- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4129
الانتخابات البرلمانية العراقية في لحظة مفصلية
خبيران سياسيان إقليميان وسفير أمريكي سابق يناقشون المشهد الانتخابي في مراحله الأخيرة وما قد تحمله نتائجه لمصالح الولايات المتحدة.
في الرابع من نوفمبر، استضاف معهد واشنطن منتدى سياسي افتراضي شارك فيه كل من مينا العريبي، ومنقذ داغر، وجيمس جيفري. العريبي رئيسة تحرير صحيفة "ذا ناشيونال" الصادرة في أبوظبي، وداغر عضو مجلس إدارة ومدير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة غالوب الدولية، أما جيفري فهو زميل فيليب سولوندز المتميز في المعهد والسفير الأمريكي السابق في العراق وتركيا. وفيما يلي ملخص لأبرز ما أدلوا به من آراء.
مينا العريبي
سيكون مستوى الإقبال على التصويت متغيراً رئيسياً في انتخابات الحادي عشر من نوفمبر، إذ شهدت نسب المشاركة تراجعاً متواصلاً منذ أول انتخابات برلمانية عام 2005، في مؤشر على تنامي خيبة الأمل من منظومة سياسية يرى فيها كثيرون فساداً وعجزاً عن تلبية احتياجات المواطنين. ويُتيح التفسير السائد للدستور للسياسيين التلاعب بمسار تشكيل الحكومة عبر مناورات ما بعد الانتخابات وصفقات المحاصصة، فلا يفوز المرشح الأول في العادة بمنصب رئيس الوزراء، وقد تستغرق عملية التشكيل أشهراً طويلة. وقد عمّق مقتدى الصدر هذه الأزمة حين قاطع الانتخابات، رغم فوزه بأكبر كتلة في الانتخابات السابقة وحرمانه من تشكيل الحكومة. وتعكس هذه المقاطعة غضباً شعبياً واسعاً، لا سيما في صفوف الشباب، في ظل بطالة تقدرها البنك الدولي بنحو 30% في هذه الفئة.
ومن المرجح أن تشكيل الحكومة سيكون مطولاً مجدداً. ويبدو الاهتمام الأمريكي بالملف العراقي في أدنى مستوياته، فيما يُعدّ المبعوث الخاص الجديد مارك سافايا وجهاً غير معروف تقريباً في الأوساط العراقية. وفي المقابل، بينما يتراجع نفوذ طهران في المنطقة، تزداد نظرتها إلى العراق أهمية استراتيجية، وستسعى على الأرجح إلى الانخراط في مفاوضات ما بعد الانتخابات عبر الميليشيات المرتبطة بها الباحثة عن شرعية سياسية. كما تدخل الأحزاب الكردية المفاوضات منقسمة على ذاتها، بعد عجزها عن تشكيل حكومة إقليمية في أعقاب انتخاباتها المحلية قبل عام.
أما رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، فقد سعى بفاعلية إلى تسويق أجندته في "الإعمار والتنمية"، وينظر إليه كثيرون باعتباره شخصية وطنية بعيدة عن الطائفية والمصالح الشخصية. غير أن الفساد لا يزال يُلقي بظلاله على الحكومة؛ إذ نجح السوداني في التعامل ببراغماتية مع التوازنات المتنافسة التي تهيمن على المنظومة، لكنه لم يتمكن من تفكيك بنية الكليبتوقراطية. ويتصدر الأمن قائمة الهواجس الشعبية أيضاً؛ فرغم تراجع العنف نسبياً، تظل هيبة القانون منقوصة حين يتعلق الأمر بالمصالح السياسية النافذة والجماعات المسلحة.
وعلى الصعيد الخارجي، واصل السوداني سياسة الانفتاح العربي التي بدأها سلفه، ونجح في تحييد العراق عن التداعيات المباشرة للمواجهة الإيرانية الإسرائيلية، كما يُحسب له انخراطه الحذر مع سوريا وتعاونه مع تركيا في ملف المياه. وإن كانت هذه السياسة تمثل تطوراً إيجابياً، فإن كثيرين يرونها "حداً أدنى" يُؤثر الاستقرار على حساب الدور القيادي الإقليمي.
منقذ داغر
يتمتع السوداني بشعبية مرتفعة، وعلى الرغم من تراجع طفيف مؤخراً، فإن مؤشراته تبقى أعلى من سابقيه. وتُبدي الشريحة السنية ثقة أكبر في مسار البلاد، وتنظر بعين أكثر إيجابية إلى الحكومة ورئيس الوزراء والعملية الانتخابية مقارنة بنظيرتها الشيعية.
وحين يُسأل العراقيون عن ثقتهم بالسياسيين، يتصدر مقتدى الصدر القائمة، يليه السوداني، دون أن يتجاوز أي سياسي آخر نسبة 30%. ومن المرجح أن يحقق حزب "الإعمار والتنمية" برئاسة السوداني فوزاً ساحقاً، تليه كتلة "تقدم" السنية وتحالف "دولة القانون" الشيعي.
وانهارت نسب المشاركة الانتخابية انهياراً حاداً منذ عام 2005 حين تجاوزت 80%، ومن المتوقع أن تتراوح هذا العام بين 30 و40%، جراء الإحباط من الفساد وانعدام الثقة بالعملية الانتخابية، فضلاً عن الأثر المتوقع لمقاطعة الصدر.
