- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4231
الاستفادة القصوى من "نزع سلاح" الميليشيات العراقية
على الرغم من أن التنازلات المزعومة التي قدمها بعض وكلاء إيران لن تفضي، على الأرجح، إلى نزع سلاح فعلي في المستقبل المنظور، فإن واشنطن لا تزال قادرة على تقويض الشبكات المالية غير المشروعة لطهران من خلال استثمار رغبة هذه الميليشيات في أن تُعامل كجهات سياسية فاعلة اعتيادية.
منذ كانون الأول/ديسمبر، أفادت التقارير بأن عدداً من المسؤولين العراقيين ، بمن بينهم رئيس المجلس الأعلى للقضاء فائق زيدان ، أجروا محادثات مع بعض الميليشيات المدعومة من إيران بشأن وضع أسلحتها تحت سيطرة الدولة. وتأتي هذه المبادرة إلى حد كبير استجابةً للضغوط الأمريكية، فيما ربطت بغداد تنفيذها باستكمال انسحاب قوات التحالف الدولي في الموعد النهائي المقرر بحلول أيلول/سبتمبر.
ومع ذلك، وعلى الرغم من الحديث عن استجابة عدد من الفصائل لهذه الدعوات، فإن فصيلين فقط أصدرا حتى الآن بيانات رسمية في هذا الصدد، هما حركة "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي". في المقابل، رفضت ثلاث جماعات مصنفة من قبل الولايات المتحدة على أنها منظمات إرهابية هذه الفكرة بشكل قاطع، وهي "كتائب حزب الله"، و"حركة حزب الله النجباء"، و"كتائب سيد الشهداء"، وهي الفصائل الإيرانية الوكيلة الأكثر نشاطاً في استهداف المصالح الأجنبية. كما شككت "كتائب حزب الله" في مصداقية شعارات "المقاومة" التي ترفعها كل من حركة "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي"، بل وعرضت بسخرية شراء أسلحتهما. وفي حزيران/يونيو الماضي، وصف زعيم "حركة حزب الله النجباء"، أكرم الكعبي، نزع السلاح بأنه خط أحمر، فيما أصدرت جماعته بياناً آخر جددت فيه رفضها لهذه الخطوة. وفي المقابل، أعلنت "سرايا السلام" التابعة لمقتدى الصدر أيضاً استعدادها لوضع أسلحتها تحت سيطرة الدولة، إلا أن هذه الجماعة تختلف عن الفصائل المدعومة من قبل إيران، ومن ثم ينبغي التعامل معها بوصفها حالة منفصلة.
تدابير شكلية بطبيعتها... لكنها مهمة
من المؤكد أنه لا توجد أي مؤشرات على أن حركة "عصائب أهل الحق" أو "كتائب الإمام على" ستتجهان إلى نزع سلاحهما فعلياً في المستقبل القريب. كما أن تنفيذ أي برنامج من هذا القبيل يتطلب، إلى جانب جملة من الشروط المسبقة، إنشاء هيئة أجنبية مستقلة ذات مصداقية تتولى الإشراف على تسليم قواعد الميليشيات وأسلحتها، والتحقق من صحة ما تقوم بتسليمه. ولا يبدو أن إنشاء مثل هذه الآلية مطروح على جدول الأعمال، فضلاً عن أن تطبيقها لا يبدو واقعياً في الظروف الحالية.
علاوة على ذلك، يثير سجل العراق في هذا المجال مزيداً من الشكوك حول فرص نجاح مثل هذه المبادرات. ففي تموز/يوليو 2019، استجاب رئيس الوزراء عادل عبد المهدي للضغوط الأمريكية بإصدار مرسوم يقضي بدمج جميع الميليشيات مقاتليها في القوات المسلحة العراقية، والتخلي عن مسمياتها التنظيمية، وإغلاق مقارها خلال شهر واحد. لكن قبل يوم واحد من انتهاء المهلة، طلب رئيس "هيئة الحشد الشعبي" فالح الفياض تمديدها شهرين إضافيين، وفي نهاية المطاف لم يُنفذ المرسوم.
