- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4271
بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر: بين جسور التقارب وهوة الانقسام بين الشعوب
يستعرض مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون وفلسطينيون سابقون الذكرى السنوية لهجوم 7 أكتوبر والحرب المدمرة التي أعقبته، ويقدمون أفكاراً عملية لتضييق فجوة الثقة الهائلة التي اتسعت مجدداً منذ عام 2023 بشكل تدريجي.
في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر، عقد "معهد واشنطن"منتدى سياسياً افتراضياً مع نتسان ألون ، وغيث العمري، ودينيس روس، وكسينيا سفطلوفا. شغل اللواء ألون منصب المسؤول الرئيسي في "جيش الدفاع الإسرائيلي" عن مفاوضات الرهائن بعد 7 أكتوبر، وكان قد ترأس سابقاً "القيادة المركزية" لـ"جيش الدفاع". أما العمري فهو زميل أقدم في برنامج زمالة مؤسسة "جيلبيرت"، ومستشار سابق لفريق التفاوض الفلسطيني في الفترة 1999-2001. أما روس، المستشار في المعهد وزميل "برنامج ديفيدسون" المتميز، فقد شغل سابقاً مناصب في عدة إدارات أمريكية، بما في ذلك منصب المبعوث الخاص للرئيس للسلام في الشرق الأوسط. وبالنسبة لسفطلوفا فهي المديرة التنفيذية لـ"المنظمة الإقليمية للسلام والاقتصاد والأمن" (ROPES) وعضوة سابق في "الكنيست" الإسرائيلي.
ملاحظة: هذا الملخص أعده المقررون ، ولا ينبغي اعتباره اقتباسات مباشرة لأي من المتحدثين. للاطلاع على التصريحات الحرفية، يرجى مشاهدة تسجيل الفيديو الخاص بالمنتدى.
نتسان ألون
لا شك في أن السنوات الثلاث الماضية كانت فترة صعبة بالنسبة للمجتمع الإسرائيلي. وقد جعلتني خبرتي بصفتي المسؤول الرئيسي عن قضية الرهائن على اتصال وثيق ومستمر بكل من عائلات الرهائن والقيادة السياسية للبلاد. ورغم أنني لا أرغب في إلقاء اللوم على أي زعيم بعينه، فإنه يبدو واضحاً أن الحرب كان من الممكن أن تنتهي قبل عام من انتهائها فعلياً، مع التوصل إلى الاتفاق نفسه لإطلاق سراح جميع الرهائن. وكان من الممكن أن يمنع ذلك مقتل العديد من جنود "قوات الدفاع الإسرائيلية" والفلسطينيين والرهائن، الذين قُتل بعضهم أثناء أسرهم. كانت الحرب أطول مما ينبغي - وكان بإمكان إسرائيل تحقيق الإنجازات الاستراتيجية نفسها فيما يتعلق بالقضاء على القوة العسكرية لـ"حماس" في وقت أبكر بكثير. وعلى الرغم من هذه المصاعب، أظهر الإسرائيليون تضامنهم بالخروج إلى الشوارع للتظاهر مع عائلات الرهائن كل ليلة سبت لمدة 105 أسابيع.
شاهد الإسرائيليون بأعينهم كيف شن إرهابيو "حماس" هجماتهم داخل إسرائيل. وانتشرت مشاهد العنف التي وقعت في ذلك اليوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتستحضر لدى كثير من الإسرائيليين ذكريات مروعة عن المحرقة. كما أدى الهجوم إلى تحطيم شعور الجمهور بالأمان داخل حدود إسرائيل، وإلى تقويض أي أمل في أن تكون إسرائيل في وضع يسمح لها بتقديم تنازلات سعياً إلى السلام أو حل الدولتين. وفي الوقت الراهن، يصعب على الإسرائيليين الفصل بين "حماس" وبقية الفلسطينيين أو إبداء التعاطف مع الخسائر والصدمات التي يعاني منها الجانب الفلسطيني. وفي الوقت نفسه، يتبنى السياسيون الإسرائيليون سياسات مثل الترحيل القسري لسكان غزة من القطاع، وإنشاء مناطق عازلة تفصل إسرائيل عن أعدائها، واستخدام القوة بشكل استباقي لمنع أي هجوم مستقبلي.
