- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4155
دبلوماسية الأزمات في الشرق الأوسط: رؤى من إدارات بوش وأوباما وترامب وبايدن
شاهد الفيديو أو اقرأ ملخص حدث إطلاق كتاب خاص شارك فيه وزير دفاع سابق ومسؤولون قدامى آخرون لمناقشة الدروس المستفادة من عقود من الدبلوماسية والجهود العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط.
في 8 كانون الثاني/يناير، نظّم معهد واشنطن منتدى سياسات افتراضياً بمناسبة إطلاق كتاب السفير "جيمس جيفري" الجديد "أزمات الشرق الأوسط: الدبلوماسية الاستكشافية مع إدارات بوش وأوباما وترامب". شارك في المنتدى "لويد جيه أوستن الثالث"، وزير الدفاع الأمريكي السابق (2021-2025)، بعد مسيرة عسكرية امتدت لأكثر من أربعة عقود تُوّجت بقيادة القيادة المركزية الأمريكية، إلى جانب السفير "جيمس جيفري"، الزميل المتميز في زمالة "فيليب سولوندز" في المعهد، الذي شغل سابقاً مناصب بارزة، من بينها الممثل الخاص للولايات المتحدة لشؤون سوريا والسفير الأمريكي لدى كل من تركيا والعراق. كما شاركت "دانا سترول"، مديرة الأبحاث في المعهد والزميلة في زمالة "كاسن"، التي شغلت منصب نائبة مساعد وزير الدفاع لشؤون الشرق الأوسط خلال الفترة 2021-2023.
وفيما يلي ملخص المقرر لأبرز ملاحظاتهم.
لويد جيه أوستن الثالث
طوال مسيرته المتميزة، جسّد السفير "جيمس جيفري" نموذج "الدبلوماسي-الجندي"، الذي يدرك في آنٍ واحد قوة استخدام القوة العسكرية وحدودها. وهو يؤمن بأن قواتنا المسلحة الاستثنائية لا ينبغي أن تُنشر إلا كخيار أخير، وضمن استراتيجية واضحة ومدروسة بعناية. خلال عملنا معاً في العراق بعد سقوط صدام حسين، بنينا شراكة مهنية وثيقة جمعت فرقنا في وزارتي الخارجية والدفاع، وأسفرت عن أحد أفضل نماذج "فريق الفرق" التي شهدتها في مسيرتي.
يفهم السفير "جيفري" بعمق الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط، ويعي أن انخراط الولايات المتحدة في المنطقة سيستمر لعقود مقبلة. فالشرق الأوسط أشبه ببرميل بارود، ومن دون القيادة الأمريكية والتنسيق الوثيق مع حلفائنا وشركائنا، ستظل تحدياته تطاردنا حتى داخل حدودنا. تعتمد قدرتنا على إدارة هذه التحديات على أعظم أصولنا الاستراتيجية: شعبنا، بمن فيهم من يخدمون في القوات المسلحة والسلك الدبلوماسي. آمل أن يُلهم مثال السفير "جيفري" وكتابه آخرين للتقدم وتحمل مسؤولية الخدمة.
جيمس جيفري
على مدى الخمسة والعشرين عاماً الماضية من العمل الشاق - وغالباً العنيف - في الشرق الأوسط، خدم كثير من الدبلوماسيين في الخطوط الأمامية للأزمات، بينما شقّ عدد كبير من موظفي الخدمة الخارجية طريقهم صعوداً عبر سلّم البيروقراطية في واشنطن. لكن قلة قليلة فقط أمضت نصف حياتها المهنية في الميدان والنصف الآخر في العاصمة. هذا هو الفراغ الذي يسعى كتابي الجديد إلى ملئه، وقد برزت أثناء كتابته ثلاثة محاور رئيسية.
أول هذه المحاور يتعلق بكيفية عمل الدبلوماسيين مع المؤسسة العسكرية. بحكم عملي في كلا المجالين، وجدت أن الثقافتين غير متوافقتين مؤسسياً، لكن التعاون الفعّال بينهما يصبح ممكناً على المستوى الشخصي. يُعد الوزير "أوستن" مثالاً واضحاً على ذلك، إذ جسّد هذا النهج في تعامله معي في العراق ومع آخرين في ساحات مختلفة.
