- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4264
التوازن الدقيق للميليشيات العراقية يزداد تعقيداً في ظل المواعيد النهائية والهجمات السعودية
مع اقتراب الموعد النهائي لنزع سلاح ميليشيات "قوات الحشد الشعبي" المحدد في 30 أيلول/سبتمبر، ينبغي على واشنطن دعم جهود الحكومة برئاسة الزيدي وضمان أن تكون التنازلات التي تقدمها الميليشيات حقيقية.
في 10 أيلول/سبتمبر، هاجمت فصائل تابعة لـ"قوات الحشد الشعبي" العراقية المدعومة من إيران خط أنابيب النفط السعودي في ينبع، مما أدى إلى تعليق صادرات تصل إلى 4-5 ملايين برميل من النفط يومياً عبر البحر الأحمر. وكان وابل المسيرات الذي شنته "قوات الحشد الشعبي" مجرد تذكير آخر بالدور المزعزع للاستقرار على الصعيدين الإقليمي والمحلي الذي تلعبه هذه الميليشيات.
قبل أشهر، حدد رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، يوم 30 أيلول/سبتمبر موعداً نهائياً لنزع سلاح هذه الجماعات. وفي اليوم نفسه، من المقرر أن تغادر القوات الأمريكية المتبقية المتمركزة في العراق كجزء من "التحالف الدولي لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية"، وفقاً لاتفاق حزيران/يونيو 2024. كان تزامن الموعد النهائي لنزع السلاح وتاريخ رحيل القوات الأمريكية ينظر إليه في وقت ما على أنه فرصة لبغداد لإعادة تأكيد سيادة الدولة. ومع ذلك، في حين أن القوات الأمريكية تمضي وفق الجدول المحدد للرحيل، يبدو الآن أن الميليشيات ستستمر في البقاء بعد الموعد النهائي. ويشكل استمرار وجود هذه الجماعات المسلحة الشيعية تحدياً خطيراً للزيدي، وكذلك لإدارة ترامب، التي تسعى إلى تغيير طبيعة العلاقة الثنائية.
رسم خط فاصل؟
تولى الزيدي منصب رئيس الوزراء في 14 أيار/مايو، بعد أقل من ثلاثة أشهر من بدء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. وبعد أيام قليلة فقط من توليه منصبه، شنت فصائل "قوات الحشد الشعبي" المدعومة من إيران، وأبرزها "كتائب حزب الله" و"حركة حزب الله النجباء" و"كتائب سيد الشهداء"، سلسلة من الهجمات بالمسيرات على المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وكانت هذه التنظيمات التي صنفتها الولايات المتحدة كمنظمات إرهابية - والتي تأسست في عام 2014 لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية" - تهاجم الدبلوماسيين والعسكريين الأمريكيين في العراق لسنوات. لكن بعد اندلاع الحرب، وسعت نطاق أهدافها لتشمل الأكراد العراقيين، والمنشآت الأمنية العراقية، والقواعد الأمريكية، والبنية التحتية النفطية في شبه الجزيرة العربية والأردن. ومن شباط/فبراير إلى نيسان/أبريل، شنت هذه الفصائل عدداً غير مسبوق من الهجمات ضد هذه الأهداف.
وإدراكاً للتهديد الذي تشكله هذه الأعمال الأحادية الجانب التي تقوم بها الميليشيات على العراق وعلى العلاقات الجيدة مع دول الخليج العربية، أدرج الزيدي ضمن الركيزة الأولى من برنامجه الحكومي الجديد، الذي أعلن عنه في 17 أيار/مايو، "تقييد الأسلحة الموجودة في أيدي الدولة وفرض سيادة القانون". وأكد هذه السياسة مجدداً خلال اجتماعه الذي عقده في 14 تموز/يوليو في المكتب البيضاوي مع الرئيس ترامب، مضيفاً أنه بعد 30 أيلول/سبتمبر، "لن نقبل أبداً بأي كيان يحمل أسلحة خارج سيطرة الدولة".
في بداية ولاية الزيدي، دخلت حكومته في حوار حول نزع السلاح مع فصائل "قوات الحشد الشعبي" المدعومة من إيران وميليشيات أخرى. وبدعم ظاهري من رئيس "مجلس القضاء الأعلى" فائق زيدان - الذي ربما يكون الشخصية الأكثر نفوذاً في العراق اليوم - حقق الزيدي بعض التقدم. في أوائل حزيران/يونيو، وافقت "عصائب أهل الحق"، وهي فصيل بارز في "قوات الحشد الشعبي" ومنظمة مصنفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، على تسليم أسلحتها. ورغم أن "عصائب أهل الحق" لم تكن نشطة عسكرياً بشكل خاص في الآونة الأخيرة، فإن تنازلها الظاهري يظل مهماً؛ حيث يسيطر قيس الخزعلي، زعيم الجماعة، على ثمانية وعشرين مقعداً في البرلمان العراقي من خلال كتلة "الصادقون" التي يقودها. وانضمت ميليشيا أخرى تابعة لـ"قوات الحشد الشعبي"، صنفتها الولايات المتحدة منظمة إرهابية، وهي "كتائب الإمام علي"، التي كانت هي الأخرى خاملة نسبياً في الآونة الأخيرة، إلى "عصائب أهل الحق" في الموافقة على نزع السلاح. كما وافق رجل الدين المؤثر والسياسي السابق مقتدى الصدر على دمج ميليشيا "سرايا السلام" التابعة له، والتي لا تخضع لسيطرة طهران، في الجيش العراقي.
