- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4287
رغم الجهود الأوروبية، عباس يتراجع مجدداً عن إجراء الانتخابات الفلسطينية
يتوقف نجاح الخطط الأمريكية بشأن غزة واستقرار الضفة الغربية على وجود سلطة فلسطينية تتمتع بالشرعية وتكون قد خضعت لإصلاحات تؤهلها لتقديم بديل موثوق لحكم "حماس". ولذلك، تكتسب الانتخابات الوطنية أهمية خاصة، ما يتطلب من المجتمع الدولي مضاعفة جهوده للتحضير لهذه الانتخابات التي أرجئت إلى عام 2027.
في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر، وجه نائب رئيس السلطة الفلسطينية حسين الشيخ رسالة إلى وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، أعلن فيها تأجيل انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر، معللاً القرار بوجود "عقبات جوهرية" فرضتها السلطات الإسرائيلية. وكانت الانتخابات المقررة، التي أعلنها الرئيس محمود عباس للمرة الأولى في تموز/يوليو، ثمرة إلى حد كبير للضغوط المتواصلة التي مارستها دول غربية عدة عقب اعتراف فرنسا ودول أخرى بدولة فلسطين العام الماضي.
في الأسابيع الأخيرة، تزايدت المؤشرات على احتمال إلغاء الانتخابات، ما دفع الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشئون الخارجية كايا كالاس إلى بذل محاولة أخيرة لإنقاذ العملية الانتخابية عبر اتصال هاتفي مع نائب الرئيس الشيخ، أكدت خلاله أن الانتخابات "تأخرت كثيراً" بعد مرور عشرين عاماً. وأثار التأجيل انتقادات حادة من أستراليا وكندا وفرنسا والمملكة المتحدة، التي أصدرت بياناً مشتركاً جاء فيه أن "هذا التأخير سيكون مخيباً للآمال بشدة وسيحرم الفلسطينيين مرة أخرى من فرصة التصويت، كما سيؤدي إلى مزيد من تآكل ثقة الجمهور في المؤسسات الديمقراطية". وأثار القرار استياءً شديداً لدى هذه الدول، لا سيما أنها تلقت تعهدات مكتوبة من الرئيس عباس بإجراء انتخابات وطنية قبل اعترافها بدولة فلسطين عام 2025.
وتتعهد السلطة الفلسطينية الآن بإجراء الانتخابات التشريعية في أيلول/سبتمبر 2027، بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية. لكن هذا التأجيل ستكون له تداعيات خطيرة على القيادة الفلسطينية، التي تعاني بالفعل من ضعف الشرعية في الداخل والخارج.
هل يتكرر سيناريو عام 2021؟
في الأيام الأخيرة، شدد المسؤولون الفلسطينيون على التحديات الاستثنائية التي تعرقل أي محاولة لإجراء انتخابات في الظروف الراهنة، بما في ذلك تعذر الوصول إلى غزة، وأزمة إيرادات السلطة الفلسطينية، وتصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين في الضفة الغربية. وأعرب بعض المسؤولين خصوصاً عن أسفهم لغياب الدعم الأمريكي الفعال لهذه العملية.
رغم الشكوك التي سادت طوال الصيف، فإن اللجنة الانتخابية المركزية الفلسطينية - وهي هيئة مقرها رام الله وتحظى باعتراف واسع النطاق بفضل كفاءتها وخبرتها -أكدت مراراً للمراقبين أنها ستكون قادرة على تنظيم عملية الاقتراع، بما في ذلك في غزة، حيث يعيش 40 في المائة من السكان الفلسطينيين. ورغم جسامة التحديات، التي لا ينبغي الاستهانة بها، فقد برزت أيضاً مؤشرات ملموسة على إحراز تقدم:
- في الضفة الغربية، نظمت لجنة الانتخابات المركزية انتخابات محلية في نيسان/أبريل دون صعوبات فنية كبيرة، رغم المشكلات المالية الحادة الناجمة عن أزمة السلطة الفلسطينية المالية.