عموماً، يبدو المجتمع الإسرائيلي أكثر انقساماً في الوقت الراهن، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات. لكن في المرحلة المقبلة، يحتاج الإسرائيليون إلى قادة يقدمون حلولاً تبعث على الأمل، بعيداً عن الأوهام أو الشعارات. كما يحتاجون إلى حكومة قادرة على التعامل مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية بمسؤولية. ورغم أن أحداث 7 أكتوبر أثارت تشاؤماً شديداً بشأن علاقة إسرائيل بالفلسطينيين، فإن هناك فرصاً مهمة للتقدم في لبنان وسوريا - وهي خطوات يمكن أن تحسن علاقة إسرائيل بالعالم العربي.
غيث العمري
إذا أراد الفلسطينيون استيعاب هذه المأساة واستخلاص الدروس منها في نهاية المطاف، فإن الأمر يتطلب مراجعة ذاتية حقيقية. لقد احتفل بعض الفلسطينيين بالفعل في 7 أكتوبر. كن الشعور السائد في غزة بعد هجوم "حماس" مباشرة كان، بدرجة أكبر بكثير، هو الخوف. لم تكن هذه هي الحرب الأولى بين "حماس" وإسرائيل، وكان سكان غزة يدركون أن عواقب هجوم الحركة ستكون مدمرة. وكانت الصدمة الجماعية التي عانى منها الشعب الفلسطيني على مدى السنوات الثلاث الماضية هائلة، حيث واجه سكان غزة تفكك مؤسساتهم الاجتماعية ونسيج مجتمعهم. وتعكس صدمتهم ما عانته إسرائيل في بعض النواحي - فتماماً كما أثار يوم 7 أكتوبر شعوراً جديداً بالضعف مرتبطاً بالصدمات التاريخية للشعب اليهودي، ذكرت الحرب التي تلت ذلك الفلسطينيين بإحساسهم التاريخي بالضعف.
واليوم، يسود بين الفلسطينيين شعور عام بالغضب تجاه كل من فشل في مساعدتهم - "حماس"، وإسرائيل، و"السلطة الفلسطينية"، والمجتمع الدولي. وبعد وقف إطلاق النار، عندما بدا أن "حماس" ستُطرد من السلطة، تجلى غضبهم في مظاهرات ضد الحركة. لكن مع توقف التقدم خلال العام الماضي، أصبح سكان غزة يعتقدون بشكل متزايد أن المظاهرات لا جدوى منها، وأن "حماس" لن تُزاح من السلطة أبداً.
وما يحتاج إليه الناس في الوقت الراهن أكثر من أي شيء آخر هو المساعدة الإنسانية - ليس فقط الطعام والماء، بل أيضاً البنية التحتية الحيوية مثل المرافق الصحية، والصرف الصحي، والملاجئ الجاهزة بدلاً من الخيام. وبمجرد تلبية تلك الاحتياجات الملحة، يتعين إزاحة "حماس" وإحلال سلطة بديلة محلها. ثمة مسار واقعي لتحقيق هذا الهدف، حددته كل من خطة الرئيس ترامب ذات النقاط العشرين و"خارطة الطريق التنفيذية" ذات النقاط الخمس عشرة، التي جرى الاتفاق عليها في تموز/يوليو الماضي، والتي أنشئت بموجبها "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" (NCAG) لتكون سلطة انتقالية. ومع ذلك، ما لم يُنزع سلاح "حماس"، لن تكون إعادة الإعمار أو الاستثمار أمراً ممكناً، وستظل الحركة تسيطر فعلياً على غزة. وقد بدأت "حماس" بالفعل في إعادة إرساء الأنماط نفسها التي كانت سائدة قبل 7 أكتوبر - الابتزاز، وفرض الضرائب، وترسيخ السلطة - لكن الولايات المتحدة تمنحها الآن قدراً من المصداقية من خلال عقد اجتماعات رفيعة المستوى مع قيادتها.
ولمنع الحركة من تعزيز قبضتها، يجب البدء فوراً في تنفيذ المزيد من بنود الخطة المكونة من عشرين نقطة. فعلى سبيل المثال، على الرغم من أنه لا يمكن بعد نشر قوة الشرطة الفلسطينية الجديدة التي يبلغ قوامها 16,000 فرد في غزة، فإن معظم أفرادها لا يزالون بحاجة إلى التدريب، وينبغي السماح لهم ببدء هذه العملية على الفور.
وعلى المدى الطويل، سيتعين على "السلطة الفلسطينية" توحيد غزة والضفة الغربية تحت قيادة واحدة. كما يجب عليها الشروع في عملية إصلاح شاملة للمضي على طريق إقامة الدولة. وينبغي للحكومات العربية التي تتمتع بأكبر قدر من النفوذ على الفلسطينيين أن تبدأ من الآن في الضغط عليهم للتحرك في الاتجاه الصحيح. وإذا لزم الأمر، ينبغي للولايات المتحدة أن تمارس الضغط على شركائها العرب، وأن تتعهد باستخدام نفوذها على إسرائيل إذا استخدم هؤلاء الشركاء نفوذهم على الفلسطينيين.
