- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4232
إيران لا تزال عازمة على منع العودة إلى النظام الملاحي السابق
تشير الأنماط المقيدة للملاحة، والتحذيرات المتزايدة، والتهديدات غير المؤكدة بزرع الألغام، والهجوم الأخير بالطائرات المسيّرة، إلى أن طهران لا تنوي العودة طوعياً إلى الوضع الملاحي الذي كان سائداً في مضيق هرمز، بغض النظر عن أي انفراجات دبلوماسية.
منذ توقيع الولايات المتحدة مذكرة التفاهم لوقف الحرب مع إيران في 17 حزيران/يونيو، سُجلت زيادة في حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز. وبعد أيام من الإعلان عن المذكرة، كشفت المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة (IMO) عن خطة واسعة النطاق لإجلاء مئات السفن وآلاف البحارة العالقين في الخليج العربي. ومع ذلك، لا تعني هذه التطورات الإيجابية أن عودة الملاحة إلى وتيرتها الطبيعية أصبحت وشيكة، أو حتى أنها بدأت تتحقق تدريجياً.
فمن جهة، لا تزال أعداد السفن العابرة أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب. والأهم من ذلك، أن الوضع الملاحي في المضيق ومحيطه لا يزال هشاً للغاية في ظل التهديدات الإيرانية المتواصلة ومخاطر الألغام البحرية على طول الممر الملاحي التقليدي. ومنذ انحسار الأعمال العدائية قبل توقيع مذكرة التفاهم، بدأت بعض السفن باستخدام مسارين بديلين: أحدهما بمحاذاة الساحل العماني، والآخر عبر المياه الإيرانية. غير أن القوات الإيرانية هاجمت هذا الأسبوع إحدى السفن، وأصدرت تحذيرات من استخدام المسارات التي لا تقرها طهران، مما يدل على أن حتى المسار البديل المحاذي للساحل العماني بات هو الآخر عرضة للمخاطر.
أفادت التقارير أن سفينة الحاويات "إيفر لوفلي " (Ever Lovely) (رقم التعريف 9629110) تعرضت أمس لهجوم بطائرة مسيّرة أثناء إبحارها على طول المسار العماني (انظر الخريطة أعلاه للاطلاع على الموقع؛ وللاطلاع على التفاصيل الكاملة للحادث، انظر الخريطة التفاعلية ومتعقب الهجمات التابعين لمعهد واشنطن). ورداً على ذلك، أوقفت المنظمة البحرية الدولية خطة الإجلاء، وشوهدت ناقلة نفط خام واحدة على الأقل، هي ((Omega Trader، رقم التعريف(IMO 9567659)، تلغي رحلة عبورها وتعود إلى الخليج العربي.
وفي اليوم نفسه، أصدرت الولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي بياناً مشتركاً أكدا فيه أهمية ضمان حرية الملاحة في هذا الممر المائي الحيوي. ومع ذلك، فإن تصرفات طهران تشير إلى أن الترتيبات التقليدية في مضيق هرمز قد انهارت، وأن نظاماً جديداً آخذٌ في التشكل يهدف إلى ترسيخ السيطرة الإيرانية على المضيق. وما لم تتغير الظروف تغيراً جوهرياً، فقد لا يكون هذا التحول مؤقتاً. فالعودة إلى النظام الملاحي الذي كان سائداً قبل الحرب سيحرم إيران من أقوى مصدر نفوذ متبقى لديها، وهو المصدر الذي مكّنها من ممارسة الضغط على دول المنطقة وأسواق الطاقة العالمية على حد سواء.
والسؤال الآن ليس كيف ستسهل إيران العودة إلى وضع لم يعد يخدم مصالحها، بل عن كيف ستسعى إلى تكريس النظام البحري الجديد بما يضمن لها دوراً محورياً فيه، وما العراقيل التي ستضعها أمام أي ترتيبات بديلة قد تحد من نفوذها.