المحور الثاني يتمثل في الأهمية المستمرة للشرق الأوسط في السياسة الأمريكية، لأسباب متعددة، من بينها نقاط الاختناق البحرية في البحر الأحمر، والدردنيل، ومضيق هرمز، وقناة السويس، إضافة إلى حصة المنطقة الكبيرة من صادرات النفط العالمية، والتهديدات العابرة للحدود مثل الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل. فالمنطقة ليست محورية للأمن القومي الأمريكي فحسب، بل لمكانة الولايات المتحدة العالمية أيضاً، وهو ما يفرض استمرار الوجود الأمامي ونمطاً من الانخراط الاستراتيجي النشط الذي انتهجته واشنطن على مدى ثمانية عقود.
أما المحور الثالث، فيتعلق بالدور الذي كثيراً ما يُقلَّل من شأنه لموظفي الخدمة الخارجية في تنفيذ السياسة الأمريكية. أكثر ما أشعر بالفخر حياله هو أولئك الذين وقفوا معي في مواجهة هذه المهام الصعبة، وتقاسموا المخاطر ذاتها التي يواجهها العسكريون يومياً.
على مدى عقود، نجحت الولايات المتحدة في الحفاظ على نظام أمني جماعي حال دون وقوع أوراسيا تحت سيطرة قوى معادية. يبقى السؤال مطروحاً حول كيفية تعامل إدارة "ترامب" مع هذا الإرث، لا سيما في ظل تراجع أدوات القوة الناعمة داخل البيروقراطية. لقد أمضيت جزءاً كبيراً من مسيرتي المهنية في كسب القلوب والعقول، وهو عنصر أساسي في الأمن القومي الأمريكي وفي منظومة الأمن الجماعي. إن تفكيك هذا النظام سيخلّف مشكلات طويلة الأمد للولايات المتحدة، وحتى إذا كانت الإدارات المقبلة راغبة وقادرة على استعادة نفوذ القوة الناعمة، فإن إعادة بناء البنية التحتية للأمن الجماعي ستصبح أكثر صعوبة إذا استمرت الإدارة الحالية في سحب القوات وإضعاف التعاون الأمني مع الشركاء.
تزداد هذه التحديات تعقيداً حين تصدر عن إدارات مختلفة رسائل متناقضة بشأن النوايا الأمريكية. فالنظام الدولي القائم على القواعد يُعد ركيزة أساسية في السياسة الخارجية الأمريكية، وأي انتهاك له ينعكس سلباً على مكانة الولايات المتحدة. على سبيل المثال، فإن القبض على الزعيم الفنزويلي "نيكولاس مادورو" يتجاوز حدود القانون الدولي. رغم أن هذه الخطوة حملت رسالة ردع قوية، فإن الجيش الأمريكي وُجد لخوض الحروب لا لإرسال الإشارات. في العراق، وُجهت انتقادات مشروعة لإدارة "بوش" بسبب حل حزب البعث وتسريح الجيش، بينما تواجه إدارة "ترامب" انتقادات في فنزويلا لإبقائها النظام قائماً إلى حد كبير. في الحالتين، تُظهر التجربة أن تغيير الأنظمة - بأي وسيلة - عملية عالية المخاطر.
خلال ولايته الأولى، أبدى الرئيس "ترامب" تحفظاً واضحاً إزاء استخدام القوة العسكرية، لكنه لجأ إليها بحسم عند الضرورة. غير أن عدم قابليته للتوقع أدخل مستوى خطيراً من عدم اليقين، ويُرجّح أن إيران تتابع ما يجري في فنزويلا بقلق بالغ.
على نحو أوسع، يميل الرؤساء إلى تنظيم المستويات العليا في إداراتهم بطرق مختلفة لتنفيذ السياسة الخارجية. لكن كل إدارة تواجه التحدي ذاته: جعل النظام يعمل كجهاز بيروقراطي فعّال. فرئاسة وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي لبيروقراطيتين مختلفتين تتطلب قدراً كبيراً من القيادة والتركيز لا يمكن تفويضه. لا يُضمن دائماً لوزير الخارجية الحصول على اهتمام الرئيس، وهو ما يجعل المركزية القائمة في الإدارة الحالية أداة محتملة لضمان وصول "ماركو روبيو" إلى الرئيس. مع ذلك، وبعد عام واحد، لم تتبلور بعد آليات فعالة للاستفادة الكاملة من البيروقراطية في خدمة المصالح الأمريكية، وهو أمر يبعث على القلق.
