- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4257
الطموحات السعودية في مجال الذكاء الاصطناعي: فرصة استراتيجية للولايات المتحدة
نظراً لسعي المملكة المتزامن نحو مزيد من الاستقلالية التكنولوجية وإبرام المزيد من الصفقات التجارية مع الولايات المتحدة، ينبغي على واشنطن أن تسعى إلى تعاون أعمق - وإن كان مشروطا - يرتبط ارتباطا وثيقا بالشراكة الاستراتيجية الأوسع نطاقا.
في مؤتمر "ليب " (LEAP) للتكنولوجيا الذي عقد هذا الأسبوع في المملكة العربية السعودية، أعلنت شركة "هيومين " وهي شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي مدعومة من صندوق الاستثمارات العامة السعودي - أن بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي أصبحت جاهزة للتشغيل، وكشفت عن عدة مشاريع تهدف إلى توسيع نطاق عملياتها بسرعة. وبما أن معظم هذه المشاريع تتم بالتعاون مع شركات أمريكية، فإن هذا الحدث يمثل تطوراً إيجابياً في مجمله بالنسبة إلى العلاقات الثنائية والمصالح الأمريكية. وعلى الرغم من سعي المملكة المستمر إلى تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية في مواجهة حالة عدم اليقين المحيطة بالموقف الأمريكي في المنطقة، فقد أظهرت الرياض بوضوح تفضيلها للشراكات مع الولايات المتحدة. ومن ثم، ينبغي لواشنطن أن تستجيب لهذا الانفتاح الاستراتيجي عبر مسار واضح ومتدرج يتيح للمملكة توسيع نطاق حصولها على التكنولوجيا المتقدمة، مع اتخاذ تدابير تحمي التكنولوجيا الأمريكية وتنسجم في الوقت نفسه مع المكونات الأخرى للعلاقة الثنائية.
بناء الاستقلالية في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال الشراكات
في الآونة الأخيرة، بدأت الرياض تتحول من مجرد شراء حق الوصول إلى التكنولوجيا إلى امتلاك وتشغيل الأجهزة والبرمجيات التي قد يعتمد عليها قطاع الذكاء الاصطناعي الإقليمي. ويشمل ذلك إنشاء المزيد من مراكز البيانات على الأراضي السعودية، وضمان السيطرة المحلية على البيانات الحساسة، وامتلاك نماذج لغوية عربية رئيسية، وتجنب الاعتماد على شركة أجنبية واحدة.
على سبيل المثال، أعلنت شركة "هيومين" خلال الأسبوع الماضي وحده عن الصفقات التالية مع شركات أمريكية: مبادرة مشتركة مع "إيه إم دي" (AMD) و"سيسكو" (Cisco) لتوفير بنية تحتية حاسوبية للذكاء الاصطناعي بقدرة 1 جيجاواط بحلول عام 2030؛ وشراكة موسعة مع "مايكروسوفت" لدمج نموذج "ALLAM" اللغوي ومنصة سير العمل التابعة لشركة "هيومين" في منتجات "مايكروسوفت"؛ وصفقة مع شركة "Together AI" الأمريكية لإنشاء مركز بيانات بقدرة 250 ميجاواط يربط القدرات الحاسوبية السعودية بالطلب العالمي؛ وصفقة مع "أمازون" لإنشاء منطقة للذكاء الاصطناعي بقدرة 50 ميجاواط؛ وتعاون مع شركة "Applied Intuition" الأمريكية من أجل نشر شاحنات نقل ذاتية القيادة على الطرق السعودية.
. وفي الوقت نفسه، أعلنت شركات سعودية أخرى عن صفقات مع شركات صينية، بما في ذلك شراكة بين "موبايلي" و"بايت بلس" لبناء بنية تحتية سحابية مادية، واتفاق تمويل مع "تينسنت كلاود"، ونموذج للذكاء الاصطناعي باللغة العربية مبني على منصة صينية، واتفاق لإنتاج أجهزة الكمبيوتر المحمولة مع "لينوفو ".
وتشير هذه الخطوات إلى أن الرياض تسعى إلى تعزيز اندماجها في صناعة الذكاء الاصطناعي العالمية، مع الاحتفاظ بالعناصر التي يمكن أن تمنحها أكبر قدر من النفوذ: البنية التحتية، والتطبيقات، والبيانات، وقاعدة واسعة من العملاء الإقليميين. وعلى الرغم من استمرار اعتمادها بشكل كبير على الأجهزة والبرمجيات والخبرات الأجنبية، فإنها تعمل في الوقت نفسه على تنويع هذه الشراكات الخارجية، وتسعى إلى بناء أنظمة يمكنها امتلاكها في نهاية المطاف.
