أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2694

روسيا واتفاق وقف إطلاق النار في سوريا

آنا بورشفسكايا, بول شوارتز, و السفير روبرت إس. فورد

متاح أيضاً في English

21 أيلول/سبتمبر 2016


"في 19 أيلول/سبتمبر، خاطب بول شوارتز، روبرت فورد وآنا بورشفسكايا، منتدى سياسي في معهد واشنطن. وشوارتز هو زميل أقدم في "برنامج روسيا وأوراسيا" في "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية". وفورد هو زميل أقدم في "معهد الشرق الأوسط"، وشغل منصب سفير الولايات المتحدة في سوريا بين عامي 2011 و 2014. وبورشفسكايا هي زميلة "آيرا وينر" في معهد واشنطن، حيث تركز على سياسة روسيا تجاه الشرق الأوسط. وفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاتهم".

 

آنا بورشفسكايا

كان الهدف المعلن للرئيس الروسي فلاديمير بوتين من إطلاق عملية التدخل في سوريا العام الماضي هو مكافحة الإرهاب. بيد بناءً على الأسلحة التي استخدمتها روسيا والأهداف التي اختارتها، كان من الواضح أن مكافحة الإرهاب لم تكن هدفه الوحيد. ففي الواقع، تشير بعض التقارير إلى أن الحملة قد عززت قوة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») في بعض الأحيان. وفي الوقت نفسه، أعربت جماعات حقوق الإنسان عن قلقها إزاء تعمّد ضرب القوات الروسية لأهداف مدنية، في حين أن كبار قادة "حلف شمال الأطلسي" ("الناتو")، مثل الجنرال فيليب بريدلوف، اتهموا موسكو والرئيس السوري بشار الأسد بـ "تسليح" تدفق هجرة اللاجئين بغية "إحباط العزيمة الأوروبية".

ومن وجهة نظر بوتين، ليس هناك شك بأن فوائد التدخل تتخطى تكاليفه. إذ إن ثمن الحملة، الذي يقدر بـ 480 مليون دولار ليس سوى نقطة في بحر ميزانية الدفاع الروسية السنوية التي تبلغ حوالي 55 مليار دولار. بالإضافة إلى ذلك، أكد بوتين على فوائد التدريب على القتال في سوريا، بقوله إن الخبرة على أرض المعركة هي الأفضل. وبالمثل، شكّلت الحرب حقل تجارب مفيد للأسلحة الروسية الجديدة. وعلى الرغم من إعلان بوتين في آذار/ مارس عن "انسحاب جزئي" من سوريا، تشير بعض التقارير إلى أن بلاده قد جلبت في الواقع المزيد من الأسلحة إلى داخل البلاد أكثر من تلك التي أخذتها معها عند الانسحاب الجزئي.

ومن الناحية الجغرافية، عززت موسكو بشكل كبير تحالفها مع إيران خلال العام الماضي، وهو تطور لم يسبق له مثيل بين هذين المنافسين التقليديين. فغالباً ما تتحدث الحكومتان عن أهداف مشتركة، على الرغم من أن روسيا، خلافاً لطهران، ليست مهتمة بمساعدة الأسد على استعادة السيطرة على كل شبر من سوريا.

هذا وقد اختبر هذا التعاون مع إيران علاقة روسيا الواقعية مع إسرائيل. وعلى الرغم من أن بوتين يرغب في الحفاظ على تلك العلاقة، إلا أنه سيذهب إلى حد استرضاء إسرائيل فقط. على سبيل المثال، بدأت روسيا في الآونة الأخيرة بتسليم أجزاء من نظام الدفاع الجوي "إس-300" القوي إلى إيران بعد تأجيل عملية البيع لسنوات. وبالتالي فإن تصرفات روسيا في سوريا تثير تساؤلات إلى متى سيستمر بوتين في المحافظة على هذا التوازن.

وفي ما يخص إرساء السلام، لم تضغط روسيا على الأسد لوقف إطلاق النار أو إجراء مفاوضات سياسية. بل على العكس من ذلك، يتمتع الأسد بحرية استغلال الثغرات في اتفاقيات وقف إطلاق النار التي ساعدت روسيا في التوسط فيها، وذلك باستخدام فترات وقف القتال لإعادة تجميع قواته ومحاصرة حلب.