ومع ذلك، لا ينبغي استبعاد التعهد الأخير بنزع السلاح بالكامل، لأنه يكشف عن دلالات مهمة تستحق التوقف عندها. وأبرز هذه الدلالات أن المبادرة لم تصدر هذه المرة بمرسوم حكومي من أعلى، بل جاءت من حركة "عصائب أهل الحق" أو "كتائب الإمام على" أنفسهما ، وإن كان ذلك تحت وطأة الضغوط. ورغم أنه من غير المرجح أن تتخلى أي من الجماعتين عن أسلحتها ومواقع نفوذها، فإنهما تبدوان مستعدتين للتخلي توصيفيهما كـ" "هيئة الحشد الشعبي" أو "الميليشيات. فكلتاهما تسعيان إلى الحصول على اعتراف بهما بوصفهما جهتين سياسيتين فاعلتين اعتياديتين، وإلى رفع تصنيفهما الأمريكي كمنظمتين إرهابيتين، وإنهاء عزلتهما الدولية، حتى لو استلزم ذلك التخلي عن شعار "المقاومة" الذي طالما تبنتاه. وبذلك، تكشف هذه المبادرة عن انقسام داخل المعسكر الموالي لإيران بين فصائل تبدو مستعدة لتقديم تنازلات شكلية مقابل الاحتفاظ بأسلحتها ونفوذها السياسي ومصالحها الاقتصادية (كما سيرد أدناه)، وأخرى ترفض تقديم أي تنازل من هذا النوع. ولهذا السبب، ينبغي لواشنطن أن تراقب هذا الانقسام عن كثب، ولا سيما أن إيران بدأت بالفعل في محاولة استثماره لصالحها.
الحسابات السياسية لإيران
حتى الآن، يبدو أن طهران تتجاوب مع هذه الخطوة لأنها لا تستطيع تحمل رؤية بغداد تنهار تحت وطأة الضغوط المالية التي تهدد واشنطن بفرضها. ويظل الدولار أقوى أدوات الضغط الأمريكية. فمنذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، تُودَع عائدات النفط العراقي في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك قبل تحويلها إلى بغداد. وقد حذرت إدارة ترامب منذ أشهر من أنها ستوقف هذا التدفق إذا لم يتخذ القادة العراقيون إجراءات ضد الميليشيات، ونفذت بالفعل جزءاً من هذا التهديد عندما جمدت ما يقرب من نصف مليار دولار من الأموال النقدية في نيسان/أبريل.
وتثير هذه الإجراءات قلق طهران لأن "قوة القدس" التابعة لـ"الحرس الثوري الإسلامي" وميليشياتها الوكيلة تعتمد على البنوك العراقية والشركات الواجهة لسحب العملة الصعبة والالتفاف على العقوبات. وقد ازدادت أهمية هذا المنفذ بعدما أغلقت الحرب مع إيران، إلى حد كبير، منفذها الرئيسي الآخر في الإمارات العربية المتحدة. كما يكتسب المنفذ العراقي أهمية مضاعفة بالنسبة لطهران، لأنه لا يقتصر على قطاع الطاقة، بل يشمل شبكة واسعة من البنوك والشركات الواجهة والكيانات النفطية. وعلى مدى سنوات، تحولت المياه الإقليمية العراقية إلى مركز لعمليات غسل الأموال، حيث يُخلط النفط الإيراني الخاضع للعقوبات بالصادرات العراقية ويُسوَّق على أنه نفط عراقي. كذلك، يدر تهريب الوقود، الذي تديره حركة "عصائب أهل الحق" و"كتائب حزب الله" وفصائل أخرى، نحو مليار دولار سنوياً لصالح النظام الإيراني. ولهذا، تفضل طهران أن تتخلى ميليشياتها الوكيلة عن صفة ‘الميليشيات” بدلاً من المخاطرة بإغلاق هذا المنفذ بفعل تشديد العقوبات أو خسارة عائدات النفط بالكامل.
ورغم أن هذا "الانسحاب المنظم" يشير إلى أن الضغوط الأمريكية بدأت تؤتي ثمارها، فإن على واشنطن أن تدرك أن طهران تسعى في الوقت نفسه إلى توظيف هذه الضغوط لصالحها عبر إرساء تقسيم للأدوار بين معسكري الميليشيات المشار إليهما آنفاً. ووفقاً لهذا التصور، سيظل أكثر وكلاء إيران تشدداً، وهي "كتائب حزب الله" و"حركة حزب الله النجباء" و"كتائب سيد الشهداء"، تحتفظ بأسلحتها واستقلالها العملياتي لتبقى أداة ضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج. وفي المقابل، ستواصل حركة "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام على" تعميق نفوذهما داخل مؤسسات الدولة، بما يوفر غطاءً سياسياً للفصائل المسلحة، ويُبقي مؤسسات العراق واقتصاده عرضةً للنفوذ الإيراني.
الحاجة إلى نهج أمريكي غير متماثل
لقد أمضى قيس الخزعلي وقادة آخرون في حركة "عصائب أهل الحق " سنوات في صياغة هوية سياسية قومية، كما تجنبت الجماعة إلى حد كبير الانخراط في الأنشطة العسكرية خلال الحرب مع إيران. ومن ثم، فإن تشجيعها على الانخراط بصورة أكبر في العمل السياسي قد يسهم في إضعاف قبضة إيران على أحد أبرز وكلائها. وفي المقابل، يظل الخطر قائماً في أن تتحول حركة "عصائب أهل الحق" إلى نموذج شبيه بـ"حزب الله" اللبناني؛ أي تنظيم يحتفظ بسلاحه خارج إطار الدولة، ويتغلغل في مؤسساتها، مع بقائه موالياً لإيران.