ومع ذلك، فإن غالبية شركاء "هيومين" هي شركات أمريكية، بما في ذلك شركات كبرى مثل SpaceXAI وGoogle وAdobe. وبالتالي، فإن النفوذ الذي تأمل المملكة في بنائه لا يزال يعتمد إلى حد كبير على الولايات المتحدة - مما يضع على عاتق واشنطن مهمة تحقيق التوازن بين هذه المبادرات ووضع ضمانات واضحة، مع منح السعوديين إمكانية الوصول تدريجيا إلى تقنيات أكثر تقدما.
السياق الإيراني
يتكشف هذا التحول في الاستراتيجية السعودية في ظل الحرب مع إيران، التي هددت طهران خلالها البنية التحتية للطاقة والتكنولوجيا الرقمية في الخليج واستهدفتها، بما في ذلك مراكز البيانات. ومع ذلك، تواصل الرياض المضي قدما في خططها.
ورغم أن الضربات العسكرية والعمليات الدفاعية التي شنتها قوات التحالف قد قللت من حدة التهديد الذي تشكله الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، إلا أنها لم تقضِ عليه تماماً. ويدرك المسؤولون في الرياض وواشنطن والشركات الخاصة ذات الصلة أن التهديد على المدى القريب من المرجح أن يستمر، وقد يتفاقم قبل أن يتحسن الوضع. ومع ذلك، بدلاً من النظر إلى هذا الخطر كسبب لتأجيل الفرص، ينبغي على السلطات أن تزن تدابير المرونة المادية والرقمية كجزء من حسابات الاستثمار.
لم تدفع حالة عدم الاستقرار الإقليمي الشركات إلى المغادرة، لكنها أدت إلى ارتفاع تكلفة ممارسة الأعمال في المنطقة. تتحمل الشركات أقساط تأمين أعلى، ومتطلبات أمن سيبراني أكبر، وتدابير حماية أكثر صرامة - وفي النهاية، تُحمل هذه التكاليف على المستهلكين. وهذا ليس نتيجة للحرب الحالية فحسب، ولا دليلاً على أن الضمانات الأمنية الأمريكية قد انهارت تماماً، بل هو استجابة تجارية لتهديد لا تستطيع الدفاعات الجوية والصاروخية سوى الحد منه، لا إزالته. ومع ذلك، فإن جعل البنية التحتية للحوسبة والبيانات والسحابة أكثر مرونة في مواجهة الاضطرابات هو استراتيجية طويلة الأمد معقولة في أي مكان في العالم، لا سيما مع تزايد الاعتماد العالمي على هذه القدرات وتطور التهديدات.
تشكيل المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي في الخليج
تتنافس المملكة العربية السعودية أيضا مع الإمارات العربية المتحدة لتصبح المركز الرئيسي للذكاء الاصطناعي في المنطقة. ولا تزال أبو ظبي في الصدارة من حيث الاستثمار والبنية التحتية والتنفيذ والشراكات، في حين توفر الرياض سوقا أكبر بكثير وتمتلك مساحات شاسعة من الأراضي اللازمة لإنشاء مراكز البيانات ومنشآت الطاقة. وتهدف خطة "رؤية 2030" طويلة الأمد للمملكة العربية السعودية إلى رفع الإنتاجية في قطاعات الطاقة والخدمات اللوجستية والتمويل والدفاع والخدمات الحكومية الأخرى، في إطار استعدادها لاقتصاد متنوع لما بعد النفط. ويشكل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة جزءاً أساسياً من هذه الاستراتيجية، كما أنهما ضروريان للحاق بجارتها. علاوة على ذلك، قد تتيح نماذج اللغة العربية مثل "ALLAM" للسعودية جذب قاعدة إقليمية أوسع من تلك التي تستقطبها الإمارات العربية المتحدة.
ورغم تنافسهما على الحصة الأكبر من الاستثمارات والنفوذ، فإن المنافسة بين الرياض وأبو ظبي قد تساعد في بناء قطاع تكنولوجي أقوى على مستوى الخليج بأسره. ومع ذلك، فإن ازدواجية البنية التحتية لتوليد الطاقة والاتصالات والأمن مكلفة، وقد تؤدي بسهولة إلى نشوء شبكات منفصلة ومعايير متباينة وتراجع النفوذ الأمريكي. لذلك، ينبغي لواشنطن توجيه البلدين نحو تطوير متكامل للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ويمكن أن يستمر التنافس بينهما - بل من المرجح أن يستمر - في تقديم حوافز الاستثمار وجذب المواهب، لكن ينبغي للمسؤولين ضمان وجود قواسم مشتركة في مجالات الأمن السيبراني وقواعد التصدير ومعايير حماية البيانات والبنية التحتية السحابية الموثوقة. ومن شأن ذلك أن يسهل على الشركات الأمريكية العمل في مختلف أنحاء الخليج، مع وضع ضمانات موثوقة لمنع تسرب التكنولوجيا الحساسة.
