- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4281
السعودية والحوثيون: لماذا تُعد المواجهة الجديدة الأخطر حتى الآن؟
تصاعدت طموحات الحوثيين وازدادت المخاطر الإقليمية، واشتدت الضغوط على سكان اليمن، ما ينذر بالانزلاق إلى مستنقع محتمل ما لم تتمكن واشنطن والرياض وحلفاؤهما من الجمع بين الضغط العسكري ومخارج دبلوماسية ورؤية سياسية باتت الحاجة إليها ملحة.
في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر، هاجم الحوثيون المتحالفون مع إيران مطار الرياض الدولي، ما أسفر عن مقتل 13 شخصاًً، بينهم مواطن أمريكي، وإصابة أكثر من 300 آخرين. وقد عمّق هذا الهجوم، وهو الأكثر دموية على السعودية منذ أكثر من عقد، دوامة تصعيد كانت قائمة بالفعل، وقد يجر دولا أخرى إلى القتال بشكل مباشر ومنها الولايات المتحدة.
ومنذ تموز/يوليو، يسعى الحوثيون إلى استغلال الحرب مع إيران لإرغام السعوديين على القبول بسلام يمليه المنتصر، أي سلام يقتضي التخلي عن الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا ورفع جميع القيود المفروضة على الموانئ والمطارات الخاضعة لسيطرة الحوثيين ودفع تعويضات عن الحرب. ولتحقيق هذه الغاية، فرضت الجماعة حصارا على الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر، وسرعان ما استؤنفت الهجمات العابرة للحدود والحرب البرية داخل اليمن على نطاق واسع.
وجاء الهجوم على المطار بعد أيام من إعلان الحكومة اليمنية شن هجوم مضاد واسع النطاق بدعم سعودي، وذلك عقب سيطرة الحوثيين على ميناء المخا وعلى شريط ساحلي يمتد جنوبا حتى مضيق باب المندب. وحتى الآن، جاءت نتائج الهجوم المضاد متفاوتة. فقد نشرت الرياض قوة جوية كبيرة واستخدمت نحو 100 طائرة مقاتلة لمساعدة القوات اليمنية على إحراز بعض التقدم في دفع الحوثيين بعيدا عن أقصى الساحل الجنوبي. غير أن الحوثيين يواصلون الرد على هذه الضربات، إذ يواصلون القتال حول المخا ويشددون حصارهم الخانق على مدينة تعز معقل الحكومة في الجنوب الغربي، ويكثفون هجماتهم بالصواريخ والطائرات المسيرة على السعودية. وفي الثالث عشر من تشرين الأول/أكتوبر قصفت القوات السعودية منشآت لتخزين النفط في صنعاء، فرد الحوثيون بضرب مقر شركة "أرامكو" السعودية في الظهران. ومن المتوقع أن يقدم الطرفان على مزيد من الخطوات المماثلة.
وتعيد عودة الحرب الشاملة والحملات العسكرية المدعومة من السعودية الرامية إلى "سحق" الحوثيين إلى الأذهان مشهداً مألوفاً. ففي عام 2015 أطلقت الرياض عملية "عاصفة الحزم" لاستعادة سيطرة الحكومة اليمنية، ومنذ ذلك الحين أعلن الطرفان في مراحل مختلفة أنهما على وشك تحقيق "نصر حاسم"، بينما كانت البلاد تغرق أكثر فأكثر في التشرذم والفقر. وبعد أكثر من عقد، لا يزال الحوثيون راسخين في الشمال. لكن هذه الجولة تختلف عن سابقاتها، وهي أشد خطورة لثلاثة أسباب رئيسية.
أولاً، تطورت قدرات القوى المتواجهة في اليمن على نحو يجعل الصراع أكثر تدميراً. فمن خلال دعمهم لحركة حماس خلال حرب غزة تمكن الحوثيون، وهم جماعة ذات بنية هرمية تحركها الأيديولوجيا، من توسيع التجنيد وبناء التنسيق مع أطراف أخرى في "محور المقاومة" الإيراني وتطوير قدراتهم في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة. كما استغلوا الهدنة الداخلية التي استمرت أربع سنوات لتوسيع التصنيع المحلي للطائرات المسيرة وتنويع سلاسل إمداد الأسلحة والاستفادة من تزايد الدعم الإيراني. وحتى بعد حملات القصف الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت الجماعة العام الماضي خرج الحوثيون أكثر قدرة على تهديد الحكومة اليمنية والسعودية وأسواق الطاقة العالمية.
في المقابل، لا يزال المعسكر الموالي للحكومة تحالفا مشتتاً. ومع ذلك يتمتع المقاتلون المحليون في مناطق مثل تعز ومأرب وجنوب اليمن، الذي كان دولة مستقلة قبل عام 1990، بخبرة واسعة في قتال الحوثيين وعزم على التصدي لتمدد الجماعة، وقد حصلوا على أسلحة إضافية بينها طائرات مسيرة. كما برز توجه نحو تجنيد مقاتلين سلفيين في الوحدات العسكرية الموالية للحكومة، ما يثير شبح عنف يتخذ طابعا طائفيا أوضح بالنظر إلى العداء العميق الذي يكنه بعض هؤلاء للحوثيين، وهم فرع متطرف من المذهب الزيدي الشيعي. وتضم قوات درع الوطن وقوات الطوارئ وألوية العمالقة الجنوبية أعدادا كبيرة من السلفيين. وفي مؤشر مقلق على ما قد يحمله المستقبل نشر عناصر من ألوية العمالقة مؤخرا مقطع فيديو يظهر وحداتهم وهي تدهس مقاتلين حوثيين بمركبات مدرعة، بينهم بعض من بدا أنهم عزل يحاولون الفرار.
