- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4288
مع تزايد الاضطرابات في تونس، ينبغي للولايات المتحدة ألا تتأخر في التحرك
يبدو أن حكومة سعيد لا تسعى إلا إلى البقاء في السلطة حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة، لكن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار سياسياً واقتصادياً ما لم تمد واشنطن يد العون.
بعد صيف كارثي، تواجه الحكومة التونسية مستقبلاً غامضاً لا يقل غموضاً عما واجهته في أي وقت مضى. وقد بدأت المعارضة تظهر قدراً أكبر من التماسك، لكن ملامح انتقال واضح ينهي الحكم السلطوي للرئيس قيس سعيد لا تزال غائبة. ولتفادي انهيار فوضوي قد تمتد تداعياته إلى المنطقة، ينبغي للولايات المتحدة أن تبادر من الآن إلى دعم اقتصاد البلاد وتعزيز المساعدات الأمنية والاستعداد لمرحلة انتقالية آتية لا محالة.
وضع غير قابل للاستمرار
يصعب قياس شعبية سعيد بدقة في غياب استطلاعات رأي موثوقة، لكن مؤشرات عدة توحي بأنه فقد ثقة التونسيين. فإعادة انتخابه قبل عامين شابتها مخالفات قانونية وجرت وسط عزوف واسع عن التصويت، فيما كانت المشاركة في الانتخابات المحلية شبه معدومة. كما تبدو المظاهرات المؤيدة له هزيلة، في حين تزايدت الانتقادات العلنية الموجهة إليه بما فيها انتقادات صادرة عن نواب في البرلمان. وفي العام الماضي عادت إلى الواجهة حركة احتجاجية كبيرة في مدينة قابس جنوب البلاد، فلفتت الأنظار بأعداد المشاركين فيها وأعادت إلى الأذهان الحركات التي أطاحت في الماضي بحكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. واستمرت الاحتجاجات خلال عام 2026، ومنها احتجاج كبير شهدته العاصمة تونس في 17 تشرين الأول/أكتوبر، وأفادت تقارير بأنه دفع قوات الشرطة التابعة لسعيد إلى الاشتباك مع المتظاهرين.
وفي الأثناء تدهورت الظروف المعيشية للتونسيين هذا الصيف بسبب نقص إمدادات الكهرباء والمياه وسط موجات حر متتالية غير مسبوقة. ويبدو أن سعيد لم يعد يجد من يحمله المسؤولية، فقد غير ستة رؤساء حكومات خلال سبع سنوات، كما تظهر أدلة قدمها مسؤولون في إدارته نفسها أن الاستثمارات في قطاع الكهرباء ظلت قاصرة تماماً عن تلبية الاحتياجات طوال فترة حكمه. وقد هزت أزمة الكهرباء أيضاً ثقة التونسيين بتصريحاته عن السيادة الوطنية، بعدما أصبحت البلاد تعتمد على الغاز الجزائري حتى في توليد الكهرباء. ومع التضخم العالمي واستمرار قصور الاستثمارات الحكومية في قطاعات أخرى، أدت اضطرابات الصيف إلى ارتفاع حاد في تكاليف المعيشة، وأسهمت في نقص السلع وتصاعد التوتر بين المواطنين وهم يتسابقون للحصول على ما ندر من الحاجات الأساسية.
ومع ذلك لا توجد دلائل على أن الحكومة تملك خطة لمعالجة هذه الأزمة. إذ يبدو أن مشروع موازنة عام 2027 يعتمد على سياسة الاقتراض الداخلي نفسها التي تتبعها تونس منذ رفضها قرضاً من صندوق النقد الدولي عام 2022. وقد تتضرر مصادر التمويل الخارجي مثل تحويلات المغتربين وعائدات السياحة هي الأخرى بسبب سوء الإدارة في الداخل والتراجع الاقتصادي العالمي. يضاف إلى ذلك أن احتياطيات النقد الأجنبي وفق المقياس الأكثر شيوعاً تراوح حول مستوى يكفي لتغطية واردات 90 يوماً، وهي عتبة نفسية يؤدي النزول دونها عادة إلى سلوكيات يحركها الذعر مثل تخزين السلع.
ماذا بعد؟
من الواضح أن السلطات التونسية ستحتاج في مرحلة ما إلى اتخاذ إجراءات جذرية لتفادي أزمة أوسع، لكنها تبدو غير مستعدة لذلك. ولا تزال أمام سعيد ثلاث سنوات في ولايته الحالية، غير أن كثيرين يتوقعون انتهاءها قبل أوانها، إما لعجزه عن مواصلة تسيير شؤون البلاد أو بسبب ما يتردد عن تدهور حالته الصحية.
لكن بعض السيناريوهات تظل مستبعدة. فكثير من التونسيين قد يترددون في المشاركة في انتفاضة شعبية واسعة جديدة، بعدما أخفقت “العشرية السوداء” التي أعقبت ثورة عامي 2010 و2011 في تحقيق مزيد من الحريات أو النمو الاقتصادي. كما يظل احتمال وقوع انقلاب عسكري بعيداً بالنظر إلى عزوف الجيش عن الخوض في السياسة.
