- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4176
حملة جديدة في لبنان: هل تمهّد لمسار نحو السلام؟
يُتيح الصراع المتجدد فرصةً للقضاء على قدرات "حزب الله"، مما قد يُمهّد الطريق أمام دبلوماسية تحولية مع إسرائيل.
في الثاني من آذار/مارس، ويبدو أنه جاء امتثالاً لأوامر "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني، شنّ "حزب الله" هجوماً على إسرائيل، مُشعلاً بذلك نزاعاً عسكرياً جديداً في لبنان. وفي المقابل، أعلنت "قوات الدفاع الإسرائيلية" أنها ستسعى إلى تدمير ما تبقى من قوة "حزب الله" وإزالة التهديد الذي يمثله بصورة فعلية. غير أن السياق الاستراتيجي الراهن يُشكّل فرصة أكبر من ذلك: العمل على إحداث تحول جذري في لبنان يرتكز على اتفاقية سلام برعاية الرئيس "ترامب"، ومسار سياسي متفق عليه يكفل أمن إسرائيل ولبنان معاً.
المواجهة الجديدة
بُعيد منتصف الليل، أطلق "حزب الله" صواريخ وطائرات مسيّرة على شمال إسرائيل، مُبرراً ذلك في بيان تبني العملية بـ"الثأر لمقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، ودفاعاً عن لبنان وشعبه في مواجهة العدوان الإسرائيلي." وفي الأيام التي أعقبت ذلك، ضربت إسرائيل مئات الأهداف في أرجاء لبنان، بما فيها "بيروت"، وطالبت سكان جنوب لبنان بالإخلاء. وبعد أن حشدت أكثر من مئة ألف جندي احتياطي، عزّزت إسرائيل لاحقاً قواتها داخل لبنان في إطار ما وصفته بـ"الدفاع المتقدم" عن مجتمعات الحدود. وبات شنّ عمليات برية واسعة في جنوب لبنان على الأقل يلوح في الأفق.
ووصف قائد المنطقة الشمالية في "قوات الدفاع الإسرائيلية" ما جرى بأن "حزب الله" وقع في كمين استراتيجي. ويرى رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال "إيال زامير" أن الوقت سانح لتنفيذ خطة قائمة تستهدف إنهاك "حزب الله" وتصفية التهديد الآتي من لبنان. وبموافقة أمريكية، يبدو أن إسرائيل مستعدة للاستثمار في هجوم "حزب الله" لـ"إتمام المهمة" التي بدأتها خلال حرب انتهت في تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
أما الحكومة اللبنانية، فقد ردّت على الهجوم بحظر أي نشاط عسكري وأمني لـ"حزب الله"، مع الإبقاء على وضعه بوصفه حزباً سياسياً. وعلى وجه التحديد، أدان رئيس الوزراء "نواف سلام" إطلاق الصواريخ من الأراضي اللبنانية باتجاه إسرائيل، معتبراً إياه انتهاكاً لحق الدولة الحصري في إعلان الحرب والسلام. وأوعزت الحكومة إلى "الجيش اللبناني" بتوقيف المخالفين وتنفيذ الخطة العملياتية لمصادرة أسلحة "حزب الله"، مُعربةً عن استعدادها الكامل لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل بمشاركة مدنية ورعاية دولية.
وأفادت صحيفة الأخبار المقربة من "حزب الله" بأن رئيس الوزراء "سلام" والرئيس "جوزيف عون" طلبا من قائد الجيش، الذي يؤيد التفاهم والتنسيق مع "حزب الله"، الإسراع بتنفيذ خطة نزع السلاح "بكل الوسائل المتاحة". بل ذهب الرئيس "عون" إلى حد توجيه الجيش بعدم التصدي لإسرائيل إذا ما اجتاحت لبنان. وميدانياً، أخلى الجيش اللبناني مواقعه القريبة من الحدود الإسرائيلية، وأقام نقاط تفتيش في مناطق أكثر شمالاً للحد من تدفق الأسلحة والمسلحين غير الشرعيين.
سياق جديد وآفاق واعدة
"لا يمكنك أن تدخل النهر مرتين" كما تقول الحكمة، ومن ثم فإن الواقع الإسرائيلي الجديد تجاه لبنان يتجاوز كونه امتداداً لحرب 2024 أو مجرد فرصة لاستكمال نزع سلاح "حزب الله". إذ يجري كل ذلك في سياق استثنائي حافل بفرص استثنائية: النظام الإيراني يخوض معركة بقائه، والولايات المتحدة وإسرائيل في تنسيق وثيق لجهودهما الحربية، فضلاً عن أن الرئيس السوري "أحمد الشرع" يقف في خندق المعاداة لإيران و"حزب الله"، وفي الوقت ذاته يُصغي لمطالب واشنطن. يُضاف إلى ذلك أن ولاية "قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان" (يونيفيل) تنتهي عام 2026، وثمة دول غربية عدة تسعى إلى الإبقاء على قواتها في لبنان في مرحلة ما بعد حل "اليونيفيل".
