أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

الخوف من "ما التالي؟" سيؤثر على ردود فعل إيران والعالم

دينس روس

متاح أيضاً في English

"ذي هيل"

6 كانون الثاني/يناير 2020


لا شك في أن مقتل قاسم سليماني سيغيّر مجريات الأمور. فقد كان العقل المدبر للسياسات الإيرانية في المنطقة، وربما كان ثاني أقوى شخصية في التسلسل الهرمي الإيراني.

فقد طوّر المليشيات الشيعية وحوّلها إلى أدوات إيرانية للإكراه والنفوذ والتخويف في الشرق الأوسط. ودرّب عملياتها وموّلها وسلّحها وساعد في توجيهها - وبدورها مكَّنت هذه الميليشيات إيران من بسط نفوذها بأقل تكلفة ممكنة. أما نجاحاته فقد سمحت للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، بالإشارة إلى لبنان وسوريا كجزء من "خط الدفاع الأمامي" الإيراني. فقد تحدث قادة «الحرس الثوري الإسلامي» والبرلمانيون عن الهيمنة الإيرانية في أربع عواصم عربية: بغداد ودمشق وبيروت، وصنعاء.

ولم نشهد تلاشي صورة النجاحات الإيرانية إلاّ في الأشهر الأخيرة. فقد تمكّن سليماني من بسط سيطرة إيران، ولكن تعذّر عليه منع ردود الأفعال العنيفة ضد سوء إدارة الوكلاء الإيرانيين وفسادهم والقمع الذي يمارسونه - سواء كان «حزب الله» في لبنان، أم ميليشيات مثل «كتائب حزب الله»، و «منظمة بدر»، و «عصائب أهل الحق» في العراق.

ولم يكن تمادي سليماني المفرط قد بدأ بتقويض موقفه أمام المرشد الأعلى خامنئي. ولن يهتمّ خامنئي كثيراً بأن سليماني كان قد بالغ في إظهار قوته وأصبح واثقاً جداً من أنه في موقع يتعذّر المساس به. وبدلاً من ذلك، سيرى خامنئي أن شخصية أساسية في النظام قد اغتيلت على أيدي الأمريكيين. كما لن يراجع حساباته أو يتعلم من دروس الماضي، بل سيرى أن إيران لا تستطيع أن تسمح بأن يمرّ مثل هذا الهجوم المباشر على زعيم إيراني مرور الكرام ودون أي ردّ. ففي نظره، إن اتباع هذا المسار من شأنه أن يهدد النظام نفسه.

لذلك سيرد الإيرانيون، مسترشدين بإحساسهم لتحديد زمان الرد ومكانه. وفي الواقع، إنّ إحجام خامنئي الأساسي عن الدخول في حروب قتالية مباشرة - وهي ممانعة نابعة من نظرته إلى التكاليف الهائلة للحرب مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي - من شأنه أن يُنبئ بالخيارات التي سيتبناها الإيرانيون.

وبدايةً، سيرغب خامنئي - وقد بدأ بالفعل - بالاستفادة من الفوائد المحلية المحتملة المترتبة على ردود الفعل القومية على اغتيال شخصية كان النظام قد فعل الكثير للاحتفاء بها كونها دافعت عن إيران ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». ففي أعقاب السحق الوحشي للمظاهرات وأعمال الشغب بسبب تخفيض الدعم المحلي للغاز، أصبح من المؤكد أن لخامنئي مصلحة في محاولة اجتذاب دعم جماهيري أوسع.

بيد أن تأجيج مشاعر الغضب والاستياء القومية له حدوده، وسيغذي، في الوقت نفسه، الحاجة إلى إظهار أن النظام الإيراني لا يسمح بأن يمر موت سليماني من دون محاسبة.