وفي الوقت الراهن، تتسم العلاقات بين الإسرائيليين والفلسطينيين بانعدام عميق للثقة، ولا يملك أي من الطرفين قائداً يتمتع بالشرعية الداخلية اللازمة لاتخاذ قرارات حاسمة وصعبة. ففكرة التعاون غير مقبولة سياسياً بالنسبة لقادة تستند شرعيتهم إلى قواعد جماهيرية ضعيفة ومنقسمة. ومن هذا المنطلق، قد تشكل غزة فرصة - فالتعاون اليومي الذي سيكون ضرورياً لإعادة إعمار القطاع المدمر قد يذكر الشعبين بأن العمل معاً يمكن أن يحقق نتائج أفضل لكليهما.
دينيس روس
عندما وقع هجوم 7 أكتوبر، كانت الإمارات العربية المتحدة والبحرين الدولتين العربيتين الوحيدتين اللتين أدانتا "حماس" بالاسم في البداية. ويشير هذا الواقع إلى حجم ردود الفعل السلبية التي توقعت بقية الدول العربية مواجهتها، ومدى خشيتها من ردود الفعل التلقائية لدى شعوبها. واليوم، يبدو السلام القائم على القبول الحقيقي والاعتراف بالشرعية بعيد المنال، لذا ينبغي للمسؤولين الأمريكيين أن يبدأوا بالتأكيد على أن العنف أمر غير مقبول. وقد يساعد ذلك في خلق واقع يُنظر فيه عالمياً إلى مرتكبي الفظائع على أنهم يفتقرون إلى الشرعية. وفي السعي إلى تحقيق الهدف النهائي المتمثل في السلام الحقيقي، يتمثل التحدي الرئيسي الأول أمام واشنطن في شقين: وضع مجموعة من المعايير والتوقعات، وانتقاد الدول غير القادرة على إدانة الأفعال اللاإنسانية.
أما المضي قدماً على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، فسيتطلب قادة مستعدين لتحمل المسؤولية، والخضوع للمساءلة، ومواجهة الوضع الحالي بشجاعة، وتوجيه الرأي العام بدلاً من الاكتفاء بمسايرته. وفي إسرائيل، كان من الصعب التغلب على صدمة 7 أكتوبر في ظل غياب لجنة تحقيق حكومية تتولى استخلاص الدروس، وتساعد المجتمع على تجاوز هذه الصدمة وإغلاق هذا الفصل. وفي غزة والضفة الغربية، يحتاج الناس إلى قادة مستعدين لتجاوز الشعارات، وخلق حقائق على الأرض، والتركيز على بناء المؤسسات اللازمة لإقامة الدولة من الأساس.
في ظل الوضع الراهن، لا تبدو إقامة دولة فلسطينية ممكنة على المدى القريب ، إذ يتجاوز هذا الهدف ما يمكن للجمهور الإسرائيلي قبوله في الوقت الحالي، كما أن الجمهور الفلسطيني ليس مستعداً له أيضاً. وقبل إقامة دولة فلسطينية، يجب تهميش "حماس" تماماً، وإجراء إصلاحات جادة في "السلطة الفلسطينية"، وإشراك الدول العربية لتوفير الدعم اللازم. وبينما يضغط القادة العرب على "السلطة الفلسطينية" للوفاء بالتزاماتها الإصلاحية، ينبغي للمسؤولين الأمريكيين العمل مع إسرائيل لمساعدتها على اتخاذ قراراتها الصعبة.
ويعاني المجتمعان من صدمات متبادلة، وبات كل منهما عاجزاً عن تصور معاناة الآخر. لذلك، فإن جمعهما إلى طاولة المفاوضات الآن سيكون فكرة سيئة، إذ سينشغل الطرفان بتبادل الاتهامات بدلاً من البحث عن حلول. والوسيط الجيد لن يفكر حتى في جمعهما إلى طاولة المفاوضات ما لم تتوافر أرضية مشتركة بينهما؛ وفي الوقت الحالي، فإن الفجوات السياسية والنفسية أكبر مما كانت عليه في أي وقت مضى.
