- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4273
هل ستنضم تركيا إلى عملية "المنبوذ الاقتصادي" الأمريكية في مواجهة إيران؟
يبدو أن أنقرة تتجه نحو مزيد من التوافق مع العقوبات الأمريكية، لكن مدى استعدادها للتعاون الكامل لا يزال موضع تساؤل.
في 4 أيلول/سبتمبر، فرضت "وزارة الخزانة الأمريكية" عقوبات على "بنك غولدن غلوب" التركي، وهو مؤسسة مالية صغيرة نسبياً، بتهمة " تسهيل معاملات بقيمة عشرات الملايين من الدولارات لصالح" فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري الإسلامي ." (IRGC-QF) وبعد ذلك بوقت قصير، في 19 أيلول/سبتمبر، ألغت تركيا ترخيص تشغيل "بنك ملت"، وهو مؤسسة مالية إيرانية كبرى خضعت للعقوبات مراراً ولها وجود في تركيا منذ عقود.
كثيراً ما تغاضت أنقرة عن محاولات إيران التهرب من العقوبات عبر المؤسسات المالية التركية، ولا سيما "بنك هالك"، المصرف الحكومي الكبير. لذلك وضعت إدارة ترامب تركيا في مقدمة الدول التي تسعى إلى إشراكها في "عملية المنبوذ الاقتصادي"، وتوحي تحركات أنقرة الأخيرة بأنها استجابت. لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الإجراءات التي تتخذها تركيا تشير إلى تغيير حقيقي في موقفها تجاه التمويل الإيراني غير المشروع، أم أنها مجرد خطوة جديدة ضمن سياسة الموازنة الدبلوماسية التي تنتهجها.
دور تركيا المثير للقلق في التهرب من العقوبات المفروضة على إيران
تملك تركيا اقتصاداً متطوراً ومتنوعاً هو الأكبر في الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط. وهي مركز للمعاملات المالية الإقليمية والدولية، بما في ذلك تلك المتعلقة بإيران. وعلى الرغم من أن البلدين يتنافسان بشدة بشأن مجموعة من القضايا الإقليمية، فإن قرب تركيا المباشر من إيران، واندماجها في الأسواق العالمية وقطاع الطيران الدولي، واقتصادها المفتوح، كلها عوامل مكنت طهران من ممارسة أنشطة مالية واسعة فيها. وقد أدى ميل أنقرة إلى غض الطرف - كما يتضح من استمرار وجود "بنك ملت" في تركيا رغم سنوات من العقوبات الأمريكية والأوروبية - إلى تسهيل الأنشطة المالية الإيرانية بدرجة أكبر.
وتعد قضية "بنك هالك"، الذي ساعد إيران بشكل مباشرة على التهرب من العقوبات خلال العقد الماضي، أحد أوضح الأمثلة على الدعم المؤسسي التركي لإيران وتأثيره على العلاقات الأمريكية-التركية. وفي إطار هذا المخطط، الذي يعده بعض المحللين "أكبر مخطط للتهرب من العقوبات في التاريخ الحديث"، كانت جهات تركية تسدد ثمن الغاز والنفط الإيرانيين ذهباً، ثم يتولى "بنك هالك" المعاملات اللازمة لتحويل الذهب إلى عملات أجنبية. وفي الفترة ما بين آذار/مارس 2012 وتموز/يوليو 2013، وفر هذا المخطط لإيران 13 مليار دولار. ثم وُسع نطاقه ليشمل معاملات تجارية مزورة تتعلق بالأغذية، مما حقق للمشاركين فيه أرباحاً بملايين الدولارات.
علاوة على ذلك، تضمن المخطط الاستخدام المباشر للنظام المالي الأمريكي، وهو ما يشكل جريمة بموجب القانون الأمريكي. ولهذا السبب، لاحقت الحكومة الأمريكية "بنك هالك" ومسؤوليه قضائياً بدلاً من قطع العلاقات مع تركيا، ورفعت دعوى جنائية ضدهم في " المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية في نيويورك" في تشرين الأول/أكتوبر 2019 . وقبل رفع الدعوى الجنائية، صرح المدعي العام الأمريكي جيفري بيرمان بأن "السلوك الجريء للبنك حظي بدعم من مسؤولين رفيعي المستوى في الحكومة التركية حيث تلقى بعضهم رشاوي بملايين الدولارات لتعزيز هذا المخطط وحمايته".
كان "بنك هالك" أبرز قضية للتهرب من العقوبات ظهرت على الساحة العالمية خلال هذه الفترة - وهو تطور مثير للقلق بشكل خاص بالنظر إلى عضوية تركيا في "حلف الناتو" وتحالفها مع الولايات المتحدة. كما كان التزام أنقرة المتذبذب بالعقوبات الأمريكية المفروضة على جماعات إرهابية مثل "حماس" و"حزب الله" مصدر إزعاج لواشنطن. ورغم ذلك، نظرت واشنطن إلى تركيا باعتبارها شريكاً محتملاً مهماً في تطبيق العقوبات، على أساس أن تعاون أنقرة الكامل يمكن أن يحقق فوائد كبيرة.