نظام المسارين تحت التهديد
كما ذُكر آنفاً، فبعد أن بدأ الوضع العسكري بالتهدئة، استأنفت بعض السفن عبورها لكنها تجنبت بشكل عام المسارات التقليدية للدخول إلى مضيق هرمز والخروج منه - أي مخطط فصل حركة الملاحة (TSS) الذي اقترحته إيران وعُمان قبل عقود واعتمدته المنظمة البحرية الدولية عام 1968. وتُعد مسارات نظام فصل حركة الملاحة، التي تمتد في وسط المضيق ويُعمل بها منذ عقود، غير آمنة حالياً، ومن المرجح أن تظل كذلك في المستقبل المنظور، بحسب التقارير، بسبب احتمال وجود ألغام.
وفي هذا السياق، صرّح فيل بيلشر، المدير البحري في " الرابطة الدولية لمالكي ناقلات النفط المستقلين"(INTERTANKO)، الأسبوع الماضي، قائلاً: "أحدث الأرقام التي لدينا تشير إلى وجود 80 لغماً في المضيق… وهذا عدد هائل، وسيستغرق إزالته بعض الوقت ". كما جاء في تنبيه حديث صادر عن المركز المشترك للمعلومات البحرية أن "عمليات إزالة الألغام لا تزال جارية ".
ومن شأن حالة عدم اليقين المحيطة بمخاطر الألغام أن تدفع السفن إلى استخدام المسارين الجديدين اللذين ظهرا خلال الحرب. ويمر المسار الأول عبر المياه الإيرانية، ويُشار إليه بـ"المسار الشمالي". وقد نشرت هيئة مضيق الخليج الفارسي الإيرانية (PGSA) - وهي جهة خاضعة لعقوبات أمريكية أنشأها النظام خلال الحرب لإضفاء شرعية على مخططاته المتعلقة بحركة العبور – مؤخراً إحداثيات هذا المسار (انظر الخريطة أعلاه)، واصفةً إياه بـ"مسار الملاحة الآمن الجديد" للدخول إلى المضيق والخروج منه.
أما المسار الثاني، المعروف بـ "الممر الجنوبي"، فيمتد بمحاذاة الساحل العماني. وقد استخدمت عدة سفن هذا المسار للدخول إلى المنطقة والخروج منها بتنسيق مع الولايات المتحدة.
وقبل هجوم الأمس، كان من المقرر تنفيذ خطة الإخلاء التي وضعتها المنظمة البحرية الدولية بالتعاون مع إيران وسلطنة عُمان وجميع الدول الساحلية الأخرى في المنطقة والولايات المتحدة وقطاع النقل البحري. ووفقاً لوثيقة صادرة عن مسقط، يحق للسفن التي تغادر المضيق بموجب خطة المنظمة البحرية الدولية استخدام المسارين المؤقتين العماني أو الإيراني، على أن تتواصل مع الدولة الساحلية المشرفة على المسار الذي تختاره للتأكد من إمكانية المضي قدماً. غير أن إيران حذرت أمس من أن جميع المسارات باستثناء المسار الذي حددته، بما في ذلك ضمناً المسار العماني، "غير مقبولة" وتنطوي على "مخاطر أمنية جسيمة "، مضيفةً أن التنسيق مع "الحرس الثوري الإيراني" إلزامي لجميع السفن. وبعد ساعات من هذا التحذير، وقع الهجوم على السفينة "إيفر لوفلي ".
تتبع حركة الملاحة بعد توقيع مذكرة التفاهم
تشير بيانات تتبع السفن المتوافرة حتى الآن هذا الأسبوع إلى أن السفن تستخدم المسارين، الشمالي والجنوبي. فعلى سبيل المثال، تُظهر صورة التتبع أدناه ناقلتي نفط كانتا تستخدمان هذين المسارين في وقت سابق اليوم: ناقلة النفط الخام المحملة "توغو بروسبيريتي " (Togo Prosperity) رقم التعريف(IMO 9411032)، التي غادرت المنطقة عبر المسار العماني، وناقلة النفط الخام الفارغة "ناتسومي " (Natsumi) رقم التعريف( IMO 9331244)، التي دخلت عبر المسار الإيراني..