أما على الصعيد الداخلي، فقد استخدم بوتين التدخل الروسي لإحكام قبضته الخاصة على السلطة، وتشتيت الانتباه عن تصرفاته في شبه جزيرة القرم، وإخراج بلاده من العزلة الدولية من خلال محاربة عدو دولي مشترك، وهو تنظيم «الدولة الإسلامية». إن هدفه الكامن في إقناع الغرب برفع العقوبات المتعلقة بأوكرانيا لم يتحقق بعد، الأمر الذي يعطيه كل الأسباب لمواصلة الضغط على أوروبا عبر زيادة تدفق اللاجئين من سوريا. ويعتقد الرئيس الروسي أيضاً أن طريقة العمل الأساسية التي يعتمدها الغرب في جميع أنحاء العالم هي تغيير النظام، بما في ذلك العمل ضد حكومته، لذلك يرى أن دعم الأسد يشكّل وسيلة للدفاع عن نفسه. ويرى أنه من خلال محاولة تجديد مكانة روسيا كقوة عظمى، يمكن إجبار الولايات المتحدة على احترام مصالح موسكو. 

باختصار، يُعتبر سجل بوتين في سوريا مثيراً للقلق. فقد اختبر الغرب مراراً ولم يتلق أي ردة فعل سلبية على ذلك، مما أدى إلى تعزيز تصوره حول ضعف الغرب. كما أنه لم يكن شريكاً جديراً بالثقة في عملية إنهاء الحرب، مما يطرح السؤال التالي: إلى متى يجب على واشنطن مواصلة الأخذ بكلامه؟ ومع ذلك، سيكون من الصعب تغيير نهج روسيا تجاه الصراع إلى أن تغيّر الولايات المتحدة موقفها الخاص.

 

بول شوارتز

تمكنت روسيا وواشنطن من التغلب على انعدام الثقة العميق بينهما والتوقيع على اتفاقية جديدة لـ "وقف الأعمال العدائية" في الآونة الأخيرة، والتي يبدو أنها أخبار جيدة بالنسبة لسوريا. بيد أن التقارير حول الانتهاكات وعدم تسليم المساعدات الإنسانية قد شابت الاتفاق منذ البداية. ومن ناحية القوات المتمردة المعتدلة فإنها لا تنفصل عن «جبهة فتح الشام» [التي غيّرت إسمها من «جبهة النصرة» بعد فك ارتباطها بـ تنظيم «القاعدة»]، كما أن الضربة الأمريكية ضد قوات الجيش السوري في دير الزور تثير المزيد من التعقيدات. إلى جانب ذلك، تم تخفيف حدة العنف بشكل ملحوظ، وخاصة في حلب، وهو أمر مشجع، ولكن السؤال يبقى إذا كان بالإمكان الحفاظ على هذه الاتفاقية. هناك أسباب للتشكك.

من المهم أن ننظر إلى الوراء لنرى ما حققته روسيا خلال العام الماضي. من الواضح أن التدخل الروسي أحبط انهيار نظام الأسد: ففي الخريف الماضي كانت قواته ترتد على أعقابها، وكانت المعارضة قد حققت تقدماً خاطفاً في محافظة إدلب وكانت تضغط على معقل قوات الأسد الساحلي في اللاذقية، وكان تنظيم «الدولة الإسلامية» قد استولى على تدمر شرقاً. بيد أن الضربات الجوية الروسية وعمليات الدعم الأرضي التي قامت بها سرعان ما عكست مجرى الأحداث. ومنذ ذلك الحين تم تطهير جزء كبير من شمال اللاذقية، واستقرت الأوضاع في حماة وحمص وضواحي دمشق، وتمت استعادة السيطرة على تدمر. كما أن معقل المتمردين الأكثر أهمية المتبقي في الغرب، أي حلب، يخضع لضغط مستمر.

وهكذا، حققت الحملة ثلاثة أهداف أساسية للرئيسين السوري والروسي وهي: تأمين قلب النظام العلوي، والحفاظ على خطوط الاتصال بين دمشق وحلب، ووضع حد أدنى من العمق الاستراتيجي للمنطقة التي يسيطر عليها النظام. هذا ولا يزال الجيش السوري يواجه صعوبة في المحافظة على الأراضي، لكن تم تمهيد الطريق من أجل بقاء دويلة الأسد في الجزء الغربي من البلاد بغض النظر عما يحدث على الأرض.

لقد حققت روسيا هذه الأهداف جزئياً من خلال جعل المتمردين ينقلبون ضد بعضهم البعض، ولكن بشكل أساسي باستخدام قوتها العسكرية بشكل فعال، أي من خلال نشر قوة صغيرة من الطائرات والمحافظة على وتيرة عالية من العمليات. إن الدعم الجوي القوي للقوات البرية السورية والإيرانية قد جعل من الصعب على وحدات المتمردين العمل في العراء بشكل جماعي، في حين ازداد فتك ما يسمى بالذخائر "غير الموجهة" وذلك بسبب التكنولوجيا الجوية الروسية المتقدمة والطيارين المدربين تدريباً جيداً. كما حصلت الطائرات الروسية على حماية أفضل من الهجمات البرية لأنها قادرة على توجيه الضربات من ارتفاعات أعلى وفي أوقات الليل أيضاً.

