- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4242
روسيا لن تغادر سوريا
رغم أنها لم تعد تحظى بالأولوية في دمشق، أثبت الكرملين قدرته على التكيف مع الواقع الجديد، وعلى واشنطن أن تلعب لعبة طويلة الأمد في التعامل معه.
سوريا اليوم بلد مختلف جذرياً عن ذلك الذي تدخلت فيه موسكو في أيلول/سبتمبر 2015 للحفاظ على حكم حليفها الرئيس بشار الأسد. فمنذ إزاحته عن السلطة بعد ما يقارب عقداً من الزمن، اختفت صور الأسد من الشوارع ولم يعد اسمه يُذكر. والأكثر دلالة أن الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع تجنّب استبدال تلك الصور بصوره الخاصة، بل فتح الباب أمام حريات لم يعرفها السوريون منذ أكثر من نصف قرن.
في وقت سابق من هذا الشهر، أعلن الرئيس ترامب قراره برفع تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، بعد أن رفعت واشنطن العقوبات الأمريكية الواسعة عام 2025. ووصف وزير الخارجية ماركو روبيو هذه الخطوة بأنها تفتح «فصلاً جديداً» لتشجيع إعادة الإعمار والاستثمار اللذين تشتد الحاجة إليهما. غير أنه، ومع إعادة انخراط واشنطن مع سوريا الجديدة، يجدر التذكير بأن روسيا لا تزال ملتزمة بأداء دور مهم فيها.
مصالح استراتيجية راسخة
على الرغم من تراجع القدرات العسكرية والسياسية الروسية في سوريا منذ سقوط الأسد، فإن المصالح الاستراتيجية للكرملين لم تتغير، ومن المرجح أن تدوم أطول من حكم الرئيس فلاديمير بوتين نفسه. فالكرملين يسعى تحديداً إلى الحفاظ على موطئ قدم في شرق البحر المتوسط، كما يحتاج إلى بنية تحتية عسكرية لدعم أهدافه الأوسع، مثل استمرار عملياته في أفريقيا، ونقل القوات بين مسارح عمليات متعددة، والحفاظ على امتداد نفوذه على طول الجناح الجنوبي لحلف الناتو.
ومن شأن استمرار الوجود الروسي في سوريا أن يُسهّل تنافس موسكو الطويل الأمد مع الولايات المتحدة على النفوذ. وتحقيقاً لذلك، أبقت موسكو على قاعدتيها في طرطوس وحميميم منذ سقوط الأسد، وإن بقدرة أقل، ما يتيح استمرار عملياتها البحرية والجوية في شرق المتوسط، وربما تسهيل عمليات انتشار خارج المنطقة. وحسب ما ذكرت رويترز في وقت سابق من هذا الشهر، تخطط روسيا لاستخدام منشأتها العسكرية في طرطوس كمركز لوجستي تجاري. وبالنسبة إلى الكرملين، فإن هذا الانخراط الاقتصادي ليس مسألة ربح فحسب، بل أداة لتحقيق أهداف الدولة الأوسع. وأخيراً، يثير الوجود الروسي تساؤلات حول قدرة موسكو المستقبلية على تقديم دعم سري لخصوم الولايات المتحدة، مثل إيران وأذرعها في المنطقة.
يد ماهرة
بعد أن كانت موسكو الضامن والداعم لنظام الأسد، فإنها تتكيف الآن مع دورها الجديد كأحد عدة فاعلين يشكّلون مستقبل سوريا. وقد أظهرت روسيا قدرتها على التكيف بُعيد سقوط الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، حين أرسلت على وجه السرعة وفداً إلى دمشق يحمل عقوداً جاهزة للتوقيع. ورغم أن السلطات السورية الجديدة لم توقّع، فقد بدا أنها انطبعت بسرعة روسيا وتنظيمها في هذا التحول.