- وفي غزة، نجحت اللجنة في تنظيم انتخابات محلية في دير البلح في نيسان/أبريل. غير أن تمكين 1.2 مليون من سكان غزة من التصويت في انتخابات وطنية يمثل تحدياً أكبر بكثير من تنظيم انتخابات بلدية في منطقة واحدة، في ظل نزوح معظم السكان، والقيود المستمرة على الوصول إلى القطاع، وغياب سجل للناخبين والبنية التحتية اللازمة للاقتراع. ومع ذلك، أكدت اللجنة أنها تعمل مع الجهات المحلية على إيجاد حلول عملية، بدعم ميداني من الأمم المتحدة.
- وفي القدس الشرقية، قررت السلطة الفلسطينية تفادي العقبة الدبلوماسية التي واجهتها خلال انتخابات عام 2021، حين كان متوقعاً أن تعارض الحكومة الإسرائيلية إجراء أي تصويت هناك. ولذلك، خططت السلطة لقصر اقتراع سكان القدس على مناطق مجاورة مثل كفر عقب وأبو ديس.
لماذا لم يكن هذا التقدم كافياً لإجراء الانتخابات في موعدها المقرر؟ أحد الأسباب هو أن عدداً محدوداً فقط من الدول كان يدفع باتجاه إجرائها، ما أضعف فرص تنسيق الجهود الدبلوماسية اللازمة لتجاوز العقبات المعروفة. غير أن المشكلة الأهم تمثلت في غياب الإرادة السياسية الحقيقية لدى قيادتي حركة "فتح" و"منظمة التحرير الفلسطينية"، اللتين كانتا تخشيان هزيمة انتخابية شبه مؤكدة. فقبل أيام قليلة من انتهاء مهلة تقديم قوائم المرشحين، لم يكن أي من الفصائل السياسية الرئيسية، وفي مقدمتها "فتح"، قد قدم قائمته. وما دامت "فتح" ضعيفة ومنقسمة، وتبدو غير مستعدة للمصالحة مع شخصيات بارزة انشقت عنها، مثل محمد دحلان وناصر القدوة، فستظل تخشى خوض الانتخابات.
ويعيد المشهد الحالي إلى الأذهان، من جوانب عديدة، ما حدث عام 2021، عندما ألغى عباس الانتخابات التشريعية في اللحظة الأخيرة على الرغم من الدعم الأوروبي القوي لإجرائها. فقد كان يخشى آنذاك أيضاً أن تتعرض "فتح"، المنقسمة على نفسها، لهزيمة قاسية، لكن قراره أدى في النهاية إلى تعميق الهوة بين الفلسطينيين وقيادتهم، وتسريع تآكل شرعية السلطة الفلسطينية، وتعزيز توجهها نحو الحكم الاستبدادي.
الرؤية الفرنسية: فرصة ضائعة
في ظل المناخ الراهن، الذي يتسم بالجمود السياسي في الأراضي الفلسطينية، وتدهور مؤسسات السلطة الفلسطينية، واستمرار الصراع في غزة، وتسارع التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، يرى المسؤولون الفرنسيون أن إجراء انتخابات وطنية قد يمنح العملية السياسية زخماً جديداً. ويستند هذا الموقف إلى عدة اعتبارات.
أولاً، ترى فرنسا ودول أخرى أن الانتخابات عنصر جوهري في أي مبادرة شاملة تهدف إلى فتح مسار سياسي موثوق للخروج من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ودعم حل الدولتين. في العام الماضي، دعا "إعلان نيويورك"، الذي قادته فرنسا والمملكة العربية السعودية وحظي بتأييد 142 دولة، إلى إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية لتحقيق هدفين: "تمكين المنافسة الديمقراطية بين الأطراف الفلسطينية الملتزمة باحترام البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية"، و"إتاحة الفرصة لجيل جديد من الممثلين المنتخبين لتولي المسؤولية". وجدد بارو التأكيد هذه الأهداف مؤخراً في مقال نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، كتب فيه: "إن السلطة الفلسطينية المتجددة هي وحدها القادرة على تمثيل الشعب الفلسطيني على الساحة العالمية والتفاوض على سلام دائم مع إسرائيل".
ثانياً، تؤكد الحكومة الفرنسية ضرورة إجراء الانتخابات الوطنية للحفاظ على الأمل لدى الفلسطينيين، ولا سيما جيل "ما بعد أوسلو"، وتجنب اندلاع موجات أوسع من العنف، في وقت بلغ فيه انعدام الثقة الشعبية بالسلطة الفلسطينية مستويات غير مسبوقة. ووفقاً للجنة الانتخابات المركزية، كان نحو 3 ملايين فلسطيني مؤهلين للمشاركة في الانتخابات، منهم 1.6 مليون في الضفة الغربية، و1.2 مليون في غزة، و140 ألفاً في القدس. وبما أن آخر انتخابات تشريعية جرت عام 2006، أي قبل عشرين عاماً، فإن أكثر من 50 في المئة من الناخبين الحاليين لم تتح لهم قط فرصة التصويت في انتخابات وطنية.