وعلى الرغم من أن الدعم البري الروسي لم يكن مرئياً بنفس قدر الدعم الجوي إلا أنه كان قوياً أيضاً. فقد قدمت موسكو مساعدات عسكرية تقنية، ومعدات جديدة (من بينها دروعاً وأسلحة أكثر تطوراً، ودبابات من طراز "تي-90" ومدفعية)، فضلاً عن الخبرات للاستفادة بشكل أفضل من المعدات الموجودة. وقد ساعد المستشارون الروس في تخطيط العمليات وقيادتها، كما تم نشر بعض قوات العمليات الخاصة في مهمات استخباراتية وغيرها من الأهداف.

ونظراً للإنجازات الروسية في سوريا، فقد تغيّرت مواقف الولايات المتحدة بشأن القضايا الرئيسية، مثل التعاون مع موسكو، وربما دور الأسد في المرحلة الانتقالية في المستقبل. أما بالنسبة إلى اتفاقية "وقف الأعمال العدائية" الحالية، فإن شروطها لا توحي بالتفاؤل. فالاتفاقية تسمح باستمرار العمليات ضد «جبهة فتح الشام»، التي هي شديدة التشابك مع ألوية أخرى من المتمردين، الأمر الذي يعطي روسيا والأسد مبرراً محتملاً لضرب القوات الأكثر اعتدالاً. ويمكن لمثل هذه الهجمات أن تؤدي بدورها إلى انهيار اتفاق وقف إطلاق النار.

 

روبرت فورد

على الرغم من توفر فرصة كافية لدى الروس للابتعاد عن المفاوضات الطويلة والشاقة في جنيف، إلا أنهم تمسكوا بها إلى حين توقيع اتفاق "وقف الأعمال العدائية"، مما أشار إلى بعض المستويات من الالتزام من جانبهم. ويُعتبر هذا الأمر غير مفاجئ إذا ما رأى المرء أن الاتفاقية قد تؤمن لهم الفوز في الحالتين. فإذا ما نجحت الاتفاقية، سيتم عزل «جبهة فتح الشام» وستستعيد روسيا قدراً من الشرعية الدولية. أما إذا فشلت، فمن المرجح أن تبتعد المعارضة بصورة أكثر عن الولايات المتحدة.

وعلى أي حال، يبدو أن روسيا غير قادرة حالياً على ضمان امتثال الأسد لجميع شروط اتفاق "وقف الأعمال العدائية". على سبيل المثال، قبل فترة وجيزة من عقد هذا المنتدى، أعلنت قيادة الجيش السوري من جانب واحد أن فترة "وقف الأعمال العدائية" قد انتهت، ولم تعط أي إشارة إلى أنها قد نسقت هذه الخطوة مع موسكو.

بالإضافة إلى ذلك، لا تتفق الأهداف الروسية مع هدف الأسد في استعادة السيطرة على كامل الأراضي في سوريا، ويبدو أن هذا الشرخ قد تسبب باضطرابات بين مسؤولي النظام والسفير الروسي لدى الأمم المتحدة. وتشير الأدلة أيضاً إلى أن النظام لا يفرض سيطرته الكاملة على الجماعات التي يعتمد عليها لدرء المعارضة، بما في ذلك مختلف الميليشيات الموالية للأسد ذات الأجندات المختلفة. لذلك عندما تعتمد روسيا على دمشق للسماح بتدفق المساعدات الإنسانية، على دمشق الضغط بدورها على الحلفاء الذين يحتمل ألا يكونوا موضع ثقة على الأرض. بالإضافة إلى ذلك، على موسكو اللجوء إلى رأس المال السياسي الكبير في كل مرة تضغط فيها على الأسد لاحترام اتفاقية "وقف الأعمال العدائية"، وقد لا تكون على استعداد للقيام بذلك إلى أجل غير مسمى. ومع ذلك، لا تزال أهداف روسيا الشاملة تركز على إبقاء الأسد في سدة الحكم: فقد لا يرغب به الكرملين، لكنه لا يرى بديلاً له ولا يريد سقوط دمشق على غرار بغداد في عام 2003.

وأخيراً، إن أي نقاشات حول "وقف الأعمال العدائية" ينبغي أن تشمل إمعان النظر في العلاقات بين روسيا وإيران وتركيا، بما أن هذه الدول هي التي ستقرر ميزان القوى في شمال سوريا. على سبيل المثال، تنشغل أنقرة وموسكو والأكراد السوريون، حالياً في اكتشاف من سيشكل تحالفاً دائماً. وسيكون لخيارات هذه الأطراف تأثيرات فورية على الأرض، ولكن النتيجة غير واضحة في الوقت الحالي، مما يؤكد على أهمية النظر في عوامل أخرى إلى جانب الديناميكية الأمريكية - الروسية.

 

أعد هذا الموجز جيمس بوكر.