وعليه، لا ينبغي الاستهانة بدور روسيا الجديد في سوريا. فوفقاً لمسؤولين وخبراء في دمشق، لا يوجد ما يشير إلى انسحاب روسي من البلاد أو ما يُتوقع منه. بل يبدو أن موسكو تتكيف مع البيئة السياسية المتغيرة بينما تتفاوض مع النخب السياسية للحفاظ على قواعدها العسكرية وتطوير روابط اقتصادية ودبلوماسية، وإلى حد ما ثقافية. ومن الأمثلة على هذا الأخير إعادة فتح «البيت الروسي» في دمشق، الذي أُغلق بعد سقوط الأسد. وتشتهر المراكز الثقافية الروسية بكونها واجهات لجمع المعلومات الاستخباراتية.
ومع توجه دمشق أكثر نحو الغرب، يبدو أنها تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين روسيا وسائر الفاعلين الخارجيين في البلاد. غير أن المسؤولين متفقون إلى حد كبير على أن معاداة روسيا لا يخدم مصالح سوريا. فروسيا، في نهاية المطاف، تملك نفوذاً دبلوماسياً في مجلس الأمن الدولي وهيئات أخرى، يمكن استخدامه لدعم العلاقة العسكرية الممتدة عقوداً مع سوريا، بما في ذلك شراء دمشق أسلحة روسية منخفضة الكلفة نسبياً. كما أن روسيا أحد أبرز موردي النفط والقمح لسوريا، ما يخلق علاقة تبعية غذائية وطاقوية.
وهناك أيضاً مسألة ربط الدعم بتحسين حقوق الإنسان. فالولايات المتحدة لا تفعل ذلك حالياً، لكن إدارة مستقبلية قد تفعل، ويمكن التعويل على روسيا لعدم ربط دعمها بأي شروط من هذا النوع. علاوة على ذلك، سيتذكر المسؤولون السوريون أن روسيا حمت نظام الأسد عبر استخدام حق النقض في مجلس الأمن، ما سمح بعرقلة منهجية لوصول المساعدات الإنسانية.
كما تستدعي أولوية التعافي الاقتصادي لدى سوريا استمرار العلاقات مع روسيا، حتى وإن كانت دمشق في الوقت نفسه حريصة على جذب استثمارات من الغرب ودول الخليج. فإلى جانب علاقة الغذاء والطاقة، لجأت سوريا إلى روسيا لطباعة عملتها، بما في ذلك شحنة وصلت في آذار/مارس الماضي، حتى وإن أشارت تقارير لاحقة إلى خطط سورية لطباعة عملتها في الإمارات وألمانيا. كما تحتفظ روسيا بروابط مع صناعة الفوسفات السورية الحيوية، التي اكتسبت أهمية متزايدة مع ارتفاع أسعار الأسمدة نتيجة الحرب الإيرانية. وبإمكان روسيا أن تدّعي نفوذاً إضافياً من خلال الإشارة إلى ديون حكومة الشرع الموروثة عن نظام الأسد، التي قدّرها البنك الدولي بنحو 1.2 مليار دولار. وأخيراً، هناك روابط شخصية وقيادية: إذ لا يزال بشار الأسد نفسه يقيم في روسيا، كما أن شقيق الشرع، ماهر، متزوج من روسية وعاش لفترة في موسكو.
أما بالنسبة إلى القواعد الروسية، فيبدو أن الإبقاء عليها يساعد سوريا في تحقيق التوازن الذي تنشده مع الغرب، إذ تشكّل وسيلة منخفضة الكلفة للحفاظ على العلاقة الاستراتيجية رغم عدم تقديمها أي منفعة مباشرة. علاوة على ذلك، وبما أن الجيش السوري بُني إلى حد كبير على عتاد سوفياتي ثم روسي، تبقى دمشق معتمدة إلى حد بعيد على موسكو في قطع الغيار والصيانة، حتى وإن كانت تشتري أسلحة من مصادر أخرى.