ومع ذلك، لا يستوعب أياً من هذين المسارين الجديدين حجم حركة العبور التي شهدها مسارات نظام فصل حركة الملاحة قبل الحرب، والتي بلغ متوسطها نحو 138 سفينة يومياً. ولا يمكن توقع عودة الناقلات إلى المسارات التقليدية ما لم تتوافر ضمانات كافية بإزالة جميع الألغام البحرية، لا سيما بالنظر إلى العواقب البيئية الجسيمة التي قد تترتب على تسرب نفطي واسع النطاق إذا اصطدمت ناقلة بأحد تلك الألغام. كما لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت إيران مستعدة للتعاون مع البعثات الدولية لإزالة الألغام، سواء كانت أمريكية أم أوروبية.
وتعكس التغيرات في أعداد عمليات العبور خلال الأزمة الإيرانية هذا الواقع. ووفقاً لشركة "كيبلر" (Kpler) المتخصصة في معلومات السوق، شهدت حركة ناقلات السوائل، بما في ذلك النفط الخام وغاز البترول المسال والغاز الطبيعي المسال والمنتجات النفطية، انتعاشاً محدوداً خلال الأيام الأخيرة (ولا تشمل هذه البيانات سفن الحاويات وسفن البضائع السائبة الجافة). ففي 17 حزيران/يونيو، عبرت سبع ناقلات من هذا النوع المضيق (خمس قادمة واثنتان مغادرتان)، من بينها ناقلات عبرت مع إيقاف نظام التعرف الآلي (AIS). وفي 18 حزيران/يونيو، أي في اليوم التالي لتوقيع مذكرة التفاهم، ارتفع العدد إلى 27 عملية عبور (14 قادمة و13 مغادرة). وبحلول 24 حزيران/يونيو، بلغ العدد 32 عملية عبور. أما في اليوم التالي، عندما تعرضت السفينة "إيفر لوفلي" للهجوم، فانخفض المجموع إلى 29 عملية عبور (خمس قادمة و24 مغادرة). ومع ذلك، تظل جميع هذه الأرقام أقل بكثير من المستويات المسجلة قبل اندلاع الحرب مباشرة في 2 شباط/فبراير، حين سجلت ناقلات السوائل 59 عملية عبور (18 قادمة و41 مغادرة).
وقد يشهد عدد الرحلات تراجعاً قريباً، نظراً لتصعيد إيران جهودها في ترهيب السفن عبر قنوات الراديو البحرية. ففي 24 حزيران/يونيو، على سبيل المثال، أفاد تنبيه صادر عن شركة "أمبري إنتليجنس" البريطانية بأن "الحرس الثوري الإيراني" أصدر تعليمات إلى ناقلة للمنتجات النفطية كانت تبحر من قطر إلى باكستان بتغيير مسارها نحو شمال جزيرة لاراك، والتوقف هناك إلى حين صدور تعليمات جديدة. كما حذر "الحرس الثوري الإيراني" طاقم السفينة قائلاً: "أنتم في مرمى صواريخنا وقد نطلق النار عليكم "، رغم أن السفينة كانت تبحر أصلاً على المسار الإيراني.
ونظراً إلى أن العودة إلى المسارات التقليدية لن تكون ممكنة قريباً، فمن المرجح أن يستمر هذا النمط من السلوك العدواني. وفي الوقت نفسه، لا تزال فكرة الحد من هذه التهديدات من خلال ترتيب مستقبلي لإدارة الملاحة في المضيق بين إيران والدول الإقليمية غامضة، لا سيما فيما يتعلق بفرض رسوم محتملة على "الخدمات البحرية " المقدمة للسفن التجارية بعد انتهاء مهلة الستين يوماً المجانية المنصوص عليها في الفقرة الخامسة من مذكرة التفاهم.