وفي خضم الحرب الراهنة، أطلقت القوات الإيرانية صواريخ وطائرات مسيّرة على معظم دول الخليج والأردن وحتى تركيا، مستهدفةً البنية التحتية الطاقوية والمواقع المدنية. وقد زاد هذا العدوان من تلاحم المنطقة في مواجهة طهران. وقد وصل الأمر بـ"حزب الله" إلى إطلاق طائرات مسيّرة نحو قبرص، مما قد يستثير استجابة دفاعية أوروبية.
على الصعيد الداخلي، يبلغ "حزب الله" أدنى مستوياته التاريخية، في مواجهة حكومة تسعى إلى نزع سلاحه. وقد أصاب الصدمةُ حليفَه التاريخي "أمل" الذي كان يطمئن إلى أن التصعيد لم يكن في الحسبان، فانحاز إلى موقف الحكومة، مما جعل "حزب الله" أكثر عزلةً من أي وقت مضى. وقد خبَت قدرة الحزب على تهديد الجيش اللبناني والحكومة بالحرب الأهلية والاغتيالات، فيما يُرجَّح أن تعاني قنوات تمويله من جراء تراجع النفوذ الإيراني. وأخيراً، يتيح الاستحقاق الانتخابي اللبناني القادم - المقرر في أيار/مايو والذي أُجّل بسبب الصراع المتجدّد - فرصةً لمزيد من إضعاف "حزب الله" سياسياً.
وهكذا يقدم السياق الراهن فرصة استراتيجية تتجاوز حدود المكاسب العسكرية، بهدف تقويض "حزب الله" من خلال تشجيع الشركاء المحتملين في السلام وحشد الدعم الإقليمي والدولي، والتحرك السياسي لصون هذه المكاسب وتثبيتها وتوسيعها. فعسكرياً، يبدو أن إسرائيل تتطلع إلى ما هو أبعد من مجرد "إتمام المهمة" المتمثلة في استهداف قيادات "حزب الله" وعناصره ومقراته ومنشآت إنتاجه وأسلحته ومستودعاته. ومن بين الأهداف التي طالتها الضربات في الأيام الأخيرة فروع منظمة "القرض الحسن" المالية التابعة للحزب، ووسائل إعلامه: قناة "المنار" التلفزيونية وإذاعة "النور". ويكشف هذا الاستهداف عن استراتيجية حربية تسعى إلى إضعاف "حزب الله" بصورة منهجية تطال ماليته وآلته الدعائية.
وقد يُهيئ هذا الضغط العسكري المباشر الذي يُلحق خسائر مباشرة بما تبقّى من قوات الحزب أرضيةً أوفر لتطبيق اتفاقيات الأمن ووقف إطلاق النار. وفي ظل انهيار المحور الإيراني، تجلّت في لبنان فرصة أوسع نطاقاً.
توصيات السياسة
يُتيح الصراع المتجدد في لبنان فرصة دفع عجلة التغيير المنظومي في البلاد على الأصعدة الدبلوماسية والسياسية والأمنية. ويتوقف تحقيق النجاح على تنسيق وثيق بين مختلف الأطراف، ومواءمة الأهداف والجهود العسكرية والدبلوماسية.
الدبلوماسية. قبل كل شيء، قد تُسهم الحرب في إطلاق مسار دبلوماسي يرعاه الرئيس "ترامب"، يستهدف التوصل إلى اتفاقية سلام بين إسرائيل ولبنان قائمة على القوة. وسيَكفل هذا الاتفاق ضمانات أمنية متبادلة ترتكز على السيادة واحتكار الدولة للسلاح.
وقد تنبثق الدبلوماسية المباشرة من محادثات عسكرية إسرائيلية-لبنانية تتمحور حول الترتيبات الأمنية للمرحلة التالية للحرب وانسحاب "قوات الدفاع الإسرائيلية". ويمكن تعزيز الدور الأمريكي بدعم من دول الخليج والدول الغربية المعنية، وربما "مجلس السلام" الذي تقوده الولايات المتحدة. ويمكن لدول الخليج تحديداً أن تملأ الفراغ الذي تركه الانسحاب الإيراني من لبنان، فيما قد يُسهم التوصل إلى اتفاقية سلام في إطار "اتفاقيات أبراهام" في مساعدة جميع الأطراف على تحقيق أهدافها في مجالات الطاقة والمياه والنقل الإقليمي المتقدم، وذلك عبر إطار "ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الاقتصادي" (IMEC). غير أن أي دعم أو مساعدة للبنان ينبغي أن يُشترط بتحقيق إصلاحات فعلية ومكافحة نفوذ الميليشيات.