الخلاصة والتوصيات السياساتية
دور روسيا في سوريا يتطور ولا ينتهي، وسيكون من الخطأ قياس النفوذ الروسي بمعايير الماضي. ففي سوريا اليوم، ينبغي للمراقبين تقييم هذا النفوذ استناداً إلى مزيج من الوصول العسكري والانخراط الاقتصادي والدبلوماسي، إلى جانب النفوذ الاستخباراتي.
ولمواجهة النشاط الروسي في سوريا، ينبغي للولايات المتحدة أن تتبنى رؤية طويلة الأمد، تحاكي الصبر الاستراتيجي الذي تنتهجه موسكو. ويمكن لنهج فعال أن يركز على:
- الحد من قدرة روسيا على تحويل وجودها إلى نفوذ سياسي متجدد
- رفع كلفة بقاء روسيا في سوريا
وعلى المستوى العام، يتطلب الحد من الصعود السياسي الروسي تعميق الروابط السياسية والاقتصادية والمؤسسية بين الولايات المتحدة وسوريا، بما يجعل روسيا أقل أهمية بالنسبة إلى البلاد. ويمكن أن تشمل الإجراءات الأكثر تحديداً: (1) بناء علاقات مع الوزارات المدنية السورية عبر تقديم الخبرة في الحوكمة وتوسيع برامج التبادل التعليمي والمهني؛ (2) زيادة التدقيق في العمليات اللوجستية الروسية في سوريا، وتسليط الضوء على إخفاق روسيا في الالتزام بالمواعيد أو تقديم أسلحة عالية الأداء؛ (3) الاستثمار في برامج تعليمية تكشف دور روسيا في مساعدة نظام الأسد على قتل أكثر من نصف مليون مواطن.
سوريا ما بعد الأسد ليست ديمقراطية تمثيلية، لكن الرأي العام لا يزال له وزنه إلى حد ما، ويميل السوريون إلى حمل نظرة سلبية تجاه روسيا. ومن شأن جهود كالتي ذُكرت أن تعزز هذا التوجه، لتشكّل ضماناً إضافياً في مواجهة الأنشطة الروسية. كما يمكن لحملة أوسع أن ترفع الكلفة السمعية على روسيا لبقائها في سوريا. فروسيا بقيت ملتزمة بالبقاء في سوريا رغم النكسات. وعلى الولايات المتحدة أن تلتزم بالمثل بانخراطها المستمر مع سوريا.
ومن العناصر الأخرى للانخراط الأمريكي تعزيز الدور الأوكراني في سوريا. وحتى وإن لم ينظر المسؤولون السوريون بعد إلى أوكرانيا كبديل عن روسيا في توفير موارد كالقمح والفوسفات، إلى جانب الروابط الدبلوماسية والثقافية، فإن دمشق منفتحة على التعامل مع كييف، وقد يصبح هذا التحول ممكناً في المستقبل. ويمكن لواشنطن أن تساعد في البناء على هذا الانخراط الثنائي بهدف الاستثمار في نجاح سوريا على المدى الطويل.
وحتى الآن، تجنّب الغرب إلى حد كبير ربط انخراطه بعلاقة سوريا مع روسيا. غير أنه، مع مرور الوقت، ينبغي له أن يفكر في استخدام نفوذه الدبلوماسي والاقتصادي لتشجيع دمشق على الحد تدريجياً من اعتمادها على موسكو، مع تنمية بدائل أخرى، سواء في أوكرانيا أو بين شركاء أوروبيين آخرين أو في الشرق الأوسط. وينبغي أن تشمل مجالات التركيز الأنشطة العسكرية والطاقوية والبنية التحتية، حيث تسعى روسيا إلى نفوذ خاص.
يريد الرئيس الشرع الانخراط مع الغرب، وعلى الغرب أن يستفيد من مصدر النفوذ هذا. فالاستثمار المرتبط بذلك في نجاح سوريا سيساعد الولايات المتحدة على مواجهة النفوذ الروسي في دول الناتو الجنوبية، وتعزيز موقعها في التنافس الجيوسياسي الأوسع.