وخيارات سعيد محدودة أيضاً. فتغيير رئيس الحكومة مرة أخرى لن يرضي أحداً على الأرجح. ويتكهن البعض بأنه قد يعين وزيرة العدل ليلى جفال في هذا المنصب، ولعل من أسباب ذلك أنها الوزيرة الوحيدة التي لم يقلها بعد. لكنها تفتقر إلى الشعبية بعدما فقد القضاء التونسي استقلاله وهو الذي كان يحظى بالاحترام في السابق. وثمة خيار آخر يكثر الحديث عنه، وهو تعيين رئيس حكومة مرتبط بالمؤسسة العسكرية التي تبدو المؤسسة الوحيدة التي لا تزال تحظى بشيء من ثقة التونسيين. غير أن هذا الخيار سيكون صعباً على سعيد لأنه يخشى تمكين شخص قد يصبح أكثر شعبية منه.
لذلك يبدو الانتقال المنظم الخيار الأكثر واقعية والأوفر حظاً. فعندما تتحدث شخصيات المعارضة عن تونس ما بعد سعيد، فإنها تطرح عادة تشكيل إدارة انتقالية من التكنوقراط تستمر عاماً أو عامين بوصفها خطوة أولى. وقبل إعلان خريطة طريق سياسية والشروع في تنفيذها، سيكون على السلطات أن تطمئن التونسيين أولاً إلى أن مؤسسات البلاد والقيادات السياسية المحتملة جديرة بالثقة. وستحتاج البلاد أيضاً إلى فترة انتقالية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، على الأرجح من خلال حزمة تمويل من صندوق النقد الدولي أو قرض خارجي كبير آخر، ولإعادة إرساء إطار دستوري وتشريعي سليم لإجراء الانتخابات.
لكن لا شيء يضمن أن ينطلق هذا المسار أصلاً. فالمعارضة التونسية المعروفة بتشرذمها الشديد لم تظهر حتى الآن أنها توحدت حول خطة مشتركة، فضلاً عن الالتفاف حول قائد واحد أو تكتل موحد.
ما الذي ينبغي للولايات المتحدة فعله؟
حتى لو تمكن سعيد من الحفاظ على تماسك حكومته حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2029، فإن محاولة تحقيق انتقال عبر صناديق الاقتراع ستظل في أحسن الأحوال غير مضمونة النتائج. فلا بد من تحسن كبير في نسبة المشاركة وغيرها من المؤشرات مقارنة بانتخابات عام 2024، وإلا فستثار الشكوك حول شرعية أي رئيس يخلفه وحول تفويضه الشعبي. كما يمكن الافتراض أن سعيد سيضطر إلى مواصلة قمع المعارضة لمجرد البقاء في السلطة حتى ذلك الحين، ما يعني أن أبرز المرشحين لخلافته سيكونون على الأرجح من موظفي النظام الحالي الذين لا يملكون برنامجاً جديداً قابلاً للتطبيق.
أما البديل، أي حدوث انهيار قبل عام 2029، فهو أشد إثارة للقلق لأنه سيزيد سريعاً من خطورة الأوضاع في المنطقة بأكملها. فمن بين المخاطر الأخرى أن ضعف تونس قد يؤدي إلى تفاقم الاتجار بالبشر والمخدرات عبر الحدود، بما يزيد من زعزعة الاستقرار في ليبيا ومنطقة الساحل.
في المقابل، قد تساعد زيادة الدعم الأمريكي على منع تحقق أي من هذين السيناريوهين، مع الاستفادة من المقومات الجغرافية والديموغرافية للبلاد. ومن شأن ذلك أيضاً أن يبقي الباب مفتوحاً أمام إعادة تونس إلى المسار الديمقراطي، وهي مهمة صعبة لكنها تظل ممكنة بالنظر إلى قلة عدد سكان البلاد وتجانسهم وتاريخها السلمي. ومع أن دروس عام 2011 تظهر ضرورة أن تضبط السلطات سقف توقعات التونسيين وألا تتعجل الخطوات، فإن أي إجراءات تساعد على استعادة الاستقرار خلال العام أو العامين المقبلين ستكون بداية مشجعة.
وعلى الرغم من دعم واشنطن لتونس على مدى سنوات طويلة، فقد تقلصت المساعدات الأمنية والاقتصادية الحيوية في السنوات الأخيرة بسبب الإجراءات السلطوية التي اتخذها سعيد. كما أن الإدارة الأمريكية لم توفد إلى تونس منذ عام 2025 سوى مسؤول رفيع واحد هو المستشار الخاص مسعد بولس، باستثناء التواصل العسكري المنتظم عبر القيادة الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم». غير أن دعم أي انتقال مستقبلي سيتطلب أكثر من مجرد مناورات عسكرية وصفقات تجارية، إذ سيكون على الإدارة بالتعاون مع شركائها الأوروبيين أن تعزز التزامها بالإصلاح الاقتصادي والتغيير السياسي واحترام حقوق الإنسان وأن تحافظ على هذا الالتزام.