وطالما استندت رواية "حزب الله" المقاوِمة إلى قضايا حدودية خلافية كمزارع "شبعا". وبإمكان واشنطن اليوم العمل مع "دمشق" على تسوية هذه النزاعات. كما يمكن لسوريا أن تكون طرفاً في ترتيبات أمن الحدود التي تحول دون استمرار تهريب الأسلحة إلى لبنان مستقبلاً، في حين تُعالج علاقاتها مع إسرائيل في مسار منفصل.
السياسة. تستلزم هذه المساعي جميعها هزيمة "حزب الله" في الانتخابات المقبلة، أياً كان موعدها. وسيُلقي قرار الحزب بجر لبنان إلى حرب جديدة في خدمة النظام الإيراني المتداعي بظلاله على حظوظه الانتخابية على الأرجح، إلا أن على إسرائيل وحلفائها وشركائها تصعيد الضغط المالي والسياسي والقانوني على الحزب، ودعم خصومه، بغية تحقيق هذا الهدف.
ويتعين على لبنان إلغاء التشريعات المحظورة للتواصل بين اللبنانيين والإسرائيليين، وإقرار إصلاحات تجفف منابع التمويل في معظمه غير المشروع لـ"حزب الله"، وتقديم البديل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للشريحة الشيعية الذي ظل الحزب يحتكره على مدار سنوات. فضلاً عن ذلك، يجب أن يكون إعمار القرى الجنوبية أو إحلال مناطق التنمية الاقتصادية محلها مشروطاً بإخلائها نهائياً من السلاح، وسد الذرائع أمام "حزب الله" لإعادة تسليحها.
الجانب العسكري والأمني. على إسرائيل أن تُدير حملتها العسكرية وعينها على الأفق السياسي لمرحلة ما بعد الحرب، وتتمحور عناصره الجوهرية حول تحسين الواقع الأمني والسياسي، والسعي إلى ترتيبات أمنية فاعلة ومستقرة، وإرساء اتفاق سلام دائم. وينبغي أن تستهدف العمليات العسكرية العناصر التهديدية، من "حزب الله" و"حماس" وسائر التنظيمات المسلحة، مع تجنب الإضرار بـ"الجيش اللبناني" وخصوم "حزب الله" السياسيين والبنية التحتية المدنية والوطنية خارج نطاق العمل العسكري.
وبالمقابل، يتعين على القوات اللبنانية الامتناع عن الانزلاق في فخ المواجهة مع "قوات الدفاع الإسرائيلية"، وهو خطر يبدو أن الرئيس "عون" يُدرك أبعاده جيداً. وبحسب ما نقلته صحيفة الأخبار، فإن قائد القيادة المركزية الأمريكية المشرف على "آلية المراقبة والتنفيذ الدولية" التي أُسست في أعقاب الصراع عام 2024 قد أكد مؤخراً ضرورة انسحاب "الجيش اللبناني" خمسة عشر كيلومتراً من الحدود. ويستطيع ممثلوه في القيادة الشمالية لـ"قوات الدفاع الإسرائيلية" الإسهام في التطبيق الهادئ للتفاهمات المُبرمة بين الأطراف. ويُضاف إلى ذلك:
- ينبغي للجيش اللبناني اغتنام الفرصة التي هيّأتها له حكومته والضربات الإسرائيلية، لتقليص قدرة "حزب الله" القتالية وتوسيع سيطرته على الحدود مع سوريا وسائر المناطق التي يتحرك فيها عناصر مسلحون غير نظاميين كالمخيمات الفلسطينية. وبعد انتهاء الحرب، يجب تمكين "الجيش اللبناني" و"آلية التنفيذ" من صون ما أنجزته "قوات الدفاع الإسرائيلية" وتعميقه في أرجاء لبنان.
- على الجيش اللبناني إخلاء جميع المواقع العسكرية التي ضربتها "قوات الدفاع الإسرائيلية" والتحقق من ذلك بإشراف القوات العسكرية الأمريكية وربما قوات غربية شريكة.
- على الولايات المتحدة الضغط على الحكومة اللبنانية للإسراع في فرض الاحتكار الحصري للدولة على السلاح وتفكيك جميع الميليشيات والجماعات المسلحة، بما فيها "حزب الله" والتنظيمات الفلسطينية.
- يتعين على الجهات المشرفة على تنفيذ خطة نزع السلاح في مرحلة ما بعد الحرب وضع مراحل زمنية ملزمة ومعايير واضحة، مع توثيق منهجي للأسلحة المضبوطة والمتلفة، وضمان عدم عودتها إلى أيدٍ غير مرخّص لها.
- على الداعمين للجيش اللبناني تركيز دعمهم على القدرات المرتبطة بنزع السلاح وأمن الحدود ومكافحة الإرهاب، وربط هذه المساعدة بالتزام الجيش بمهام التفكيك وتنفيذ الخطة.