- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4289
إسرائيل بعد الانتخابات: التداعيات السياسية لاقتراع حاسم
يناقش خبراء النتائج الأولية للانتخابات المفصلية في إسرائيل، بما في ذلك السيناريوهات المحتملة لتشكيل الائتلافات الحكومية وانعكاساتها على العلاقات مع الولايات المتحدة.
في الثامن والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر، عقد معهد واشنطن منتدى سياسياً افتراضياً شارك فيه جيلي كوهين، وديفيد ماكوفسكي، ودينيس روس. وتعمل كوهين مراسلة للشؤون الدبلوماسية في هيئة البث الإسرائيلية العامة "كان"، وتغطي الشؤون السياسية الداخلية والسياسة الخارجية والأمن الإقليمي. أما ماكوفسكي، فهو زميل "زيغلر" المتميز في المعهد، ومدير مشروع العلاقات العربية الإسرائيلية، ومستشار سابق للمبعوث الأمريكي الخاص للسلام في الشرق الأوسط. ويشغل روس منصب مستشار المعهد وزميل "ديفيدسون" المتميز، وقد شغل سابقاً مناصب رفيعة في عدة إدارات أمريكية. وأدارت الجلسة فيليسيا شوارتز، مراسلة شؤون الأمن القومي في شبكة "إم إس ناو" (MS NOW). وفيما يلي ملخص لأبرز مداخلات المشاركين أعده مقررو الجلسة.
جيلي كوهين
خرج كل من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وأبرز شخصيات المعارضة، غادي آيزنكوت، بمكاسب وخسائر في هذه الانتخابات. فقد حصل نتنياهو ومعسكره على أكبر عدد من الأصوات، بل عادل عدد الأصوات التي حصل عليها في انتخابات عام 2022، قبل هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر. ويعكس ذلك تأييداً كبيراً له ولسياساته منذ تلك الهجمات. ومع ذلك، لم يتمكن من تأمين أغلبية برلمانية لتشكيل ائتلاف حكومي، وتراجع عدد مقاعد حزبه "الليكود" في الكنيست من 32 إلى 24 مقعداً، في ظل ارتفاع نسبة المشاركة في التصويت لصالح أحزاب أخرى. وفي المقابل، تمكن آيزنكوت من الفوز بـ21 مقعداً في أول انتخابات يخوضها، لكنه لم يتمكن هو الآخر من تأمين الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة.
ورغم حالة الغموض التي أفرزتها النتائج، سيواصل آيزنكوت مساعيه لتشكيل حكومة لا يتولى نتنياهو رئاستها. ولتحقيق ذلك، يتعين عليه إعادة تأكيد موقعه زعيماً لما يسمى "معسكر التغيير" المعارض.
وفي واشنطن، دعم الرئيس ترامب حملة حزب "الليكود" بإعلانه تأييد نتنياهو علناً. وحاول آيزنكوت وآخرون إقناع ترامب بعدم اتخاذ هذه الخطوة، لكن مساعيهم باءت بالفشل.
كما استغل نتنياهو الصراع مع إيران لحشد التأييد في الأيام الأخيرة من حملته الانتخابية، حتى إنه لوح بإمكانية شن هجمات عسكرية. ومن اللافت أن آيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، وجه رسالة حازمة إلى المؤسسة العسكرية مفادها أنه يراقب تحركاتها، في إشارة إلى قلقه من احتمال تأثر القرارات الأمنية بالاعتبارات السياسية.
