب» ووزير الخارجية «ماركو روبيو» التعليق على القرار، واكتفى «روبيو» بالقول: "نتشارك هدف تحقيق الاستقرار. ولا نريد أن نشهد تصاعداً في العنف... في الضفة الغربية". ولا يزال النطاق الجغرافي الدقيق للحظر التجاري غير واضح، لكن المسؤولين الأميركيين قد يعترضون إذا قرر الموقعون على البيان إدراج هضبة الجولان، كما يفعل الحظر الهولندي المنفرد، لأن ذلك سيتعارض مباشرة مع اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على المنطقة.
تقييم التأثير المحتمل
على صعيد العلاقات التجارية الأوروبية العامة مع إسرائيل، يرجح أن يكون التأثير الإجمالي لإعلان الحظر محدوداً. فالاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري لإسرائيل، وقد استورد منها سلعاً بقيمة 17.6 مليار دولار في عام 2025. وبالمقارنة، تقدر قيمة السلع التي تصدرها مستوطنات الضفة الغربية إلى أوروبا بأقل من 290 مليون دولار سنوياً. ووفقاً لاتحاد الصناعيين الإسرائيليين، تشكل السلع القادمة من المستوطنات أقل من 5 في المئة من إجمالي صادرات البلاد، ولا تتجاوز قيمتها 11.1 مليون دولار من أصل 8.1 مليار دولار تمثل مجمل التبادل التجاري مع المملكة المتحدة. ومن اللافت أن الدول التي تطبق بالفعل أشكالاً مختلفة من الحظر التجاري على المستوطنات، مثل بلجيكا وأيرلندا وهولندا وإسبانيا، تجنبت بحذر إدراج الخدمات ضمن الحظر. ولم تفرض المملكة المتحدة حظراً شاملاً على الخدمات، لكنها أشارت إلى احتمال فرض عقوبات محددة على "شركات وأفراد بعينهم يقدمون خدمات"، مثل البناء والتمويل والعقارات. ومع ذلك، إذا نُفذت هذه الإجراءات بالكامل خلال الأشهر المقبلة، فقد تضر بشركات إسرائيلية محددة تعمل في المستوطنات، ولا سيما في القطاع الزراعي، بما يشمل منتجات مثل التمور والأفوكادو والنبيذ والأعشاب، وبعض الصادرات الصناعية مثل البلاستيك ومنتجات المطاط ومستحضرات التجميل.
في أوروبا، سيزيد الإعلان الضغط على الاتحاد الأوروبي لتبني سياسات تجارية جديدة تتعلق بالضفة الغربية. ولا يزال الاتحاد منقسماً بشأن هذه المسألة. فبعض الحكومات، إلى جانب دائرة العمل الخارجي الأوروبي، ترى أن الحظر التجاري الأوسع نطاقاً على مستوى الاتحاد ينبغي أن يعامل بوصفه إجراءً تجارياً فنياً يمكن اعتماده بأغلبية مؤهلة من الدول الأعضاء، بينما ترى حكومات أخرى أنه إجراء عقابي يتطلب الإجماع. وحتى الآن، تتصرف المفوضية الأوروبية بحذر، وقد طرحت مجموعة من الخيارات تبدأ بنظام خاص لتراخيص استيراد سلع المستوطنات، وتمر بتعريفات جمركية باهظة، وتصل إلى حظر تجاري جزئي أو كامل.
على الصعيد الدبلوماسي، يرجح أن يصعد الإعلان التوترات المتنامية منذ فترة طويلة بين إسرائيل وبعض العواصم الأوروبية بشأن الوضع في الضفة الغربية. وقد أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي «جدعون ساعر» بالفعل سلسلة من الإجراءات المضادة للمملكة المتحدة، منها إغلاق القنصلية العامة البريطانية في القدس وطرد فريق الدعم البريطاني المساند لقوات الأمن الفلسطينية. ويرجح أن يستمر هذا الاتجاه بينما تستعد الدول الأوروبية والعربية للاجتماع في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالتزامن مع ذكرى "إعلان «نيويورك»" بشأن حل الدولتين الصادر في العام الماضي. وستعقد اجتماعات مخصصة لهذا الموضوع برئاسة السعودية على المستوى الوزاري، وبرئاسة كندا وفرنسا والمملكة المتحدة على مستوى رؤساء الحكومات.
في إسرائيل، لا تلوح فرص تذكر لحدوث تغيير إيجابي في السياسة المتعلقة بمستوطنات الضفة الغربية قبل الانتخابات. لكن الإعلان الأوروبي قد تكون له آثار مهمة تتجاوز ذلك الموعد، إذ يشير إلى أن دولاً كثيرة ستعطي هذه القضية أولوية في علاقاتها مع أي حكومة يختارها الناخبون. وقد أوضحت هذه الدول توقعاتها منذ سنوات: تريد من إسرائيل تجميد مشروع E1، والتراجع عن التوسع المنفلت في البؤر الاستيطانية، ومنع اتخاذ أي خطوات يصعب التراجع عنها، وتجنب الإجراءات التي قد تسهم في انهيار السلطة الفلسطينية، وفرض إجراءات حقيقية وحازمة ضد عنف المستوطنين المتطرفين.
في الوقت نفسه، لم يتحدد بعد النطاق الفعلي لهذا القرار التجاري. وقد ألمح وزير الخارجية البريطاني «إدوارد ميليباند» إلى أن تشريعاً محدداً للحظر التجاري سيدخل حيز التنفيذ خلال ستة إلى تسعة أشهر، كما ستحتاج الدول الأخرى إلى وقت لصياغة سياساتها وتنفيذها. كذلك سيستغرق التوصل إلى اتفاق بشأن نهج منسق محتمل للاتحاد الأوروبي وقتاً. وبذلك، قد يتزامن التنفيذ الفعلي للحظر مع تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، ما يتيح وقتاً ومجالاً لإعادة فتح القنوات الدبلوماسية بشأن هذه القضية. وعلى هذا الأساس، يرجح أن تتاح فرصة لتجنب مواجهة شاملة، مع اتخاذ خطوات فاعلة لحماية مستقبل حل الدولتين.