ولتجنب النتيجة الأخيرة، ينبغي للمسؤولين الأمريكيين اتباع نهج غير متكافئ يقيّم بعناية المعسكرين المدعومين من قبل إيران بناءً على سلوكهما بدلاً من اعتبارهما كتلة واحدة. وهذا يعني الحفاظ على الضغوط الفعالة أو تصعيدها، مع الاحتفاظ بأشد الإجراءات ضد الجماعات المتمردة. وفي الوقت نفسه، ينبغي لواشنطن أن تُحمل الحكومة العراقية ولاسيما - السلطة القضائية - مسؤولية تنفيذ التغييرات الموعودة المتعلقة حركة "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام على ".
ومع ذلك، يبقى التحقق الميداني المستند إلى أدلة ملموسة شرطاً أساسياً لنجاح أي من هذه الجهود. فلا يمكن للولايات المتحدة أن تعول على المؤسسات العراقية وحدها لضبط هذه الجماعات، في ظل ثبوت تورط بعض تلك المؤسسات نفسها في أنشطة الميليشيات. ومن دون وجود آلية رقابية خارجية تتولى التحقق من السجلات والإجراءات على أرض الواقع، فمن المرجح أن تقتصر مبادرة بغداد الحالية على تعهدات إعلامية، وإخلاء عدد محدود من قواعد الميليشيات، واتخاذ بعض الخطوات الرمزية التي لن تمس جوهر المشكلة.
لحسن الحظ، فإن الموارد اللازمة لجهود التحقق الشاملة ليست كبيرة. وقد أظهر تحليل المصادر المفتوحة (بما في ذلك منصة الأضواء الكاشفة للمليشيات التابعة لمعهد واشنطن) إلى جانب تقارير الاستخبارات المالية، أن الروابط القيادية والتجارية التي تربط الشركات الواجهة التابعة للميليشيات بـ"قوة القدس “وكيانات أخرى مرتبطة بالنظام الإيراني يمكن تتبعها اعتماداً على مواد غير سرية وبتكلفة متواضعة. ويندرج الأمر ذاته على التحقق من مدى التزام المجموعات فعلياً بتفكيك بنيتها الميليشياوية. ويمكن لاحقاً استخدام هذه الأدلة المستقلة كأداة ضغط إضافية، بما في ذلك فرض العقوبات، في حال امتناع المؤسسات العراقية عن اتخاذ الإجراءات المطلوبة بناءً على هذه المعطيات.
وإذا أظهرت الأدلة أن عملية التغيير لا تزال مستمرة أو متعثرة بعد فترة زمنية طويلة، يمكن لواشنطن الانتقال إلى مرحلة ثانية من الانخراط مع تلك الفصائل التي تسعى إلى التحول إلى جهات سياسية شرعية. وقد يشمل ذلك عقد حوارات دبلوماسية غير مباشرة لإيجاد أرضية مشتركة تمهيداً لمزيد من الانخراط.
وللتوضيح، من غير المرجح أن يؤدي السعي إلى هذه العملية التدريجية إلى نزع سلاح أي من الميليشيات بسرعة أو تحويلها إلى جهات فاعلة سياسية اعتيادية في المدى القريب. وسيُقاس النجاح في المقام الأول بمدى القدرة على تتبع مسارات التمويل المرتبطة بإيران وسلاسل القيادة، حتى قبل أن تصبح مصادرة الأسلحة عاملاً حاسماً. وإذا أُديرت هذه العملية بانضباط، فإنها قد تسهم في إضعاف قبضة إيران على شبكتها في العراق. أما إذا أُهملت أو فقدت استمراريتها، فستمنح طهران ما تسعى إليه، وهو وجود معسكرين تابعين لها يعملان على تعزيز قدرات "المقاومة" بالوكالة وتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي داخل العراق.
وبما أن نقطة الضعف الجوهرية لدى ميليشيات كـ"عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي" تكمن في حرصها على اكتساب الشرعية السياسية، ينبغي على واشنطن استثمار هذه الثغرة عبر الضغط من خلال القضاء العراقي والمؤسسات الرسمية الأخرى. إن إقناع هذه الجماعات بالتخلي عن أسلحتها والكفّ عن مساعدة إيران في الالتفاف على العقوبات سيستغرق وقتاً، غير أن استراتيجية متأنية ومستمرة قادرة على تحقيق مكاسب تدريجية. ومن المهم التأكيد أن هذه المقاربة يجب أن تستمر بغضّ النظر عن مسار الاتفاق الأخير بين الولايات المتحدة وإيران . فعلى الرغم من أن أي تخفيف محتمل للعقوبات على طهران قد يغيّر حسابات النظام بشأن الضغط الأمريكي في العراق، فإن المشهد لا يزال غامضاً، ومن المرجح أن تستغرق المفاوضات اللاحقة عدة أشهر قبل التوصل إلى نتائج ملموسة.