يبدو تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم آيزنكوت ونتنياهو أمراً مستبعداً، بالنظر إلى حساباتهما السياسية والوعود التي قطعاها خلال الحملة الانتخابية. ويدرك آيزنكوت أن الحصول على الالتزامات اللازمة للانضمام إلى مثل هذه الحكومة سيكون صعباً بسبب انعدام الثقة بينهما، ولا سيما بعدما أخرج نتنياهو كلاً من آيزنكوت وبيني غانتس من ائتلافات حكومية سابقة خلال جائحة "كوفيد-19" والفترة التي أعقبت هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر. وفي المقابل، لا يبدو نتنياهو مهتماً بحكومة وحدة وطنية، سواء بالنظر إلى لهجة خطابه ليلة الانتخابات أو تأكيداته المتكررة أن الوزيرين اليمينيين المتطرفين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش سيظلان جزءاً من ائتلافه. ويبدو أن رئيس الوزراء يعتقد أن الانتظار والدفع نحو جولة انتخابية جديدة قد يمكنانه من استقطاب مزيد من ناخبي الأحزاب اليمينية الصغيرة التي لم تتجاوز العتبة الانتخابية في اقتراع هذا الأسبوع، مما يقرب معسكره من أغلبية الـ61 مقعداً.
وإذا تشكلت حكومة وحدة وطنية رغم هذه العقبات، فقد تنشأ مفارقة لافتة، إذ من المرجح أن يتولى حزب عربي قيادة المعارضة. فإذا تحالف نتنياهو مع آيزنكوت وظل متمسكاً بتعهده باستبعاد الأحزاب العربية من أي ائتلاف حكومي، فقد تصبح "القائمة المشتركة" أكبر كتلة معارضة في إسرائيل في المستقبل المنظور.
ديفيد ماكوفسكي
في ظل غياب مسار واضح يتيح لأي من المعسكرين تشكيل حكومة، تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية. يتمثل الأول في تشكيل حكومة أقلية بقيادة آيزنكوت، تضم حزب "راعم" العربي و تحظى بموافقة ضمنية من الفصيل العربي الآخر، "القائمة المشتركة". ويختلف هذان الفصيلان اختلافاً كبيراً، إذ قد يحظى "راعم" بقبول شعبي أوسع لأنه يعترف بشرعية إسرائيل، بينما لا تؤيد "القائمة المشتركة" الطابع اليهودي للدولة. ويزداد الوضع تعقيداً لأن أي حزب عربي ينضم إلى الائتلاف سيصبح صاحب الصوت الحاسم في أي نقاش برلماني يتعلق ببقاء الحكومة المقبلة أو سقوطها.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في عجز المعسكرين عن تشكيل حكومة، واستمرار نتنياهو رئيساً لحكومة تصريف أعمال حتى إجراء انتخابات جديدة، على غرار فترة الاضطراب السياسي بين عامي 2019 و2021. وفي هذه الحالة، سيبقى الوزراء الحاليون في مناصبهم، ولن يتمكن نتنياهو من تعيين وزراء جدد.
ويتمثل السيناريو الثالث في تشكيل حكومة وحدة وطنية. وهناك مبررات قوية لهذا الخيار، ولا سيما في ظل احتمال اندلاع جولة جديدة من الحرب مع إيران واستمرار الاضطرابات الإقليمية. غير أن انضمام آيزنكوت إلى حكومة كهذه يتطلب الاتفاق مسبقاً مع نتنياهو على السياسات، وتحديدها بصورة واضحة ومفصلة، ووضع جداول زمنية صارمة وآليات للتعامل مع أي إخلال بالالتزامات. ومن دون ذلك، قد يقع في الفخ السياسي نفسه الذي وقع فيه غانتس عام 2020، عندما انضم إلى حكومة وحدة وطنية مع نتنياهو لكنه لم يتول منصب رئيس الوزراء قط.
وإذا أمكن تشكيل حكومة وحدة وطنية، فقد تتيح لعناصر من المعارضة السابقة تحقيق بعض أهدافها المؤجلة، مثل حسم سياسة التجنيد الإجباري للإسرائيليين المتدينين المتشددين، وتشكيل لجنة تحقيق في أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر، وتقييد مدة تولي المناصب السياسية. كما قد يقدم آيزنكوت استبعاد بن غفير وسموتريتش من الحكومة بوصفه إنجازاً سياسياً. لكن يتعين أولاً حسم مسألة من سيتولى رئاسة الحكومة. وإذا طرح آيزنكوت هذا الخيار ورفض نتنياهو تقديم تنازلات تمس قاعدته الانتخابية لإتمام الاتفاق، فسيكتسب زعيم المعارضة شرعية أكبر للسعي إلى خيارات أخرى. وفي جميع الأحوال، تدخل إسرائيل مرحلة من الغموض السياسي قد تستمر شهرين أو أكثر.