وفي غضون ذلك، فإن العمل الذي تقوم به المنظمات غير الحكومية لتقريب الشعبين عمل بطولي، لكنه لا يحظى بالاهتمام الكافي. وتحدث أشكال متنوعة من التعاون كل يوم. فعلى سبيل المثال، لدى إسرائيل مصلحة في حل مشكلة مياه الصرف الصحي في غزة لأن هذه المياه تصل إلى الشواطئ الإسرائيلية وتجبر السلطات على إغلاق محطات تحلية المياه؛ وبالمثل، أرسلت إسرائيل لقاحات كوفيد-19 إلى "السلطة الفلسطينية" لأنها تدرك أن حالات الطوارئ الصحية لا تعترف بالحدود. وبعبارة أخرى، لم يتوقف التعاون، وينبغي للمسؤولين الأمريكيين تسليط مزيد من الضوء على أمثلة من هذا النوع. وبذلك، يمكنهم المساعدة في ترسيخ فكرة أن الإسرائيليين والفلسطينيين قادرون على التعاون في القضايا العملية اليومية، ثم البناء على هذا التفاهم بمرور الوقت.
كسينيا سفطلوفا
يعيش الطرفان حالياً داخل دوائر مغلقة تردد قناعاتهما، حيث يجد كل منهما لأمان في روايته الخاصة. وفي أوقات كهذه، غالباً ما يواجه الناس صعوبة في تقبل ما يتحدى رواياتهم، إذ يصعب على المرء أن يرى نفسه ضحية وجانياً في الوقت نفسه. فخلال الحرب، على سبيل المثال، كثيراً ما سمع مشاهدو قناة "الجزيرة" عن "الأعمال البطولية لأفراد المقاومة الفلسطينية ضد الجنود والمستوطنين"، لكنهم لم يسمعوا عن الأطفال والمسنين الإسرائيليين الذين أُخذوا رهائن، أو الشابات اللواتي قُتلن بوحشية. وبالمثل، عرضت معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية لقطات جوية للمباني وتقارير عن الأحداث في غزة، لكنها لم تنقل حجم المأساة الإنسانية التي كانت تجري على الأرض.
علاوة على ذلك، أدى حجم المعلومات المضللة التي تنشرها جهات داخل إسرائيل وخارجها إلى إضعاف ثقة الجمهور في وسائل الإعلام، وهي ثقة ينبغي استعادتها. كما تُظهر استطلاعات الرأي الإسرائيلية الأخيرة مستويات منخفضة من الثقة في الحكومة و"الكنيست" والمحاكم. ولمعالجة هذا الاتجاه المقلق، يجب على الحكومة التوقف عن التحريض ضد السلطات الأخرى، وتحمل مسؤوليتها الكاملة عن إخفاقاتها، بدلاً من ترك الجيش و"الشاباك" يتحملان المسؤولية وحدهما. وتقف الانتخابات المقبلة عائقاً أمام اعتراف السياسيين بدورهم في مآسي 7 تشرين الأول/أكتوبر. وهذا الاعتراف ضروري ليبدأ الجمهور في التعافي.
بعد ذلك، يجب على الإسرائيليين البدء في التفكير في علاقاتهم مع الفلسطينيين - جيرانهم الأقرب - وليس فقط مع الإمارات والبحرين والدول العربية الأخرى. وستستغرق إعادة بناء تلك العلاقة وقتاً، لكنها ليست مهمة مستحيلة. فإعادة بناء الثقة عملية بطيئة تتطلب وجود أشخاص مسؤولين على كلا الجانبين. وقد مر المجتمع الإسرائيلي بتجربة مماثلة من قبل - فقد انهارت الثقة بعد اندلاع الانتفاضة الثانية في الفترة 2000-2005، ومع ذلك، عندما ظهرت قيادة فلسطينية جديدة، أيد الرأي العام الإسرائيلي العودة إلى المفاوضات في عام 2007.
وكان للفجوة الهائلة في الثقة أيضاً تداعيات سياسية على الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. فالقضايا الكبرى مثل الحدود، والعلاقات مع الفلسطينيين، ومصير الضفة الغربية، غائبة عن معظم الحملات الانتخابية الرئيسية. وعندما تُناقش، تطرحها في الغالب أحزاب اليمين المتطرف التي تروج لفكرة "الترحيل" - أي التهجير القسري للفلسطينيين. وقد بدأت هذه الفكرة في الانتشار قبل 7 أكتوبر، لكنها اكتسبت زخماً أكبر منذ ذلك الحين من دون رد من الحكومة.
أعد هذا الملخص كل من كيت تشيسنوت، ونافا غولدشتاين، وجويل روزنتال. أصبحت سلسلة "منتدى السياسات" ممكنة بفضل سخاء "مؤسسة وينكلر لوي".