التداعيات السياسية
لقد أدركت إيران منذ فترة طويلة أهمية السيطرة على حركة السفن عبر ممر مائي دولي حيوي. وحتى قبل الحرب، أثبتت مراراً قدرتها على مضايقة السفن التجارية ومهاجمتها في الخليج العربي ومضيق هرمز وخليج عُمان، بما في ذلك قبالة سواحل الفجيرة، وصولاً إلى بحر العرب. وبناءً على هذا السجل وتداعياته الملموسة على حركة الملاحة التجارية، فمن شبه المؤكد أن طهران ستواصل استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط خلال مفاوضاتها المقبلة مع واشنطن، بهدف ترسيخ النظام الملاحي الجديد الذي فرضته وجعل العودة إلى النظام الملاحي السابق أكثر صعوبة.
ولمواجهة هذه الاستراتيجية، لن تكفي التصريحات المشتركة وحدها. إذ ستحتاج الولايات المتحدة وشركاؤها الإقليميون إلى تبني سياسات وتدابير جديدة تضمن ألا تنفرد إيران بفرض قواعد الملاحة في المضيق.
أولاً وقبل كل شيء، يحتاج البحارة إلى إرشادات واضحة بشأن السلامة والأمن في مضيق هرمز. فالمخاوف من انتقام إيران إذا لم تمتثل السفن لأوامر "الحرس الثوري الإيراني" مخاوف مبررة. وقد استغلت إيران حالة عدم اليقين والفوضى الناجمة عن انهيار النظام البحري الذي كان سائداً قبل الحرب، ومن ثم فإن الاعتراف بالتحديات الكبيرة التي تنطوي عليها العودة إلى ذلك النظام يمثل الخطوة الأولى. كما يتعين على واشنطن وشركائها وضع حزمة مناسبة من الجهود غير العسكرية لمواجهة هذه التحديات، لأن المواجهة العسكرية مع إيران داخل هذا الممر المائي لن تؤدي إلا إلى تفاقم الأزمة. وعلى المدى القصير، على أقل تقدير، يتعين الحفاظ على تواصل واضح مع السفن التي تستخدم المسار العماني لإبلاغها بما يمكن أن تتوقعه، وبالمخاطر المحتملة، وبكيفية التصرف في حال تلقي تحذير أو التعرض لهجوم إيراني. ولا ينبغي توقع أن يمتلك البحارة خبرة مسبقة بالعمل في منطقة حرب.
ثانياً، يجب أن يكون الإعلان عن مواقع الألغام في المضيق وتقديم جدول زمني لإزالتها أولوية قصوى. فعدم اليقين المتعلق بالألغام المبلغ عنها سيؤخر أي عودة إلى المسارات الملاحية التي كانت سائدة قبل الحرب، وهو ما ستستغله إيران للحفاظ على نظام الملاحة الذي تفضله. وفي غضون ذلك، ستواصل السفن استخدام الممرين البديلين، "الشمالي" و"الجنوبي"، إلى أن يزول خطر الألغام تماماً، وهو ما قد يفضي إلى تحديات جديدة تستدعي التعامل معها فور ظهورها.
وقد بدأ أحد هذه التطورات في الظهور بالفعل. فوفقاً للتقارير، تقترح عُمان فرض "رسوم خدمات" مستقبلية تتعلق بالتلوث في المضيق والمساعدة المقدمة للسفن المارة عبره. وقد اقترحت إيران إجراءً مماثلاً، مما أثار مخاوف بشأن إرساء سابقة تسمح بفرض مثل هذه الرسوم في ممرات مائية دولية أخرى حول العالم، وهو ما رفضته الولايات المتحدة. ولتجنب الاضطراب على المدى الطويل، ولا سيما بعد انتهاء فترة التفاوض البالغة 60 يوماً المنصوص عليها في مذكرة التفاهم، ينبغي أن يقتصر فرض هذه الرسوم على أساس مؤقت، وأن تُفرض فقط استجابةً لطلبات المساعدة المقدمة من سفن بعينها أو عند وقوع حوادث تؤدي إلى التلوث. وبمجرد عودة الملاحة إلى مساراتها التقليدية، ينبغي إنهاء العمل بهذه الرسوم.