وليس من المستغرب أن تكون محادثات الحكومة حول نزع السلاح مع الفصائل الإرهابية الأكثر نشاطاً في "قوات الحشد الشعبي" أقل نجاحاً. ففي صيف هذا العام، سافر إسماعيل قاآني، قائد "قوة القدس" التابعة لـ"الحرس الثوري الإيراني"، إلى بغداد للقاء قادة هذه الفصائل الإرهابية وتعزيز رفضهم لنزع السلاح. وفي ظل غياب أي تقدم، اتخذت الحكومة خطوة جريئة لكنها لم تدم طويلاً، تمثلت في اعتقال بعض أفراد الميليشيات التابعين لـ"كتائب حزب الله" و"حركة حزب الله النجباء" و"".كتائب سيد الشهداء. ولسوء الحظ، تم تسليم هؤلاء المعتقلين لاحقاً إلى مديرية الأمن المركزي التابعة لـ"قوات الحشد الشعبي"، وأفرج عنهم سريعاً.
فرض الشروط
منذ بداية إدارة ترامب الأولى، ولا سيما منذ عملية القتل المستهدف التي نفذتها الولايات المتحدة في كانون الثاني/يناير 2020 ضد قائد "قوة القدس" قاسم سليماني وقائد "قوات الحشد الشعبي" أبو مهدي المهندس، طالبت الفصائل المدعومة من إيران بانسحاب القوات الأمريكية من العراق، وجعلت ذلك شرطاً لنزع السلاح. لكن في آب/أغسطس، أضافت الفصائل عدة شروط إضافية، من بينها انسحاب القوات التركية، وإنهاء وجود "حزب العمال الكردستاني (PKK)" على الأراضي العراقية، وإصدار تشريع يكرس رواتب ومزايا "قوات الحشد الشعبي"، وإنهاء النفوذ المالي الأمريكي في العراق، وحل قوات "البيشمركة" الكردية.
لن تستجيب حكومة الزيدي لهذه المطالب المتطرفة؛ فوجود "البيشمركة"، على سبيل المثال، مكفول بموجب الدستور العراقي. وعلى أي حال، ظلت التنازلات التي قدمتها "قوات الحشد الشعبي" حتى الآن محدودة. وفي آب/أغسطس، أفادت تقارير بأن بغداد رفضت عرضاً قدمته "قوات الحشد الشعبي" يقضي بـ"تجميد" أنشطتها العسكرية لمدة عامين، وتخزين أسلحة الميليشيات في مستودعاتها الخاصة بدلاً من تسليمها إلى الدولة. كما طرحت هذه الفصائل خياراً آخر مثيراً للمشاكل، يتمثل في تخزين بعض أسلحتها الثقيلة في إيران.
ومن المفارقات أن هذه الفصائل، التي تعلن صراحة ولاءها لطهران، تقدم شروطها على أنها محاولة لضمان "سيادة" العراق. وكما وصفها المتحدث باسم "كتائب سيد الشهداء"، فإن مطالبها تهدف إلى "حماية الشعب العراقي وأرضه وأجوائه". وتماشياً مع هذا الادعاء، أصرت هذه الميليشيات - التي استهدفت مراراً وتكراراً جيران العراق وأبناء جلدتهم من الأكراد بالمسيرات والصواريخ - على أن تقوم بغداد بشراء وتركيب أنظمة دفاع جوي.
توصيات السياسية أمريكية
أدت الحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز إلى إجهاد الاقتصاد العراقي المعتمد على تصدير الطاقة. وأعلنت بغداد حالة "أزمة" وتكافح من أجل تغطية رواتب القطاع العام الضخمة، بما في ذلك مبلغ 3.6 مليار دولار الذي تخصصه سنوياً لـ كتائب "حزب الله"، و"حركة حزب الله النجباء"، و"كتائب سيد الشهداء" وبقية قوات " الحشد الشعبي". وتشكل هذه الضغوط المالية - التي قد تستمر بعد انتهاء الحرب - حافزاً متواضعاً للميليشيات للتفاوض. وفي الوقت نفسه، يبدو أن زعيم “عصائب أهل الحق" الخزعلي قد اختار نزع السلاح، على الأقل جزئياً، على أمل المشاركة في عالم السياسة العراقية الذي يتسم بفساد واسع وعوائد مالية كبيرة. لكن من غير المرجح أن تؤدي الحوافز المالية وحدها إلى إنهاء علاقة الوكالة بين هذه الفصائل وإيران. علاوة على ذلك، يجب ألا تخدع واشنطن نفسها بافتراض أن نزع السلاح سيكون دائماً، فخلال حرب هذا العام، قامت إيران بإعادة تسليح الميليشيات بثلاث شحنات من الصواريخ والمسيرات المتطورة.