ثالثاً، ترى باريس أن إجراء الانتخابات ضروري لفتح صفحة جديدة في الحياة السياسية الفلسطينية بعد المذابح الإرهابية التي وقعت في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. والهدف من ذلك هو تمهيد الطريق لإقامة نظام حكم بعيد عن سيطرة "حماس"، بالتزامن مع الجهود الرامية لنزع سلاح الحركة. وقد أدى فوز "حماس" في انتخابات عام 2006 إلى إدخال الأراضي الفلسطينية في أزمة سياسية عميقة، لكن تلك التجربة قدمت دروساً مهمة لتجنب تكرار السيناريو نفسه. ولأول مرة، كان من المقرر أن يمنع القانون مرشحي "حماس" و"الجهاد الإسلامي الفلسطيني" والفصائل الإرهابية الأخرى من الترشح للمقاعد التشريعية، بموجب التعديلات التي أدخلها عباس على قانون الانتخاباتفي حزيران/يونيو الماضي. ووفاءً بتعهد قطعه عباس للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، نصت التعديلات على ضرورة التزام المرشحين بـ"البرنامج السياسي والوطني" لمنظمة التحرير الفلسطينية و"القرارات الدولية ذات الصلة". ويعني ذلك عملياً الاعتراف بدولة إسرائيل ضمن حدود عام 1967، ونبذ العنف السياسي، والقبول بالاتفاقات والالتزامات السابقة لمنظمة التحرير الفلسطينية. وتعكس هذه الشروط "مبادئ الرباعية" التي أقرت عام 2006، وأدت إلى مقاطعة دولية للحكومة التي قادتها "حماس".
وانتقدت "حماس" هذه الشروط ووصفتها بأنها "غير ديمقراطية" و"استبدادية"، وقاطعت الانتخابات المحلية التي جرت في نيسان/أبريل وفق إطار قانوني مماثل. أما الانتخابات التشريعية التي كان مقرراً إجراؤها، فلم يكن بوسع الحركة المشاركة فيها مباشرة. ولذلك، حاولت تشكيل ائتلاف مع أطراف أخرى، بينها شخصيات منشقة عن "فتح" مثل دحلان، وترشيح أكاديميين وتكنوقراط ورجال أعمال. وبعبارة أخرى، خلافاً لعام 2021، عندما تصدر خليل الحية، الرئيس الحالي لـ"حماس"، قائمتها الانتخابية، وعام 2006، عندما فازت الحركة بالانتخابات، لم يكن من المقرر أن يترشح أي مسؤول من "حماس" في الانتخابات التي كانت مقررة في تشرين الثاني/نوفمبر. أما احتمال تدخل الحركة في عملية التصويت، فهو مسألة منفصلة سنتناولها لاحقاً .
وفي ظل هذه القيود، إلى جانب الجهود الدبلوماسية المستمرة لنزع سلاح "حماس" وإقامة نظام حكم بديل، يمكن أن تشكل الانتخابات فرصة أخرى لتهميش الحركة، خاصة مع التراجع السريع في شعبيتها. فوفقاً لاستطلاعات الرأي الأخيرة التي أجراها "المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية" (منتصف تشرين الأول/أكتوبر)، و"مركز القدس للإعلام والاتصالات "مؤسسة فريدريش إيبرت" (آب/أغسطس)، و"معهد دراسات الأمن القومي" (تموز/يوليو)، تراجعت ثقة الفلسطينيين في "حماس"، مقابل ارتفاع التأييد للشخصيات المستقلة وحل الدولتين والمفاوضات السلمية.