وينبغي أن تنصب الأولوية العاجلة على منع مزيد من التدهور في تونس والحفاظ على علاقة تستطيع واشنطن البناء عليها بعد خروج سعيد من السلطة. فالاستثمار في تونس اليوم قد يعزز النفوذ الأمريكي فيها على المدى البعيد من خلال تحسين صورة الولايات المتحدة لدى التونسيين، كما قد يجعل البلاد أكثر استعداداً لمحاولة جديدة للانتقال السياسي في المستقبل. ولتحقيق هذه الأهداف، ينبغي لإدارة ترامب أن تعمل على ما يلي:
زيادة المساعدات الأمنية ومساعدات مكافحة الإرهاب. ساعدت المساعدات الأمنية الأمريكية على مدى عقود، ومنها تمويل سنوي بنحو مليوني دولار عبر برامج التعليم والتدريب العسكري الدولي (IMET)، على حماية تونس من الأنشطة الإرهابية وترسيخ فهم سليم للعلاقة بين المدنيين والعسكريين داخل القوات المسلحة. ولأن الجيش يولي أهمية لعلاقته بواشنطن، ولأن سعيد يعتمد جزئياً على دعم كبار الضباط، فقد أسهمت هذه المساعدات الأمنية بصورة غير مباشرة في ثني تونس عن التوجه بدرجة أكبر نحو الصين أو غيرها من خصوم الولايات المتحدة. ومع ذلك تراجع ما قدمته واشنطن لتونس في إطار برنامج التمويل العسكري الأجنبي إلى نحو 20 مليون دولار في السنة المالية 2025 بعد أن كان 85 مليون دولار في السنة المالية 2021. وفي الشهر الماضي أخطرت وزارة الخارجية الكونغرس بأنها تعتزم إعادة تخصيص جزء من هذا التمويل لدول في نصف الكرة الغربي. وأي تخفيضات إضافية لن تبعث فقط برسالة تفيد بعدم اهتمام الولايات المتحدة بتونس، بل ستجعل البلاد أيضاً أكثر عرضة للتطرف. لذا ينبغي توسيع المساعدات الأمنية لتونس خلال هذه المرحلة الحيوية التي تسبق الانتقال، ومن أسباب ذلك تفادي التداعيات المحتملة على استقرار المنطقة التي سبقت الإشارة إليها. وفي الوقت نفسه ينبغي لواشنطن أن تولي عناية لخطابها العلني، وأن توضح للتونسيين أنها ستخضع هذه المساعدات لتدقيق متأن لضمان ألا تستغل قوات الأمن الداخلي التمويل الإضافي في ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.
تعزيز برامج تبادل الزيارات. في ضوء الضعف الشديد الذي أصاب الأحزاب السياسية التونسية منذ عام 2011، ينبغي لواشنطن أن تبذل ما في وسعها لدعم قيام حياة سياسية قوية وتهيئة التونسيين لظهور جيل جديد من القيادات. ويمكنها على سبيل المثال إتاحة فرص لشباب تونسيين واعدين لزيارة الولايات المتحدة، بما قد يساعد على بناء جسور مع قادة المستقبل واستعادة ثقة التونسيين بالعمل السياسي الديمقراطي.
تمويل استثمارات متعددة الأطراف وإحياء المبادرات الداعمة للنمو الاقتصادي. بمجرد أن يتضح أن جهود الإصلاح الاقتصادي قد دخلت حيز التنفيذ، ينبغي لإدارة ترامب أن تتعاون مع المؤسسات المالية الدولية في مشاريع أطول أمداً تساعد على إعادة تونس إلى مسار أكثر ازدهاراً، ومنها مبادرات البنية التحتية والتعليم. وينبغي لها أيضاً إعادة إحياء اتفاق مؤسسة تحدي الألفية والصندوق التونسي الأمريكي للمؤسسات، بما يمكن أن يساعد على تعزيز القطاع الخاص وتوطيد الروابط مع الجهاز الإداري القائم للدولة. ولا يزال كثير من التونسيين ينظرون بعين الريبة إلى التدخل الدولي، لذلك سيتعين على المسؤولين الأمريكيين التشديد على الشفافية وتوضيح المنافع الملموسة لهذه المشاريع مثل توفير فرص العمل ونقل التكنولوجيا.
زيادة الضغط على الحكومة لوقف انتهاكات حقوق الإنسان. رغم خطاب سعيد المناهض للغرب، فإنه لا يزال يتأثر بالضغوط الأمريكية والأوروبية، كما أظهر الإفراج عن المدافعة عن حقوق الإنسان سنية الدهماني من السجن. وقد وجهت إدارة ترامب بالفعل رسائل إلى السلطات التونسية بشأن هذه المسألة عبر قنوات غير علنية، لكن قد تكون هناك حاجة إلى مواصلة الضغط لدفعها إلى اتخاذ خطوات أوسع وإيصال رسالة دعم معنوي إلى الساعين إلى التغيير.