وقد قامت واشنطن بالفعل بتخفيف ضوابط التصدير المفروضة على الإمارات العربية المتحدة، حيث رفعت القيود المفروضة على برنامج المسيرات الخاص بها، وسمحت للكيانات المعتمدة بالحصول على تقنيات عسكرية وفضائية وتقنيات مزدوجة الاستخدام دون الحاجة إلى ترخيص منفصل. كما سمح لبعض الكيانات الإماراتية بالحصول على رقائق وخوادم متطورة. وفي المقابل، التزمت الإمارات العربية المتحدة علنا أمام واشنطن باعتبارها شريكها التكنولوجي الرئيسي، وقدمت ضمانات بأنها ستحمي التكنولوجيا الأمريكية، وأعلنت عن استثمارات داخل الولايات المتحدة. وبعبارة أخرى، لا يتعلق الأمر بفتح شامل لأسواق التكنولوجيا الأمريكية أمام شريك خليجي، بل بتوسيع مدروس وخاضع للرقابة للوصول إلى التكنولوجيا، يستند إلى المتطلبات الأمنية والمستخدمين المعتمدين والاستثمارات المتبادلة.
التداعيات على السياسة الأمريكية
يمكن، بل وينبغي، أن يحصل الشركاء الذين يلتزمون بمعايير وضمانات محددة على إمكانية الوصول إلى بعض التقنيات الأمريكية الأكثر تقدماً. وعلى هذا الأساس، ينبغي لواشنطن أن تضع مساراً تدريجياً للمملكة العربية السعودية مشابها لما فعلته مع الإمارات العربية المتحدة - شريطة أن يكون هذا الوصول الموسع مشروطا بمراقبة الاستخدام النهائي، ومتطلبات الأمن السيبراني، وقيود قابلة للتنفيذ على وصول الصين إلى هذه التقنيات.
كما ينبغي التعامل مع التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي باعتباره جزءاً من العلاقة الأمريكية - السعودية الأوسع نطاقا، ودمجه في المناقشات الثنائية حول التعاون الأمني، والتعاون النووي المدني، ومبيعات الأسلحة، والدفاع الصاروخي، والأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، وغيرها من المجالات. ولا تزال العديد من مصالح الأمن القومي الأمريكي على المحك في العلاقة مع السعودية، بما في ذلك منع الانتشار النووي؛ وردع الهجمات الإيرانية على القوات الأمريكية المتمركزة في البلاد، والشحن الدولي، ومنشآت الطاقة الإقليمية، والبنية التحتية الرقمية؛ وإبقاء التقنيات الأمريكية المتطورة بعيداً عن متناول الصين؛ والحفاظ على النفوذ التجاري والسياسي الأمريكي في المنطقة في وقت تعمل فيه دول المنطقة على تنويع شراكاتها؛ وإنشاء بنية تحتية أمنية وتكنولوجية خليجية أكثر تكاملاً وقابلية للتشغيل البيني.
وبالتالي، ينبغي أن تكون الخطوة الأولى لإدارة ترامب هي إعلان سياسة متماسكة تجاه السعودية تربط الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة الأخرى بالعلاقة الثنائية الأوسع نطاقاً. ويمكن للمسؤولين الأمريكيين بعد ذلك تقديم مسار تدريجي، على غرار النموذج المطبق في الإمارات العربية المتحدة، لتمكين السعودية من الوصول إلى التعاون المتقدم في مجالي الذكاء الاصطناعي والحوسبة. وكجزء من هذه السياسة، ينبغي أن تعمل واشنطن مع الرياض وأبو ظبي لوضع معايير مشتركة بشأن الأمن السيبراني، وضوابط التصدير، والذكاء الاصطناعي المسؤول، حتى لا تؤدي المنافسة الخليجية إلى تشرذم البنية التكنولوجية الإقليمية. وينبغي ألا يقتصر قلق المسؤولين على تسرب التقنيات الأمريكية إلى الصين فحسب، بل يجب أن يمتد أيضا إلى احتمال استخدامها في تشجيع الدول على تبني نماذج الذكاء الاصطناعي والمعايير والممارسات الصينية. وينبغي أن تشمل الضمانات الرامية إلى منع ذلك التزامات بحماية كل من التكنولوجيا الأمريكية - مثل الرقائق المتطورة - والمعايير والممارسات الأمريكية.
وفي المقابل، يمكن للعلاقات التكنولوجية الأوثق أن تعزز نفوذ الولايات المتحدة، حتى في الوقت الذي يسعى فيه قادة المنطقة إلى تنويع شراكاتهم الأمنية والسياسية والتكنولوجية. ولا ينبغي أن يكون الهدف منع المملكة العربية السعودية من بناء قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، بل ضمان أن تكون منصاتها الناشئة آمنة ومرنة ومتوافقة مع المصالح الأمريكية.