ومن المرجح أن تعيد مفاوضات الائتلاف إنتاج عقبات 2021، حين فاز الصدر باثنين وسبعين مقعداً قبل أن يحول إطار التنسيق الميليشياوي دون تشكيله الحكومة. ويرجّح أن يتحالف الفائز هذه المرة مع "تقدم" بزعامة محمد الحلبوسي والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، غير أن هذا الائتلاف قد يعجز عن بلوغ العتبة الثلثية المطلوبة لانتخاب الرئيس الذي سيكلف بتشكيل الحكومة. وتشهد علاقة السوداني بإطار التنسيق، الذي أوصله إلى السلطة في البداية، توتراً ملحوظاً وصل حد غيابه عن آخر اجتماعاته.
أما إيران، فقد باتت أقل نفوذاً إقليمياً مقارنة بالدورة الانتخابية الماضية، وإن كانت ستسعى مجدداً للتأثير في النتائج. وسيأخذ الفاعلون الداخليون حتماً التنافس الأمريكي الإيراني في حساباتهم الانتخابية. والجدير بالملاحظة أن كثيراً من العراقيين يُفضلون الولايات المتحدة شريكاً اقتصادياً وأمنياً على إيران، لكن أي تدخل سياسي أمريكي مباشر يُقابَل بنفور شديد، إذ يتطلع العراقيون إلى شراكة متوازنة مع واشنطن قائمة على المصالح المشتركة.
وقد ارتكز السوداني في حملته على الوطنية العراقية والتنمية الاقتصادية، مستثمراً الدعم الأولي من إطار التنسيق لإنفاق 400 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الماضية في التوظيف الحكومي وتمويل مشاريع البنية التحتية، مما منحه رصيداً شعبياً واسعاً، لا سيما لدى المكون السني الذي يُشكّل ركيزة أساسية في مواجهة عودة تنظيم داعش. في المقابل، يبقى ملفا الفساد ونفوذ الميليشيات المدعومة إيرانياً من أبرز إخفاقاته، وإن كان قد نجح في تحييدها عن الانخراط في المواجهة بين إيران وإسرائيل.
جيمس جيفري
يتمحور الاهتمام الأمريكي الأول في هذه الانتخابات حول إفراز حكومة عراقية مستقرة وتمثيلية وراغبة في تقليص النفوذ الإيراني. وعلى الرغم من اختلالات النظام البرلماني العراقي، فإنه يوفر في الوقت ذاته ضمانة ضد الاستبداد على غرار نظامَي صدام والأسد أو حكم الولي الفقيه في إيران. وبما أن واشنطن تربطها علاقة عمل متينة مع السوداني، فإن أي نتيجة تُتيح له مواصلة مساره الراهن ستُعدّ مكسباً أمريكياً. ويأتي ضبط بغداد لنفسها إبان الحرب الاثني عشرية إشارة إيجابية في سياق إقليمي يتراجع فيه النفوذ الإيراني عموماً.
وقد تنبثق كتلة تسعى إلى إقصاء المتصدر، وهو السوداني حالياً، من تشكيل الحكومة كما جرى في الماضي. وبصرف النظر عن ذلك، ستتوقف الرؤية الأمريكية للعراق كلياً على موقف الحكومة المقبلة من ثلاثة ملفات محددة: ميليشيات الحشد الشعبي، والعلاقة مع الأكراد، والدور العراقي الإقليمي.
وطالما شكّل الإقليم الكردستاني الموحد عامل استقرار في العراق وورقة حاسمة في مفاوضات التشكيل، لكن انقساماته الراهنة قد تُعيق هذا الدور. وقد تمارس واشنطن ضغطاً على القوى الكردية لتوجيه مسار التشكيل، إذ تملك نفوذاً أكبر لديها مقارنة ببغداد، غير أن الخلل السياسي الكردي قد يُقيّد جدوى هذا النفوذ.
ويواجه البرلمان العراقي الإشكاليات ذاتها التي تعاني منها الأنظمة البرلمانية الأخرى؛ فقد مرّت فرنسا وألمانيا بمخاضات حكومية عسيرة مؤخراً. ويظل الهاجس الأمريكي الأعمق تشكيل حكومة بدلاً من الوقوع في فخ الجمود، إذ سيفتح الفراغ السياسي الباب أمام الاضطراب الشعبي وتمدد النفوذ الإيراني.
وحتى لو تصاعد هذا النفوذ في أعقاب الانتخابات، فقد لا يكون طهران قادرة على تحويله إلى ثقل إقليمي ملموس. فعلى الرغم من أهمية العراق المحورية لاستراتيجية إيران بعد أن وهنت أدواتها الأخرى، فإن الحشد الشعبي لا يُعدّ سلاحاً فورياً فعّالاً ضد إسرائيل والولايات المتحدة على غرار حزب الله أو الحوثيين. وكونهم لم يخوضوا المعارك مباشرة ولم يتعرضوا لضربات إسرائيلية منتظمة، يجعلهم في وضع متناقض: أكثر تماسكاً لكن أقل خطورة مباشرة على الأمن الإقليمي من سائر الوكلاء الإيرانيين. ولا تجد واشنطن ولا بغداد مصلحة في مزيد من تغلغل الحشد في مؤسسات الدولة العراقية. ومع ذلك، إذا اقتصر دور هذه الفصائل على استنزاف الموارد العامة مع التبعية الاسمية لإيران دون انخراط ميداني نشط، فسيكون ذلك نتيجة مرفوضة لكن محتملة من المنظور الأمريكي.
في المحصلة، حافظ العراق على نظامه الديمقراطي منذ عام 2005، وهو تحول جذري قياساً بماضيه. وتمنح المستجدات السياسية والاقتصادية خلال العام الماضي أسباباً للتفاؤل، على الرغم من التحديات الهيكلية التي يفرضها الإقليم.
أعدّت كيت تشيسنت هذا الملخص، ومنتدى السياسات مستمر بفضل الدعم الكريم من عائلة فلورنس وروبرت كوفمان.