وفي الوقت نفسه، اتهم حزب "الليكود" الأحزاب العربية بتزوير الانتخابات، وطالب بالطعن في النتائج. ومن المرجح أن تتبادل الكتلتان اتهامات مماثلة خلال محاولاتهما جمع المقاعد اللازمة لتشكيل الحكومة، مع سعي كل طرف إلى استغلال ما لديه من أوراق ضغط لتحقيق هذا الهدف.
أما تأييد الرئيس ترامب لنتنياهو، فقد كان له بالتأكيد تأثير في نتائج الانتخابات. ورغم عدم وضوح ما إذا كان رئيس الوزراء قد توصل إلى اتفاق ما مع البيت الأبيض للحصول على هذا التأييد، فإن ترامب يتوقع عادة مقابلاً لمثل هذا الدعم. وربما تعهد نتنياهو بتعديل سياسة إسرائيل تجاه إيران أو غزة، أو تهميش العناصر اليمينية المتطرفة في حكومته، أو العمل على تشكيل حكومة وحدة وطنية مع آيزنكوت.
دينيس روس
شهدت هذه الانتخابات إقبالاً غير مسبوق من الناخبين العرب، مما يشير إلى أن المواطنين العرب في إسرائيل يدركون أهمية أصواتهم ويعتبرون أنفسهم مشاركين فاعلين في الحياة الديمقراطية للبلاد. ولا تزال تداعيات هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر تؤثر بوضوح في السياسة الإسرائيلية. ورغم أن المجتمع الإسرائيلي اتجه عموماً نحو اليمين، فقد خسر ائتلاف نتنياهو البرلماني أكثر من عشرة مقاعد، ليتراجع إلى 53 مقعداً، مما يعكس رفضاً واسعاً لسياسات حكومته.
ومع ذلك، لا يملك آيزنكوت مساراً سهلاً لتشكيل حكومة مؤقتة أو انتقالية بالتحالف مع الأحزاب العربية. فهو يحتاج إلى موافقة جميع أحزاب المعارضة على مثل هذا الائتلاف، بما فيها الأحزاب التي يقودها أفيغدور ليبرمان ونفتالي بينيت ويائير غولان. أما الخيار البديل، وهو التفاوض مع نتنياهو على تشكيل حكومة وحدة وطنية، فلن يكون سهلاً أيضاً، لأن ناخبي آيزنكوت يتوقعون منه تجنب هذا المسار. ولجعل هذا الخيار أكثر قبولاً، يحتاج آيزنكوت إلى امتلاك أوراق ضغط كافية، سواء بإثبات قدرته على تشكيل ائتلاف مع الأحزاب العربية أو بحشد أحزاب المعارضة لإظهار قوتها داخل الكنيست. وقد تتاح هذه الفرصة بعد أسبوعين، عندما ينعقد الكنيست الجديد ويصوت لاختيار رئيس له. ورغم أنه لا ينبغي التقليل من قدرة نتنياهو على المناورة، فسيكون من الصعب عليه تجاوز الواقع البرلماني الجديد، حيث يواجه معارضة تملك 67 مقعداً مقابل 53 مقعداً لمعسكره. وقد تستغل المعارضة هذه الفرصة أيضاً لتشكيل لجنة تحقيق طال انتظارها في أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر، وهو ما رفضه نتنياهو مراراً، أو لإقرار تشريعات تلغي الإجراءات التي اتخذها ضد المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية.