ونظراً للوضع الاقتصادي الحساس للعراق - والآمال الكبيرة المعلقة على الزيدي - ينبغي لواشنطن توخي الحذر في فرض عقوبات واسعة النطاق لإجبار هذه الميليشيات على اتخاذ إجراءات. ومع ذلك، ينبغي لإدارة ترامب أن تحافظ على قدر من الضغط لدعم الزيدي في جهوده الرامية إلى نزع السلاح، وضمان ألا تكون أي تنازلات من جانب الميليشيات مجرد إجراءات شكلية أو قابلة للتراجع. وفي الأشهر المقبلة، ينبغي لواشنطن القيام بما يلي:
اغتنام الفرص العسكرية. مواصلة العمل عن كثب مع الرياض لتعقب وضرب كبار قادة كتائب حزب الله" و"حركة حزب الله النجباء"و"كتائب سيد الشهداء". ومن شأن ذلك أن يساعد في ردع المزيد من الهجمات المدمرة على المواقع النفطية السعودية، وإضعاف الميليشيات، وتعزيز موقف الحكومة العراقية.
النظر في فرض عقوبات فردية. يمثل مسؤولان بارزان فصائل "قوات الحشد الشعبي" المدعومة من إيران في المفاوضات مع بغداد، وهما هادي العامري، زعيم "منظمة بدر"، ونوري المالكي، رئيس "ائتلاف دولة القانون". ويسيطران معاً على سبعة وأربعين مقعداً في البرلمان، وهما عضوان رئيسيان في "الإطار التنسيقي" الحاكم، الذي يميل إلى إيران. ويصر كلا الرجلين حتى الآن على مطالبهما المتطرفة، ولا يبدوان ميالين إلى نزع السلاح. وبدلاً من ذلك، يتحدث المالكي عن الانخراط في عملية لـ"احتواء" أسلحة الميليشيات - وهو تعبير ملطف تستخدمه الحكومة اللبنانية بشكل متكرر لتأجيل نزع سلاح وكيل إيراني إرهابي بارز آخر، وهو "حزب الله". ويذكر أن إدارة ترامب الأولى نظرت في إدراج المالكي على قائمة العقوبات؛ وإذا استمر هو والعامري في عرقلة محاولات الدولة لفرض احتكارها للسلاح، فيجب على واشنطن فرض عقوبات عليهما.
إعادة التواصل مع "جهاز مكافحة الإرهاب". لعب "جهاز مكافحة الإرهاب" العراقي دوراً حاسماً في هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية"، ولا يزال أحد الأجهزة الأمنية القليلة التي لم تتسلل إليها الجماعات المرتبطة بإيران بشكل كامل. خلال المائة يوم الأولى من ولاية الزيدي، استخدم هذه القوات لاعتقال أفراد من "قوات الحشد الشعبي"، ومن المرجح أن يضطر إلى الاعتماد عليها في المستقبل. ينبغي أن تعرض واشنطن مساعدة حكومة الزيدي في فحص القيادات العليا لـ"جهاز مكافحة الإرهاب" من أجل تطهيرها من الأفراد المرتبطين بالميليشيات وإنقاذ هذه القوة التي كانت ذات يوم عالية الكفاءة ومحايدة سياسياً وذات طابع وطني عراقي. كما ينبغي للسلطات الأمريكية تزويد الحكومة العراقية بالمعلومات الاستخباراتية العملياتية التي تحتاجها للقبض على الخلايا التي هاجمت المملكة العربية السعودية.
استهداف التمويل المباشر للميليشيات. وبالنظر إلى أن "قوات الحشد الشعبي" تضم 238 ألف رجل على كشوف الرواتب، فسيكون من الصعب للغاية على بغداد حلها تماماً. ومع ذلك، إذا لم يحرز أي تقدم نحو نزع السلاح، فيمكن لواشنطن أن تنظر في فرض عقوبات على مسؤولي الحكومة العراقية الذين يوافقون على تمويل فصائل "قوات الحشد الشعبي" التي صنفتها الولايات المتحدة منظمات إرهابية.
الحفاظ على الدعم لأكراد العراق. تنسحب الولايات المتحدة من العراق وتزيل أنظمة الدفاع الجوي من طراز "باتريوت" من أربيل - وهي الحماية الوحيدة التي كان يتمتع بها الأكراد عندما أطلقت الميليشيات أكثر من 800 صاروخ ومسيرة على المناطق الخاضعة لسيطرتهم في الشمال خلال الحرب مع إيران. ويصادف يوم 30 أيلول/سبتمبر انتهاء مذكرة التفاهم بين "البنتاغون" والبيشمركة"، مما يثير احتمال قطع مساعدات سنوية تبلغ 61 مليون دولار. ورغم أنه لا ينبغي أن تتحمل واشنطن إلى الأبد مسؤولية تمويل قوات الأمن في دولة تمتلك خامس أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، فإن الوضع الحالي الذي يتسم بتزايد ضعف الأكراد يبدو توقيتاً غير مناسب لخفض الدعم المقدم لهم.