التطورات في إطار "عملية المنبوذ الاقتصادي"
كما سبقت الإشارة، بدأت تركيا في اتخاذ مزيد من الإجراءات ضد الأنشطة المالية الإيرانية، إذ شددت إجراءاتها ضد "بنك ملت" بعد فرض العقوبات على "بنك غولدن غلوب". وفي 16 أيلول/سبتمبر، استولت تركيا على حصة تبلغ 99.98 في المئة في "بنك غولدن غلوب"؛ وفي اليوم التالي، قامت بتصفية ستة صناديق يديرها البنك. وقد يشير ذلك، إلى جانب الإجراء الذي اتخذ في 19 أيلول/سبتمبر ضد "بنك ملت"، إلى بداية تحرك أوسع لمنع إيران من الوصول إلى القطاع المالي التركي.
وفي هذا السياق، تشير بعض الخطوات التي تتخذها أنقرة إلى سعيها لمنع إيران من الوصول إلى مجالها الجوي التجاري. ففي 18 أيلول/سبتمبر، أعلنت تركيا وقف رحلات "ماهان إير" إلى أراضيها بسبب مخاوف تتعلق بالعقوبات الأمريكية. وتشارك هذه الشركة، التي تعد واحدة من أكبر شركات الطيران الإيرانية، في عمليات تهريب لصالح "الحرس الثوري الإسلامي". بالإضافة إلى ذلك، أفادت تقارير بأن ثلاث شركات طيران تركية ألغت جميع رحلاتها من إيران وإليها حتى آذار/مارس 2027، هي "إيه جت" الحكومية المنخفضة التكلفة، و"بيغاسوس إير" الخاصة، و"الخطوط الجوية التركية" الوطنية. كما احتجزت السلطات التركية مؤخراً طائرة إيرانية بسبب تراكم ديون تشغيلية غير مسددة، وصادرتها في 28 أيلول/سبتمبر بعد صعود الركاب إليها.
يتراوح عدد الرحلات الجوية الأسبوعية التي تربط إيران بتركيا بين 50 و100 رحلة، إذ تعد تركيا وجهة لرجال الأعمال والسياح الإيرانيين، فضلاً عن كونها محطة ترانزيت للمسافرين إلى وجهات أخرى. ولعل الأهم من ذلك أن إيران تستقبل رحلات شحن جوي من تركيا، يمكن استخدامها في عمليات التهريب، كما أن التحليق فوق الأراضي التركية يتيح لها الوصول إلى وجهات يصعب الوصول إليها بطرق أخرى. وإذا اتخذت أنقرة مزيداً من التدابير لتقييد وصول إيران إلى مجالها الجوي التجاري، فقد تكون لذلك تداعيات كبيرة على مكانة النظام في الداخل وقدرته على تنفيذ معاملات غير مشروعة.
العلاقات الأمريكية-التركية والعقوبات على إيران: السياق الأوسع
يبدو أن استعداد أنقرة لاتخاذ خطوات أولية لدعم "عملية المنبوذ الاقتصادي" مدفوع بعدة عوامل تتضمن سياستها القائمة على التعاون الإيجابي مع إدارة ترامب؛ والتوافق بين الرئيسين أردوغان وترامب؛ والتنازلات الأمريكية لتركيا، مثل الاتفاق المبرم في حزيران/يونيو لتسوية قضية "بنك هالك" وإسقاط التهم؛ وسياسة أنقرة الرامية إلى الاستفادة من هذين العاملين للحصول على مقاتلات "إف-35" الأمريكية التي تسعى إليها. ومع ذلك، لم يتضح بعد ما إذا كانت هذه الخطوات المحدودة ستكون كافية لفرض رقابة أكثر صرامة.
ومن القضايا الأخرى المثيرة للقلق واردات تركيا من الغاز الطبيعي الإيراني. وباعتبارها عضواً في "مجموعة العشرين" ، ولا تمتلك طاقة نووية أو احتياطيات كبيرة من الهيدروكربونات، تعتمد تركيا على واردات ضخمة من الطاقة لدعم نموها. وقد اشترت من إيران العام الماضي 8.17 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، أي نحو 13 في المئة من استهلاكها. وتدرك واشنطن هذه الحاجة، ولذلك تجنبت فرض عقوبات على صادرات الغاز الإيرانية إلى تركيا. أما الانقطاعات العرضية في هذه الإمدادات، فتعود أساساً إلى الصعوبات التي تواجهها إيران في التوزيع الداخلي، وليس إلى القيود الأمريكية. ورغم ذلك، فقد انتهت في تموز/يوليو اتفاقية الغاز بين إيران وتركيا التي استمرت خمسة وعشرين عاماً، ولم تعلن أي من الحكومتين ما إذا كان يجري الإعداد لاتفاقية جديدة. ووفقاً لتقرير نشرته "إيران واير"، "لا يزال من غير الواضح ما إذا كان البند الذي يسمح بتمديد الاتفاقية تلقائياً لمدة خمس سنوات قد دخل حيز التنفيذ أم لا".