دانا سترول
كان القبض على رئيس فنزويلا عملية استثنائية عكست مستوى عالياً من الاحتراف داخل الجيش الأمريكي، كما سلطت الضوء على الاستثمارات طويلة الأمد التي ضخّها القادة الأمريكيون في هذه المؤسسة. لكن المقلق في هذه العملية هو أن السلطة التنفيذية لم تستشر الكونغرس مسبقاً، في وقت صوّتت فيه غالبية أعضاء مجلس الشيوخ على فرض قيود على أنواع القوة التي يمكن للرئيس استخدامها. إن الحفاظ على التوافق الثنائي الحزبي بشأن الجيش مسألة بالغة الأهمية، إذ يُظهر التاريخ أن تآكل هذا الإجماع يبعث برسائل خطيرة حول العزم الأمريكي، ويضع الرجال والنساء الذين يرتدون الزي العسكري في موقع بالغ الحساسية.
ينبغي على واشنطن أن تفكر بعمق في الرسائل التي تبعث بها عملية فنزويلا إلى الشرق الأوسط. فالمنطقة أشبه ببرميل بارود: وقف إطلاق نار هش في غزة ولبنان، مآلات غير واضحة في سوريا والعراق، تجدّد الصراع في اليمن، وشركاء أمريكيون تقليديون ينخرطون في مواجهات مباشرة. خصم مثل إيران - وإن بدا أضعف - يراقب عن كثب الإجراءات المتخذة ضد نظام فنزويلا، ويقيّم ما إذا كان سيرد، وأين وكيف. في الوقت نفسه، يراقب الحلفاء والشركاء هذه التطورات، محاولين استيعاب الرسالة التي ترسلها واشنطن بشأن دورها داخل مناطق نفوذها. إن غياب الوضوح في الأهداف الاستراتيجية الأمريكية قد يترك هؤلاء الشركاء في حالة ارتباك بشأن تموضعهم وعلاقاتهم مع الولايات المتحدة.
على صعيد الأمن الإقليمي، شكّل الرد على الهجوم الإيراني على إسرائيل في نيسان/أبريل 2024 مثالاً لافتاً على فعالية مفهوم الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، وهو ثمرة سنوات من العمل الذي قادته القيادة المركزية الأمريكية بالتعاون مع قوات حليفة. فالدفاع عن المجال الجوي لكل دولة على حدة مهمة شاقة، لكن دمج أنظمة الدفاع والإنذار المبكر على المستوى الإقليمي يعزز القدرة الجماعية على الردع والحماية. لم تكن النجاحات التي تحققت في عملية 2024 نتاج التقدم التقني والخبرة فحسب، بل استندت أيضاً إلى مستويات عالية من الالتزام السياسي والاستثمار المستدام من جانب الولايات المتحدة وشركائها. قد تطلّب ذلك قيادة قوية، وإرادة سياسية لإقناع الشركاء بأن الدفاع الجماعي أولوية، وجهداً متواصلاً شمل مختلف مستويات القيادة. ما ميّز تلك اللحظة تحديداً هو الإحساس المشترك بالتهديد الإيراني، وما ولّده من شعور بوحدة الهدف والدفاع عن السيادة الجماعية. إلا أن هذا الشعور بدأ يتراجع، في وقت تعمل فيه إيران بسرعة على إعادة بناء قدراتها الهجومية. من دون قيادة أمريكية واضحة وضغط منسّق، سيكون من الصعب البناء على التقدم الذي تحقق.
على مستوى السياسة الأوسع، تظل البيروقراطية والمؤسسات عنصراً حاسماً في نجاح السياسة الأمريكية. فمهما بلغت أهمية التفاهمات على أعلى المستويات، يبقى وجود كوادر ميدانية قادرة على تنفيذ السياسات، والتنسيق بين الوكالات الأمريكية والحكومات الشريكة، أمراً لا غنى عنه. اليوم، يواجه الجهاز البيروقراطي الأمريكي وضعاً بالغ الصعوبة، إذ أدى تهميشه في مراحل صنع القرار إلى إضعاف القدرة على تنفيذ السياسات بعد إقرارها. في سياقات ما بعد الصراع - كما في سوريا واليمن وغزة، وحتى العراق - تتطلب جهود إعادة الإعمار موارد سياسية ومادية لطالما التزمت بها الولايات المتحدة، وشجعت الآخرين على المساهمة فيها. لكن غياب الخبرة الفنية الأمريكية حالياً يخلق فراغاً في عمليات الانتقال السياسي عبر المنطقة، بينما يؤدي تكليف الجيش بأدوار أوسع إلى الضغط على الجاهزية العسكرية، وإلى الإضرار بصورة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في آن واحد. من ثم، تبقى البيروقراطية القوية شرطاً أساسياً إذا كانت واشنطن تعتزم المضي قدماً في تنفيذ الاتفاقيات الأخيرة والمعلّقة في المنطقة.
أعدّت هذا الملخص "كيت تشيسنوت".