يحرص نتنياهو عادة على تعزيز التأييد داخل ائتلافه قبل الدخول في مفاوضات مع الأحزاب الأخرى. ولهذا الغرض، شن حملة إعلامية اتهم فيها الأحزاب العربية بالتزوير، وسعى إلى التشكيك في أهليتها لتكون شريكاً موثوقاً في أي ائتلاف حكومي. ويستهدف هذا الخطاب الناخبين وآيزنكوت على حد سواء، في محاولة لترسيخ فكرة أن أي حكومة تعتمد على الأحزاب العربية سيكون مصيرها الانهيار. ورغم أن مثل هذه المناورات مألوفة في السياسة الإسرائيلية، فإن تنامي تأثير أصوات الناخبين العرب يمثل تطوراً جديداً. فقد منح فوز الأحزاب العربية بـ19 مقعداً هذه الأحزاب ثقلاً سياسياً غير مسبوق، وإن كانت قدرتها على استثمار هذا النفوذ لم تتضح بعد.
وهناك بالطبع عوامل أخرى قد تؤثر في مسار تشكيل الحكومة. فاستئناف العمليات العسكرية الكبرى التي يشنها الحلفاء ضد إيران، على سبيل المثال، قد يعزز فرص تشكيل حكومة وحدة وطنية. لكن الصورة ليست واضحة تماماً حتى في هذا السيناريو. فبينما يفضل ترامب خوض مواجهة قصيرة يستطيع بعدها إعلان النصر عقب ضرب أهداف محدودة، مثل جبل "بيكاكس"، وما تبقى من البنية التحتية المرتبطة بالبرنامج النووي، ومخزونات الصواريخ والمسيرات وقدرات إنتاجها، يسعى نتنياهو إلى نهج أكثر تصعيداً يستهدف البنية التحتية للطاقة في إيران ويهدف إلى تغيير النظام. ومن المرجح أن ترامب أبلغ نتنياهو، قبل إعلان تأييده له، بضرورة امتناع إسرائيل عن شن هجمات جديدة على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية. وفي نهاية المطاف، يظل ترامب صاحب القرار الأهم في هذه الشراكة، ويدرك نتنياهو ذلك.
وبعد انتهاء انتخابات التجديد النصفي، من المرجح أن يستأنف ترامب عمليات عسكرية محدودة ضد إيران. وقد تنجح الجهود الدبلوماسية التي تبذلها قطر والسعودية حالياً في التوصل إلى اتفاق يجنب المنطقة عملاً عسكرياً جديداً، لكن مدى قدرة هذا الاتفاق على الصمود يظل غير مؤكد.
وفي الولايات المتحدة، يشهد التأييد لإسرائيل تراجعاً مستمراً، وقد يتفاقم هذا الاتجاه إذا تجددت الحرب مع إيران، وهي حرب لا تحظى بتأييد شعبي واسع. وقد يسهم وصول رئيس وزراء جديد في وقف هذا التراجع، لكن حكومة وحدة وطنية بقيادة نتنياهو ستحتاج إلى إقناع الأمريكيين بأنها غيرت نهجها. وفي ظل المواقف السلبية الواسعة تجاه نتنياهو، ولا سيما بين الديمقراطيين والمستقلين، فإن حتى حكومة وحدة وطنية أكثر اعتدالاً تضم آيزنكوت ستحظى بدعم في الكونغرس أقل بكثير مما كانت تحظى به الحكومات الإسرائيلية في الماضي. وسيتعين على نتنياهو أن يُثبت أن الائتلاف الجديد سيتخذ خطوات ملموسة لوقف الاعتداءات على الفلسطينيين في الضفة الغربية، وسيُبدي تجاوباً أكبر مع خطط "مجلس السلام" بشأن غزة، وأن يُظهر تأييده لإجراءات محددة تصبّ في مصلحة الفلسطينيين، بدلاً من الاكتفاء بتحديد ما يعارضه.
أعد هذا الملخص كل من نافا غولدشتاين، وكيت تشيسنوت، وجويل روزنتال. وتعقد سلسلة "منتدى السياسات" بفضل الدعم السخي من مؤسسة "وينكلر لوي".