وتعتمد مبيعات الغاز الطبيعي على عقود طويلة الأجل وبنية تحتية باهظة التكلفة يستغرق بناؤها سنوات. وحتى لو رغبت أنقرة في الاستغناء تماماً عن الغاز الإيراني، فلن تتمكن من فعل ذلك بين عشية وضحاها. وربما لإظهار حسن نيتها تجاه واشنطن، بدأت تركيا شراء كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال الأمريكي؛ ففي عام 2025، استوردت 9.19 مليار متر مكعب، مما جعلها أكبر مستورد أوروبي للغاز الطبيعي المسال الأمريكي.
وبالطبع، من غير المرجح أن تقطع تركيا علاقاتها الاقتصادية مع إيران تماماً، خاصة وأن بعض السلع المتداولة بينهما، مثل المواد الغذائية والأدوية، معفاة من العقوبات الأمريكية. وهذا يعني أن المؤسسات المالية والجهات التنظيمية التركية ستحتاج إلى توخي قدر أكبر من اليقظة لضمان عدم إساءة استخدام هذه العلاقات.
توصيات للسياسة الأمريكية
للبناء على الإجراءات الأولية التي اتخذتها تركيا بشأن العقوبات وتطويرها ضمن نهج استراتيجي أشمل وأكثر تأثيراً، يتوجب على واشنطن أن تستثمر الزخم الإيجابي في علاقاتها مع أنقرة للدفع نحو تنسيق ثنائي أعمق بشأن إيران. وفي مقدمة الأولويات أربعة مجالات:
مطالبة تركيا بتطبيق نظام صارم للفحص والتفتيش على الحدود الإيرانية. سيساعد ذلك في منع عبور البضائع المهربة، لا سيما مع تزايد الضغط على المعابر المزدحمة. وعلى وجه الخصوص، تشعر واشنطن بالقلق إزاء استيراد إيران سلعاً قد تدعم قواتها الصاروخية وبرنامج المسيرات. ومن الضروري أن يشكل منع وصول هذه السلع أولوية للرقابة التركية.
حث تركيا على تبني نهج أكثر صرامة تجاه الأنشطة المصرفية الإيرانية داخل البلاد. ولا تحتاج تركيا إلى الالتزام بالعقوبات الأمريكية كي تتخذ هذه الخطوة. وبصفتها عضواً في "مجموعة العمل المالي" (FATF)، فإنها تعمل بالفعل بموجب دعوة إلى "تطبيق تدابير مضادة فعالة ضد إيران"، تشمل إجراءات لمنع البنوك الإيرانية أو مقدمي خدمات الأصول الافتراضية من إنشاء شركات تابعة أو فروع في تركيا. وقد أظهر تقرير التقييم المتبادل الأخير الصادر عن "مجموعة العمل المالي" بشأن تركيا إحراز تقدم، لكنه أشار أيضاً إلى أوجه قصور، لا سيما في تنفيذ التدابير الهادفة إلى منع التهرب من العقوبات.
تكثيف التعاون لإغلاق الشبكات المرتبطة بـ"الحرس الثوري الإسلامي" في تركيا. استخدم "الحرس الثوري الإسلامي" والجماعات المرتبطة به الأراضي التركية للتهرب من العقوبات، ودعم الجماعات الإرهابية، واستهداف المعارضين. ومن ثم، يجب ألا يقتصر توسيع التعاون الأمريكي-التركي لتفكيك هذه الشبكات على دعم سياسة "المنبوذ الاقتصادي"، بل أن يندرج أيضاً ضمن التعاون الثنائي الأوسع لمواجهة التهديدات الإيرانية.
تشكيل فريق عمل ثنائي رفيع المستوى لتنويع واردات تركيا من الغاز الطبيعي. ليس المطلوب أن تضغط على أنقرة لوقف وارداتها من الغاز الإيراني فوراً، لكن على الحكومتين تشكيل فريق عمل يعالج المسألة في أقرب وقت.
وبوجه عام، لا يزال السعي إلى توسيع التعاون التركي ضمن استراتيجية الضغط أمراً ذا أهمية، غير أنه يتعين على واشنطن أن تدرك أن ذلك قد لا يكون كافياً لتغيير الوضع المالي العام للنظام الإيراني. فهناك دول أخرى، وفي مقدمتها الصين والإمارات العربية المتحدة، تمثل شركاء اقتصاديين أكثر أهمية بالنسبة إلى إيران. ومع ذلك، سيبقى تعزيز إسهام تركيا في استراتيجية الضغط بواسطة العقوبات خطوة ضرورية.