إن خامنئي أكثر حرصاً من أن يندفع إلى السماح باتخاذ إجراءات إيرانية مباشرة تثير ردود فعل عسكرية صارمة، وخاصة من جانب الولايات المتحدة. فهو يدرك الخطر الحقيقي المتمثل في اندلاع حرب مباشرة مع أمريكا، وسيسعى إلى تجنبها. بالتالي، ستفضي غريزته إلى التصرف من خلال الوكلاء، والحفاظ على إمكانية الإنكار، والحد من الخطر الحقيقي الذي يهدد النظام. وسيكون التحدي الذي يواجهه هو بذل القدر الكافي من الجهد لإظهار أن إيران تفرض دفع ثمن باهظ مقابل مقتل سليماني من دون أن يؤدي ذلك إلى اندلاع حرب أكثر مباشرة مع الجيش الأمريكي ضد إيران نفسها.

لذلك، يجب أن نتوقع مجموعة واسعة من الإجراءات والهجمات التي يمكن أن تمتد على مدى الأشهر المقبلة، بما فيها:

  • تجديد الضغط الشعبي من قبل الميليشيات الشيعية لإرغام الحكومة العراقية على مطالبة جميع القوات الأمريكية بمغادرة البلاد؛
  • شنّ هجمات إرهابية على أهداف أمريكية سهلة، أو رموز أو مسؤولين أمريكيين في الشرق الأوسط وعلى الصعيد الدولي؛
  • استخدام الوكلاء للطائرات المسيّرة أو صواريخ كروز أو القذائف لضرب منشآت نفطية في السعودية والإمارات والكويت.

وسيكون جزء من الثمن الذي سيسعى الإيرانيون إلى فرضه سياسياً. فسيرغبون في زرع بذور الشكوك وعدم الاستقرار في المنطقة، مع الإشارة علناً إلى أن مقتل سليماني هو ما أطلق العنان لتلك الأعمال.

وستكون هناك أيضاً رغبة في الانتقام من الرئيس دونالد ترامب. فمثلما كان آية الله روح الله الخميني مصمماً على جعل الرئيس جيمي كارتر يدفع ثمن ردوده على "أزمة الرهائن" في سفارة الولايات المتحدة عام 1979 وعملية "مخلب النسر" الفاشلة لإنقاذ الرهائن الأمريكيين من خلال عدم الإفراج عنهم إلى أن تمّ تنصيب الرئيس رونالد ريغان، سيتطلع خامنئي إلى إحراج الرئيس ترامب في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية الأمريكية. والأسئلة التي تطرح نفسها هنا، هل سيحصل هجوماً إرهابياً موقوتاً؟ هل ستزداد الهجمات بالوكالة ضد القوات الأمريكية أو قواعدها، مما يعزز الصورة بأن الولايات المتحدة منخرطة الآن في حرب جديدة غير متبلورة "لا نهاية لها"؟ هل سيتم ضرب عدد كافٍ من المنشآت النفطية لضمان ارتفاع أسعار النفط؟

تأمل إدارة ترامب في أن يكون مقتل سليماني بمثابة رادعٍ. ولكن نظراً إلى حاجة إيران إلى إثبات التكاليف الباهظة المترتبة على مقتله، فإن ذلك سيكون صعباً. إذاً، ما الذي يجب أن تفعله الإدارة الأمريكية؟

من الصواب إرسال المزيد من القوات إلى المنطقة، للإشارة إلى إيران بأن الولايات المتحدة على استعداد لفرض ثمن على عملها الذي يهدد الوجود الأمريكي، ولتحسين أمن البنى التحتية التي قد تكون عُرضة للخطر أيضاً. وقد تكون عمليات الانتشار العسكري خطوة ضرورية، لكنها بالتأكيد لن تكون كافية لحماية جميع المواقع التي تحتاج إلى الحماية. بالإضافة إلى ذلك، هناك حدود للتأثير الذي يمكن أن تحدثه على الإيرانيين.