وأخيراً، تكتسب الانتخابات أهمية خاصة في التمهيد لانتقال منظم للسلطة بعد عباس، وتجنب ما قد يصاحب خلافته من فوضى. فقد انتخب عباس عام 2005 لولاية كان يفترض أن تنتهي عام 2009، وهو اليوم من أكبر قادة العالم سناً. ولا تزال ترتيبات خلافته غير واضحة، في ظل التنافس بين شخصيات عدة، وغموض الإطار القانوني، وتزايد نفوذ نجله ياسر عباس تدريجياً. ومن شأن إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية أن يوفر آلية مؤسسية واضحة للاستعداد لمرحلة "اليوم التالي".
الطريق إلى انتخابات عام 2027: معقد، لكنه ليس مستحيلاً
بعد تحديد 11 أيلول/سبتمبر 2027 موعداً جديداً لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية معاً، يتعين على المجتمع الدولي مضاعفة جهوده للتحضير لانتخابات تتمتع بالشرعية وضمان إجرائها فعلياً. ورغم الشكوك التي لا تزال تحيط بالعملية، فإن أي تأجيل جديد قد يدفع السلطة الفلسطينية إلى مأزق سياسي خطير، لا سيما أن الانتخابات الرئاسية أصبحت الآن جزءاً من الاستحقاق المؤجل. ويتطلب ذلك جهوداً دبلوماسية مكثفة من أجل:
- فتح حوار مع الأطراف المعنية في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة و"مجلس السلام" والدول العربية الرئيسية، للاتفاق على برنامج مشترك لإصلاح السلطة الفلسطينية، يشمل إجراء الانتخابات الوطنية. ولا ينبغي أن تقتصر الجهود على مساعدة السلطة الفلسطينية، التي تعاني أصلاً من الضعف، على الصمود لعام آخر، بل يجب أن تشمل إصلاح مؤسساتها وتعزيز قدرتها على إدارة غزة بعد الحرب والإشراف على إعادة الإعمار، بما يتماشى مع خطة الرئيس ترامب المكونة من عشرين نقطة. فالانتخابات الوطنية ضرورية لتعزيز شرعية السلطة الفلسطينية، وبالتالي قدرتها على العودة إلى غزة وتقديم بديل موثوق لحكم "حماس".
- إشراك الحكومة الإسرائيلية المقبلة في التحضيرات للانتخابات الفلسطينية. وقد يوفر هذا الملف فرصة لاستعادة الثقة وفتح قنوات الحوار مع العواصم الأوروبية بعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، في إطار نقاش أوسع بشأن استقرار الضفة الغربية وغزة.
- تنسيق الاستعدادات الانتخابية مع عملية نزع السلاح، للحد من خطر محاولة "حماس" أو فصائل أخرى تعطيل التصويت أو التلاعب بنتائجه. ويتيح الموعد الجديد فرصة لربط التحضيرات الانتخابية بعملية نزع السلاح. وقد يشمل ذلك إسناد دور إلى قوة الشرطة الفلسطينية المستقبلية، التي ستخضع لإشراف "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، و"قوة الاستقرار الدولية"، في تأمين مراكز الاقتراع، بمساعدة بعثة دولية لمراقبة الانتخابات.
- التعاون مع الشركاء الإقليميين، ولا سيما مصر والأردن والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، لدعم الحوار والمصالحة بين الفصائل الفلسطينية المعتدلة، أي تلك التي تؤيد المسار السياسي السلمي وحل الدولتين مع إسرائيل. وبإمكان هذه الدول أيضاً مساعدة الاتحاد الأوروبي على حث السلطة الفلسطينية على إيلاء الأولوية للإصلاحات التي تعالج أبرز أسباب الاستياء الشعبي، ومنها سوء الإدارة وغياب الشفافية.
- حشد الشركاء الدوليين لإيجاد حلول فنية تتيح تنظيم اقتراع موثوق في مختلف أنحاء الأراضي الفلسطينية. ويشمل ذلك توفير دعم مكثف من "مركز الدعم الدولي لغزة" و"ومكتب تنسيق أعمال الحكومة في المناطق " (COGAT) التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، لتسهيل إدخال المواد الأساسية اللازمة للانتخابات إلى غزة، مثل حبر الاقتراع ومعدات تكنولوجيا المعلومات، وضمان الهدوء أثناء التصويت.
- الاستعداد لنشر بعثة مراقبة قوية بقيادة الاتحاد الأوروبي في غزة والضفة الغربية، لمتابعة الانتخابات وضمان نزاهة الاقتراع. وينبغي أن تشمل هذه الجهود تقديم دعم مالي دولي إلى لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية.