- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4212
"حركة فتح" تجتمع في رام الله
من شأن الاجتماع الأول الذي تعقده "حركة فتح"، المهيمنة على "السلطة الفلسطينية"، منذ عقد من الزمن، أن يُسلط الضوء على مستقبل ما بعد عباس والحكم في غزة، من بين قضايا أخرى.
في 14 أيار/مايو، افتتحت "حركة فتح" مؤتمرها العام الثامن، الذي سيتوج بانتخاب المسؤولين لقيادة هيئاتها الإدارية المختلفة. ونظراً لأن الحركة تهيمن على كل من "السلطة الفلسطينية" و"منظمة التحرير الفلسطينية"، فإن النتائج ستكون لها تداعيات تتجاوز الديناميات الداخلية للحركة. وستلقي ثلاث تحديات رئيسية بظلالها على مجريات المؤتمر: التنافس على خلافة الرئيس محمود عباس، ودور "فتح" و"السلطة الفلسطينية" في مستقبل غزة، والتراجع المستمر في شعبية الحركة.
ما هي الرهانات؟
منذ تأسيسها رسمياً في عام 1965، عقدت "حركة فتح" سبع مؤتمرات، كان آخرها في عام 2016. وفي مثل هذه الاجتماعات، ينتخب المندوبون أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري، بالإضافة إلى هيئات أخرى. وتكتسب اللجنة المركزية أهمية خاصة لأن أعضائها يشرفون على المؤسسات الحزبية الرئيسية، والميزانيات الكبيرة داخل الحزب، ولهم رأي في التعيينات داخل "السلطة الفلسطينية". وتقليدياً، يشغل زعيم "فتح" أيضاً منصب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس "السلطة الفلسطينية".
لم تعد الحركة حاملة لواء كما كانت في السابق. فقد أظهر استطلاع للرأي أُجري في أواخر عام 2025 أن دعم "فتح" لا يتجاوز ربع المستجيبين الفلسطينيين، مما يعكس انخفاضاً حاداً مقارنةً بمكانتها السابقة. ويُعزى هذا الاتجاه السلبي إلى عوامل متعددة، من بينها فشل عملية أوسلو للسلام، التي ارتبطت بها "فتح". لكن هذا التراجع متجذر أيضاً في فقدان الحركة حيويتها بصورة عامة. ورغم أن "فتح" لم تكن يوماً ديمقراطية، فإن دينامياتها الداخلية كانت تتيح سابقاً قدراً من التنافس بين مختلف القواعد الشعبية. إلا أنه منذ إنشاء "السلطة الفلسطينية" في عام 1994، ولا سيما في عهد الرئيس عباس منذ عام 2005، أصبحت "فتح" تجسد نظام الحزب الواحد، سواء من حيث التركيز على الولاء بدلاً من التمثيل أو من حيث التماهي الكامل مع الحكومة. ومن شأن نتائج المؤتمر أن تساعد إما في إعادة صياغة صورة "فتح" أو في تكريس هذه الصورة بصورة أكبر.
أما القضية الثانية المطروحة، فهي مستقبل "فتح" - و"السلطة الفلسطينية" - في غزة. ورغم أن خطة إدارة ترامب المكونة من 20 نقطة لا تتوقع دوراً فورياً لـ"السلطة الفلسطينية" في القطاع، فإنها تتصور مع ذلك استئنافاً محتملاً لسيطرة السلطة هناك في مرحلة ما. وقد يؤثر المؤتمر في الديناميات ذات الصلة بطريقتين. أولاً، تتطلب الخطة الأمريكية أن تُجري "السلطة الفلسطينية" إصلاحات، وستكون هذه العملية مرتبطة حتماً بديناميات "فتح". ورغم أن الكيانين منفصلان رسمياً، فإن أعضاء "فتح" يهيمنون على جميع المستويات البيروقراطية في "السلطة الفلسطينية"، كما يتمتع قادة الحركة بنفوذ كبير على سياسة السلطة وتعيينات المناصب العليا، بما في ذلك وزراء الحكومة الرئيسيون ورؤساء الأجهزة الأمنية. ثانياً، ولكي تستعيد "فتح" زخماً في غزة، ستحتاج إلى إعادة بناء قاعدتها الشعبية في القطاع. فمنذ سيطرة "حماس" على غزة في عام 2007، تراجع الوجود التنظيمي لـ"فتح" هناك بصورة حادة. ويُعزى ذلك جزئياً إلى الإجراءات التي اتخذتها "حماس"، لكنه يُعد أيضاً نتاجاً لسياسات "فتح" نفسها، ولا سيما حملة الإقصاء التي استهدفت مَن يُنظر إليهم باعتبارهم تابعين لعضو اللجنة المركزية السابق محمد دحلان، الذي طُرد من الحركة في عام 2011 ونُفي إلى الإمارات العربية المتحدة وسط خصومة مريرة مع عباس، لكنه لا يزال يتمتع بقاعدة جماهيرية كبيرة في غزة.
وأخيراً، وبشكل ملموس، تبرز مسألة الخلافة. وسيكون هذا المؤتمر العام الثالث الذي يُعقد تحت قيادة الرئيس عباس، البالغ من العمر تسعين عاماً، ومن المرجح أن تكون هذه فرصته الأخيرة لترتيب هرم "فتح" خلف وريث يختاره بنفسه. وفي عام 2025، عيّن عباس حسين الشيخ نائباً له. وفي حين جلبت هذه الخطوة قدراً من الوضوح إلى مسار الخلافة، لا يزال الشيخ يواجه معارضة من بعض الشخصيات البارزة في "فتح"، التي يضمر بعضها طموحات رئاسية خاصة به، بما في ذلك عضوا اللجنة المركزية محمود العالول وجبريل الرجوب. بالإضافة إلى ذلك، لا يزال الشيخ يفتقر إلى قاعدة جماهيرية قوية داخل الحركة، مما يلقي بظلال من الشك على الدعم الحقيقي الذي يقدمه عباس لنائبه المعيّن. إن الأداء القوي للشيخ، الذي تجلّى في حصته من الأصوات وكذلك في أصوات مؤيديه في المجلس الثوري، من شأنه أن يرسخ مكانته بوصفه المرشح المفضل لعباس ولحركة "فتح" على حد سواء، فيمهد الطريق عملياً لتوليه زمام الخلافة. أما إذا جاءت النتائج عكس ذلك، فسيصبح أكثر عرضة لتحديات مستمرة قد تُضعف ترشيحه وتؤدي إلى عملية خلافة متنازع عليها ومزعزعة للاستقرار.
ما الذي ينبغي مراقبته؟
في حين أن هذا المؤتمر ينطوي على إمكانية ضخ طاقة جديدة تشتد الحاجة إليها في "فتح"، فإن المؤشرات الأولية ليست مشجعة، بالنظر إلى ترشح العديد من الأعضاء الحاليين لإعادة انتخابهم، وغياب الانتخابات التمهيدية لاختيار المندوبين، والتمثيل المفرط للمندوبين من قوات الأمن. ومع ذلك، فقد أثرت الصفقات التي أُبرمت في اللحظة الأخيرة والضغوط الخارجية على النتيجة النهائية للمؤتمرات السابقة. وهناك استثناء إيجابي واحد اليوم يتعلق بغزة، حيث تمكنت مصر، بمعزل عن دعم أي مرشحين محددين، من الضغط على "فتح" حتى أخذت منها ضمانات بتخصيص حصص معتبرة للمندوبين من غزة في المؤتمر وفي الهيئات المنتخبة.
وستكون المنافسة الأكثر متابعة هي تلك الخاصة بعضوية اللجنة المركزية، حيث يُنظر إلى مرشحين محتملين على أنهما محوريان. الأول هو ياسر عباس، نجل الرئيس الحالي، الذي أصبح أكثر حضوراً في الحياة العامة بصفته مبعوث والده إلى لبنان ودول الخليج، ويُقال إنه يؤدي دوراً غير رسمي مؤثراً داخل "فتح" و"السلطة الفلسطينية". وقد ازداد ظهوره بشكل ملحوظ منذ ترقية الشيخ. وفي الفترة التي سبقت المؤتمر، قام ياسر عباس بزيارات حظيت بتغطية إعلامية واسعة إلى الأجهزة المدنية والأمنية التابعة لـ"السلطة الفلسطينية". وسيُعد نجاح ياسر عباس في الفوز بعضوية اللجنة المركزية تطوراً سلبياً بصورة لا لبس فيها بالنسبة لـ"فتح"، لأنه سيؤدي إلى مزيد من تآكل صورتها العامة ويستحضر محاولات الرئيس المصري السابق حسني مبارك والزعيم الليبي معمر القذافي توريث السلطة لنجليهما. ورغم أن ياسر عباس نفى امتلاكه طموحات رئاسية، فإن انتخابه من شأنه أن يقوض جهود الشيخ لترسيخ سلطته، وأن يزيد بصورة عامة من تعقيد عملية الخلافة.
أما المرشح الثاني الذي يثير اهتماماً واسعاً فهو اللواء ماجد فرج. ويحظى رئيس جهاز الأمن الفلسطيني منذ فترة طويلة بتقدير كبير من قبل أجهزة الأمن الأجنبية، بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، الأجهزة في إسرائيل والولايات المتحدة. وترتبط فرج علاقة متوترة مع الشيخ، ليس أقلها أن فرج عمل على الحد من نفوذ الشيخ وآخرين داخل المؤسسة الأمنية. وفي حين أن الحصول على مقعد في اللجنة المركزية سيشكل ترقية سياسية لفرج، فإنه سيُبعده عن قيادة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية. وقد يؤدي ذلك إلى إضعاف مصداقية هذه الأجهزة لدى العديد من الشركاء الخارجيين، فضلاً عن تقويض مستوى الاستقلالية والمهنية الذي تمتعت به في عهد فرج.