يجب أن تكون الدبلوماسية النشطة والفعالة - وهي سمة بالكاد تُعرف بها إدارة ترامب - جزءاً مما يتم إنجازه الآن. يتعين على ترامب وعلى وزيري الخارجية والدفاع الأمريكيين مايك بومبيو و مارك إسبر أن يشيروا إلى نظرائهم بأن الولايات المتحدة لا تسعى إلى أي صراع أو تصعيد، ولكنها لن تتسامح مع الهجمات على قواتها أو شركائها، وسوف تتصدى لها. ولن يقتصر الهدف على جعل الأوروبيين يبلّغون الإيرانيين - ولا سيما خامنئي - أن المخاطر عالية جداً وأنهم أيضاً سيعارضون التحركات الإيرانية المباشرة أو غير المباشرة التي تؤدي إلى نزاع أوسع في المنطقة فحسب، بل يبلّغون الروس والصينيين أيضاً. كما يتعين على خامنئي أن يدرك أنه سينتهي الحال بإيران في عزل نفسها إذا سعت إلى زعزعة استقرار المنطقة. إن فرض ثمن على الولايات المتحدة هو أمر، أمّا عزل نفسها سياسياً فهو أمر آخر بالنسبة للإيرانيين.

صحيح أن لا أحد سيتصرف بالنيابة عن الولايات المتحدة فيما يخص الإيرانيين في هذه المرحلة، ومن المرجح أن يطالب أي طرف مماثل بالتزامات في المقابل - وهنا يلعب فن الدبلوماسية دوره، إذ يشير إلى أن واشنطن تتمتع بالمرونة إذا ما تمكّن الآخرون من التوصل إلى هدوء وتجاوب من جانب إيران. فالأمريكان أصحاب النفوذ هنا لأن كل من حلفائها والروس والصينيين لا يرغبون في "انفجار" المنطقة. وفيما يتعلق ببوتين، فإن آخر ما يريده هو أن تظهر القوة الأمريكية مهيمنة مرة أخرى في المنطقة. ومن منطلق إدراكه أن ترامب يريد الخروج منها وعدم "إغراق" المزيد من القوات فيها، فربما يكون بوتين مستعداً للاضطلاع بدور الوسيط مع إيران.

إن الخوف من التصعيد هو بالضبط ما يمكن أن يوفر الأساس، أولاً، لحمل الجميع على التراجع، وثانياً، للاستناد على ذلك من أجل التوصل إلى مقاربة تدريجية في التعامل مع كل من القضية النووية والحاجة إلى وضع حدود أو التوصل إلى تفاهمات حقيقية حول الخطوط الحمراء بشأن ما قد يفعله الإيرانيون في المنطقة وما وقد لا يفعلونه.

ولعل ذلك أمراً بعيد المنال. ولكن من المفارقات أن خطورة الوضع هي التي تؤدي إلى انفتاح محتمل. إن استعداد الولايات المتحدة لبذل المزيد من الجهود العسكرية مع الإشارة أيضاً إلى استعدادها للتوصل إلى تسوية، هو ما يمكن للروس و/أو غيرهم استخدامه لممارسة ضغوط جماعية على إيران، حتى لو كانوا يقدمون أيضاً تخفيفاً حقيقياً للعقوبات.

ومن الواضح أن كل شيء يبدأ مع نقل إدارة ترامب رسالة مزدوجة بشكل نشط: لا تختبرونا أكثر، ولكننا على استعداد لقبول التفاهمات. فهل هذا ما كان يحاول ترامب قوله عبر تغريدته: "لم تفز إيران أبداً بالحرب، لكنها لم تخسر التفاوض قط؟".

قد لا تكون إيران مستعدة للاستماع إلى الولايات المتحدة، لكنها لن تتجاهل الآخرين. واليوم حان الوقت لكي يعمل رئيس "أمريكا أولاً" مع الآخرين.

 

دينيس روس هو "زميل ويليام ديفيدسون" المتميز في معهد واشنطن والمبعوث الأمريكي السابق للشرق الأوسط.