ثانياً، أنهكت سنوات الحرب والنزوح والحرمان قدرة اليمنيين على الصمود. فبحسب برنامج الأغذية العالمي يعاني أكثر من 18 مليون يمني من انعدام حاد في الأمن الغذائي، وقد أدى القتال الأخير حتى الآن إلى نزوح 200 ألف شخص. وفي الوقت نفسه، تراجعت المساعدات الإنسانية تراجعاً حادا، إذ قطعت الولايات المتحدة كل تمويلها لليمن، بل إن كبار المانحين الأوروبيين باتت لديهم أولويات أخرى. ومع تجدد القتال قد تكون النتيجة أزمة إنسانية أشد فتكا تمتد عواقبها إلى أجيال قادمة في اليمن وتنتقل تداعياتها المزعزعة للاستقرار إلى أرجاء المنطقة.
ثالثاً، باتت المخاطر التي يواجهها الشرق الأوسط أكبر بكثير اليوم. فالحوثيون متحالفون مع إيران بشكل راسخ وعلني، ولذلك ستعزز مكاسبهم موقف طهران في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها في مضيق هرمز وما وراءه. وللحوثيين أيضاً طموحاتهم الخاصة المزعزعة للاستقرار، فهم يرون أنفسهم أصحاب الحق في الإمساك بزمام السلطة في اليمن ورأس الحربة في تحول إقليمي يفضي إلى تدمير إسرائيل وإخراج أمريكا من المنطقة. وبالمثل تعكس علاقاتهم المتنامية في القرن الأفريقي، ومنها علاقاتهم مع حركة الشباب الصومالية التابعة لتنظيم القاعدة، سعيهم إلى بسط نفوذهم في حوض البحر الأحمر.
وقد دفعت هذه الضغوط السعودية إلى الشعور بأنها محاصرة من جميع الجهات: من الحوثيين جنوبا وغربا، ومن إيران شرقا، ومن الميليشيات العراقية الوكيلة لطهران شمالا. ولذلك، قررت المملكة الرد، فشكلت تحالفا متعدد الجنسيات لإضفاء الشرعية على هجومها الأخير وتدويل التصدي لتهديدات الحوثيين في البحر الأحمر. وتحظى الرياض بدعم خارجي كبير، إذ اتخذت دول مثل فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وباكستان وتركيا خطوات للمساعدة في الدفاع عن أراضيها، وتأتي مشاركة الدولتين الأخيرتين في إطار اتفاقية مكة للدفاع المشترك الموقعة في آب/أغسطس الماضي. وتسير جميع هذه الدول على خيط رفيع بين دعم الدفاع عن المملكة وتجنب المشاركة المباشرة في عمليات هجومية، وإن كان من غير الواضح إلى متى سيصمد هذا التمييز.
وفي نهاية المطاف، ستحدد الحرب البرية في اليمن ما إذا كانت طموحات الحوثيين ستحتوى أم سترسخ. ويمكن القول إن الإمارات العربية المتحدة هي الشريك المحلي الأكثر كفاءة للسعودية، لكن الرياض طلبت من أبوظبي سحب قواتها من اليمن في وقت سابق من هذا العام بعد أن أقدمت القوات الانفصالية المتحالفة مع الإمارات على محاولة للاستيلاء على السلطة في الجنوب. ومنذ ذلك الحين، تواجه المملكة صعوبة في توحيد جميع القوات اليمنية تحت قيادتها. ويعد استمرار التباين السعودي الإماراتي بشأن اليمن انعكاسا للاقتتال المزمن بين القوات الحكومية وسببا له في آن واحد، وما لم تجر معالجته ستظل السلطات المتحالفة مكبلة في الحرب وفي جهود بناء سلام دائم على حد سواء.
وفي المقابل، سيجلب القتال المطول مزيدا من المعاناة لليمنيين ومزيدا من الأضرار للبنية التحتية السعودية ومزيدا من الاضطراب في أسواق الطاقة العالمية. كما ينطوي على خطر جر قوى خارجية إلى صراع استنزاف بالوكالة. وفي أعقاب الهجوم على مطار الرياض أفادت تقارير بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرس التدخل العسكري المباشر. لكن القوة الجوية الأمريكية وإن كانت قادرة على إضعاف قدرات الحوثيين مؤقتا وإرباك قيادتهم، فمن غير المرجح أن تعالج التحديات التي يشكلونها في غياب قوات يمنية فعالة على الأرض واستراتيجية سياسية موحدة.
ومن ثم، فإن من أفضل ما يمكن أن تقدمه واشنطن هو مساعدة السعودية والإمارات على رأب الصدع بينهما وحثهما على العمل مع حلفائهما اليمنيين لوضع استراتيجية واقعية تردع الحوثيين وتمهد لإنهاء الحرب تدريجيا. فلا يزال تحقيق أي من الطرفين نصرا عسكريا حاسما على امتداد البلاد أمرا مستبعدا للغاية، ولذلك ستكون هناك حاجة إلى تسوية سياسية جديدة على المدى البعيد. لكن في ظل التركيز الكامل على التصعيد لا يولى إلا قدر ضئيل من الاهتمام للجمع بين الضغط العسكري ومخارج دبلوماسية ورؤية سياسية باتت الحاجة إليها ملحة لحل صراع اليمن المزمن الذي أخذ يستشري اليوم.