وعلى صعيد انتخابات "المجلس الثوري"، ثمة ثلاث ديناميات جديرة بالمتابعة. أولها مروان البرغوثي، الذي يقضي أحكاماً متعددة بالسجن المؤبد في السجون الإسرائيلية بتهمة القتل المرتبط بعمليات مسلحة، ويتصدر باستمرار استطلاعات الرأي بوصفه الزعيم الأكثر شعبية في "فتح". ومع ذلك، تم تهميش مؤيديه في المؤتمر السابع، ومن شأن حملة مماثلة هذه المرة أن تعزز التصورات السائدة عن "فتح" المتحجرة. ثانياً، لا يزال محمد دحلان يتمتع بدعم كبير بين مؤيدي "فتح" التقليديين، خاصة في غزة وإلى حد ما في لبنان. وفي حين أن خلافه مع عباس ربما يكون غير قابل للتسوية، فإن الفشل في إعادة دمج أعضاء "فتح" من غزة، الذين يرتبط العديد منهم بدحلان، سيرسل رسالة استبعاد ويُعقّد جهود "السلطة الفلسطينية" لإعادة فرض سيطرتها على الأراضي. ثالثاً، برز عدد من الفاعلين المستقلين في "فتح"، الذين نظم الكثير منهم أنفسهم حول انتخابات عام 2021 التي أُجلت في نهاية المطاف، كحركة شعبية ذات أهمية في جميع أنحاء الضفة الغربية. وسيساعد ضم بعض هؤلاء النشطاء إلى المجلس الثوري في إعادة تأهيل صورة "فتح"، لا سيما بين الفلسطينيين الشباب.
التداعيات على سياسة الولايات المتحدة
تتمتع واشنطن عموماً بقدرة محدودة على تشكيل الديناميات السياسية الفلسطينية الداخلية. لكن هذه الحقيقة تبدو أكثر وضوحاً في ظل الإدارة الحالية، في ظل تراجع الانخراط الأمريكي مع "السلطة الفلسطينية" وتفكيك "الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية"، وبالتالي المساعدات المقدمة للفلسطينيين. لذا، ينبغي أن تركز واشنطن على تقليل أي تأثير سلبي لديناميات "فتح" على المصالح الأمريكية. وبما أن الولايات المتحدة تفتقر إلى الأدوات أو الحضور اللازمين للتأثير المباشر على هذه القضايا، فيجب عليها العمل عن كثب مع الشركاء العرب الرئيسيين - لا سيما مصر والأردن والمملكة العربية السعودية - مع التركيز على ثلاث مجالات:
قضية الخلافة. من مصلحة الولايات المتحدة ضمان أن تتم عملية الخلافة في "السلطة الفلسطينية" بأكبر قدر ممكن من السلاسة. ونظراً لعدم الاستقرار العام في الضفة الغربية، فإن عملية خلافة شديدة التنافس قد تؤدي إلى مزيد من الاضطرابات، مما سيكون له تداعيات ليس فقط على الفلسطينيين، بل أيضاً على شركاء الولايات المتحدة في إسرائيل والأردن. ولا ينبغي للولايات المتحدة أن تدافع عن مرشح معين، بل عليها بدلاً من ذلك أن توضح المعايير السياسية التي تتوقعها من أي زعيم مستقبلي، وأن تعمل مع الشركاء الإقليميين لضمان انتقال سلس قدر الإمكان.
إصلاح السلطة الفلسطينية. ينبغي أن يتمحور تركيز الولايات المتحدة في هذا الشأن حول تحصين "السلطة الفلسطينية" من الاضطرابات التي تعصف بحركة "فتح". وفي هذا الإطار، يبرز شريكان رئيسيان للتنسيق: المملكة العربية السعودية، التي أثبتت جدارتها قائداً إقليمياً في هذا الملف، والمفوضية الأوروبية.
فعالية القطاع الأمني. الأمن هو المجال الوحيد الذي تواصل فيه واشنطن العمل بقوة مع "السلطة الفلسطينية"، من خلال مكتب المنسق الأمني الأمريكي. على مر السنين، أحرز المنسق الأمني تقدماً كبيراً في إضفاء الطابع المهني على قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية - وإلى أقصى حد ممكن - في تقليل الطابع السياسي لهذه القوات. واعتماداً على نتائج المؤتمر، سيحتاج المنسق إلى التركيز على الحفاظ على هذه الإنجازات في حال حدوث انتقال في قيادة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية.