- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4234
كيف يمكن لنموذج إعادة التأهيل الديني المغربي أن يساعد غزة
على الرغم من أن الاختلافات الدينية والاجتماعية المحلية قد تفرض بعض التحديات، فإن قابلية النموذج المغربي في مكافحة التطرف للتطبيق في بيئات أخرى، إلى جانب فعاليته المثبتة، والعلاقات العملية الجيدة التي تربط المملكة بالحكومة الإسرائيلية، تجعل من المغرب مرشحاً جديراً بالاهتمام للإسهام في الجهود الأوسع الرامية إلى تحقيق الاستقرار في غزة.
مع انعقاد "مجلس السلام "الذي تقوده الولايات المتحدة في قبرص هذا الأسبوع لمناقشة قضايا الحوكمة واستقرار غزة في مرحلة ما بعد الحرب، يتجه الاهتمام بشكل متزايد من العمليات العسكرية إلى تنفيذ "خطة النقاط العشرين" التي وضعتها إدارة ترامب. ومن بين الأسئلة التي لم تُحسم بعد يبرز سؤال من هم الشركاء الإقليميون القادرون عملياً على الإسهام في إعادة بناء مؤسسات القطاع وإعادة تأهيلها بعد سنوات من حكم "حماس"؟ وتشير تجربة المغرب في مجال مكافحة التطرف إلى أنه قد يكون مؤهلاً للاضطلاع بدور مهم في هذا الصدد.
على مدى العقدين الماضيين، طور المغرب نظاماً دينياً تشرف عليه الدولة، قوامه تدريب ديني خاضع لرقابة وثيقة وبرامج للتواصل المجتمعي. ويستحق هذان البرنامجان، اللذان يندرجان ضمن منظومة مؤسسية واحدة ويشرف عليهما مسؤولون حكوميون، الدراسة في سياق غزة، لأنهما لا يقتصران على إعادة تأهيل المتطرفين الدينيين العنيفين، بل يشملان أيضاً مجموعة واسعة من المهام الإدارية والتدريبية اللازمة. علاوة على ذلك، يتمتع المغرب بخبرة واسعة في التنسيق مع الحكومة الإسرائيلية والتفاعل مع الجهات الفاعلة الفلسطينية المحلية. ونظراً للعلاقات الاستراتيجية التي تربط الرباط بواشنطن والقدس، إلى جانب خبرتها الراسخة في مكافحة التطرف، فقد تكون في موقع يؤهلها للإسهام بفعالية في تنفيذ أحد العناصر الحاسمة في الخطة الأمريكية.
لماذا أنشأ المغرب هذا النظام؟
تبلور الإطار الديني الحالي للمملكة في أعقاب تفجيرات الدار البيضاء عام 2003. عقب تلك الهجمات، تمكن المسؤولون من ربط منفذي التفجيرات بدعاة سلفيين جهاديين متطرفين في الأحياء الفقيرة. وخلصت السلطات إلى أن ضعف الرقابة الحكومية أتاح للدعاة المتطرفين والشبكات المرتبطة بتنظيم القاعدة نشر أفكارهم عبر المساجد والمدارس الدينية، والتغلغل في المؤسسات الدينية المحلية، وتجنيد الشباب الأكثر عرضة للاستقطاب، وتغذية النزاعات.
ورداً على ذلك، سارعت الرباط إلى تعزيز دور الدولة في هذا القطاع. فقد وضعت السلطات جميع المساجد تحت إشراف وزارة الشؤون الإسلامية، التي تتولى الآن تعيين جميع الأئمة وترخيصهم، كما تشرف على تمويل المساجد وإيرادات الأوقاف الدينية. وقبل عام 2003، كان العديد من الأئمة يُختارون محلياً أو بصورة غير رسمية؛ أما اليوم، فيتعين على كل واعظ إتمام برنامج تدريبي ترعاه الحكومة واجتياز امتحان رسمي. كما أعادت الحكومة صياغة مناهج تعليم القرآن في المدارس وأدلة الخطب بما يركز على التقاليد الإسلامية المالكية في المغرب القائمة على التسامح والوحدة الوطنية، بدلاً من إبراز مقاطع من النصوص الدينية التي يمكن تأويلها أو استغلالها لتبرير العنف. وفي عام 2015، افتتح الملك "معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات" في الرباط لتدريب مئات الأئمة والمرشدين الدينيين وفقاً لهذا المنهج الموحد والمعتدل.
كما أصبح المعهد أداةً رئيسية في جهود المغرب لمكافحة التطرف في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل. ومع تصاعد العنف الجهادي في تلك المناطق، سعت عدة حكومات إفريقية إلى الاستفادة من الخبرة المغربية في تدريب المسؤولين الدينيين لمواجهة الخطاب المتطرف في المساجد والمجتمعات المحلية. وقد أسهمت مركزية النظام الديني المغربي، واعتماد مناهج موحدة، وتوافر كوادر تدريبية مؤهلة أعدّتها الدولة، في ترسيخ مكانة المغرب بوصفه مؤهلًا لتلبية هذا الطلب. ومن خلال المعهد، يتلقى الأئمة الأجانب تدريباً في العقيدة الإسلامية، والفقه المالكي، والتواصل المجتمعي، والإرشاد، ومهارات الاتصال، بما يسهم في توسيع دائرة الأصوات الدينية المعتدلة خارج المغرب، ويحد من خطر هيمنة أي حركة متطرفة على الخطاب الديني المحلي.
وإلى جانب المعهد، تشرف الرباط على برنامج آخر مستقل، ولكنه وثيق الصلة به، يركز على المرشدين والمرشدات، وهم مرشدون دينيون معتمدون من الدولة، من الرجال والنساء، يعملون في المساجد والمدارس والسجون والمجتمعات المحلية. ويتواصل هؤلاء مع العائلات، ويقدمون المشورة للشباب، ويجيبون عن الأسئلة الدينية، ويعملون على ترسيخ تفسيرات للإسلام ترفض العنف وسائر أشكال الفكر المتطرف.
تقييم الفعالية
لا تزال الأدلة الملموسة على الآثار بعيدة المدى والفعالية العامة لهذه البرامج محدودة، إذ تركز معظم المؤشرات العامة على أعداد المستفيدين والشراكات وتجديد اتفاقيات التدريب، بدلاً من قياس نتائجها على المدى الطويل. كما لا تتوافر سوى بيانات مستقلة محدودة توضح ما إذا كان رجال الدين الذين تلقوا تدريبهم في المغرب قد أسهموا في الحد من تجنيد المتطرفين أو تقليص نفوذهم بعد عودتهم إلى بلدانهم. ومع ذلك، فإن الحجم المؤسسي للنظام المغربي واستمراريته، إلى جانب الطلب الخارجي المتواصل على برامجه، يوحيان بأن هذه الجهود حققت قدراً من النجاح. ووفقاً لأحدث الأرقام المتاحة حتى أواخر عام 2022، درب "معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات" أكثر من 2,798 من رجال الدين الأجانب في أنحاء إفريقيا وأوروبا. كما واصلت الاتفاقيات الثنائية اتساعها، بما في ذلك مذكرة تفاهم أُبرمت في تموز/يوليو 2025 لتدريب 400 إمام مالي إضافي.
كما أظهر المغرب قدرته على مواءمة برامجه مع السياقات المحلية خارج إفريقيا، بما في ذلك إسرائيل والضفة الغربية. وتتولى "وكالة بيت مال القدس الشريف "، وهي هيئة أنشأتها منظمة التعاون الإسلامي عام 1998 لحماية تراث المدينة ودعم الفلسطينيين، تنفيذ برامج التدريب الديني في القدس. ويُذكر أن الوكالة يرأسها الملك محمد السادس، ويمول المغرب الجزء الأكبر من أنشطتها، مما يتيح للرباط إقامة شراكات مع الجامعات الفلسطينية والمجالس البلدية والمستشفيات والجمعيات الخيرية لتمويل المشاريع الإنسانية والمدنية، مثل المدارس والعيادات ودعم الأيتام والمبادرات الثقافية، وهي أنشطة يصعب الاضطلاع بها عبر المؤسسات العسكرية أو أجهزة مكافحة الإرهاب.
ورغم أن المهمة الأساسية للوكالة تركز على القدس الشرقية، فإنها وسعت نطاق عملياتها منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 ليشمل غزة أيضاً، حيث وزعت مواد غذائية على الأسر النازحة في خان يونس ومدينة غزة ومخيم البريج، بدعم مالي من الجمعية المغربية لدعم الإعمار في فلسطين. كما واصلت الوكالة تقديم الدعم التعليمي الذي كانت توفره لجامعة الأزهر في غزة، من خلال إتاحة البنية التحتية السحابية، وتقديم منح دراسية للطلاب تمكنهم من مواصلة دراستهم في المغرب.
من خلال عملها في القدس الشرقية والضفة الغربية وغزة، اكتسبت الرباط خبرة واسعة في التنسيق مع السلطات الإسرائيلية لتأمين التصاريح وتسهيل الوصول إلى المناطق المستهدفة. ويُظهر التدفق المستمر للمشاريع والتمويل المغربي خلال أزمة غزة أن الرباط نجحت في الحفاظ على تعاون كلٍّ من الشركاء الفلسطينيين والمسؤولين الإسرائيليين.
لماذا تُعد برامج المغرب ذات صلة بغزة
لطالما أشارت استطلاعات الرأي إلى أن الدين يحتل مكانة مركزية في الحياة الاجتماعية والسياسية في غزة، ومنها استطلاع البارومتر العربيلعام 2019، الذي أظهر أن 59% من المستجيبين المحليين يؤيدون سن تشريعات تستند إلى الشريعة الإسلامية. وبالفعل، منذ عام 2007، ربطت حركة "حماس" حكمها ارتباطاً وثيقاً بالمؤسسة الدينية، وفرضت إطاراً تشريعياً صارماً شمل (مثل مراقبة ملابس النساء والفصل بين الجنسين)، واعتقلت من يتحدون تفسيراتها. كما استخدمت وزارة الشؤون الدينية للإشراف على تعيين رجال دين موالين للحركة، وتوحيد خطب الجمعة، وتوجيه الرسائل الدينية التي تُبث عبر المساجد والفعاليات المجتمعية بما يخدم أهدافها السياسية ويعزز قدرتها على تجنيد الأنصار.
ولا يمكن لأي نظام حكم يخلف "حماس" أن يعزل الدين ببساطة عن الحياة العامة؛ فغزة لا تزال ذات أغلبية ساحقة من المسلمين، ويحدد القانون الأساسي الفلسطيني الإسلام باعتباره الدين الرسمي للدولة. لكن يمكنه الحد من توظيف المسؤولين للدين كأداة سياسية، وهو الهدف الذي صُمم النموذج المغربي لتحقيقه، الأمر الذي يجعل تجربته جديرة بالاهتمام في هذا السياق. وتتمثل أبرز عناصر قوة هذا النموذج في بنيته الإدارية، التي تشمل نظاماً لترخيص رجال الدين، ومناهج موحدة تركز على التسامح والاعتدال، وآلية لمراجعة خطب الجمعة، وبرنامجاً متكاملاً لتأهيل الأئمة والمرشدين. وسيقتصر دور المملكة على تدريب رجال الدين والإداريين الفلسطينيين ليتولوا إدارة هذا النظام بأنفسهم، وفقاً لنهج "تدريب المدربين" الذي تطبقه الرباط بالفعل مع رجال الدين في تونس ومالي. وسيكون الفلسطينيون أنفسهم، لا المغاربة، هم المسؤولون عن إصدار التراخيص، وتدريس المناهج، وإلقاء الخطب، بما يبدد الانطباع بأن هذا النظام مفروض من الخارج. ومع ذلك، لن يكون المقصود نقل المحتوى الفقهي للنظام المغربي بحذافيره. فالمناهج الدراسية المغربية تستند إلى الفقه المالكي، في حين أن الحياة الدينية في غزة تقوم أساساً على المذهبين الشافعي والحنفي، الأمر الذي يستلزم من المدربين الفلسطينيين تكييف المحتوى بما يتوافق مع بيئتهم الفقهية. ومع ذلك، فإن البنية المؤسسية الجاهزة للتطبيق في النموذج المغربي تمثل قيمة في ذاتها، لا سيما في ظل عدم وجود نماذج عربية، أو حتى فلسطينية، مماثلة يمكن نقلها بسهولة. ولم يكن لوزارة الأوقاف التابعة للسلطة الفلسطينية أي وجود فعلي في غزة منذ عام 2007، في حين ترتكز السلطة الدينية في مصر على الشرعية التاريخية لمؤسسة واحدة عريقة، هي الأزهر، وليس على نظام بيروقراطي حديث قابل للتطبيق في دول أخرى.
كما سيتعين على السلطات أخذ القيود الأخرى التي قد تحد من ملاءمة المغرب للاضطلاع بدور في إعادة تنظيم الشأن الديني في غزة بعين الاعتبار. أولاً، لا توجد علاقات تاريخية عميقة بين المجتمعات المسلمة المغربية والفلسطينية، ولا تتمتع المؤسسات الدينية المغربية بالمكانة العلمية الواسعة التي تحظى بها مؤسسات مثل الأزهر، إذ تستمد شرعيتها إلى حد كبير من المؤسسة الملكية، التي لا يوجد لها نظير فلسطيني. وثانياً، قد تثير العلاقات الوثيقة للمغرب مع إسرائيل والغرب الشكوك لدى الفلسطينيين الذين يتوجسون من التأثير الخارجي، مما يجعل الحفاظ على الحياد الظاهر أمراً ضرورياً. وثالثاً، فإن سجل المغرب في إعادة إدماج العناصر المتطرفة من مواطنيه ليس خالياً من التحديات. وفى هذا الصدد، لم تستعد المملكة سوى بضع مئات من أصل 1,667 مغربياً تُقدَّر مشاركتهم في القتال في سوريا والعراق منذ عام 2012، كما تباطأت لسنوات في التحرك على هذا الصعيد قبل أن تدفعها الضغوط الدولية إلى اتخاذ خطوات أكثر جدية. ورابعاً، صُممت برامج مكافحة التطرف في المغرب أساساً لمواجهة الشبكات السلفية الجهادية، في حين تستمد "حماس" شرعيتها من أيديولوجية جماعة "الإخوان المسلمين"، وهو مسار فكري مختلف يتطلب مقاربة عقائدية خاصة. ولا يعني أي من ذلك استبعاد المغرب من أداء هذا الدور، بل يقتضي أن يكون دوره محدداً بدقة ومراعياً لهذه الاعتبارات.
كما أن أي محاولة لاستلهام النظام المغربي ستعتمد أيضاً على استعداد الفلسطينيين لتزويده بالموظفين وإدارته، وليس مجرد تلقيه. أظهر استطلاع رأي أُجري في أيار/مايو 2025 تزايد الإحباط بين سكان غزة من حكم "حماس"، وارتفاع التأييد للاحتجاجات المناهضة للحركة، إلى جانب تركيز قوي على إعادة الإعمار والاستقرار، مما يشير إلى وجود رغبة في التغيير بدلاً من التمسك بالوضع الراهن. غير أن هذه الرغبة لن تترجم إلى نتائج ملموسة من دون وجود مؤسسة قادرة على توظيفها وتحويلها إلى سياسات وإجراءات عملية.
تضم "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" (NCAG)، وهي هيئة فلسطينية تكنوقراطية خضعت للتدقيق من جانب إسرائيل وتعمل تحت إشراف "مجلس السلام" بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، لجنةً معنيةً بالشؤون الدينية تتولى الإشراف على خدمات المساجد وإدارة الأوقاف الإسلامية. ولا تزال اللجنة في مراحلها الأولى، ولذلك ركزت جهودها التشغيلية حتى الآن على الاحتياجات الأكثر إلحاحاً، مثل الصحة والمياه والصرف الصحي. غير أن هذا الفراغ يفتح أيضاً نافذة مهمة، إذ إن أي شريك يسهم في بناء قدرات اللجنة سيشارك عملياً في رسم ملامح إدارة الشأن الديني في غزة مستقبلاً، بدلاً من الاضطرار إلى إصلاحها بعد ترسخها. ويبدو المغرب مؤهلاً للإسهام في هذا المجال من خلال تدريب رجال الدين والإداريين الذين سيتولون العمل في هذه الهيئة.
ومع ذلك، لا تزال هناك جملة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات، من بينها ما إذا كانت "اللجنة الوطنية لإدارة غزة "ستعطي الأولوية لهذه المهمة، ومن سيتولى تمويلها، وكيف يمكن الحيلولة دون قيام "حماس" بعرقلة هذه الجهود التي تمثل تهديداً مباشراً لهيمنتها على المؤسسة الدينية، وأخيراً ما إذا كانت إسرائيل و"مجلس السلام" سيوافقان على اضطلاع المغرب بهذا الدور.
وفيما يتعلق بهذه النقطة الأخيرة، ينبغي للسلطات أن تضع في اعتبارها الميزة العملية الأبرز التي يتمتع بها المغرب، والتي لا تقتصر على محتوى برامجه، بل تتمثل أيضاً في علاقة العمل التي تربطه بإسرائيل في إطار "اتفاقيات أبراهام "، وهو ما قد يسهم بدرجة كبيرة في تسهيل التنسيق مع مختلف الجهات المعنية. ومع ذلك، لن تشكل مساهمة المغرب سوى جزء من الحل، إذ سيظل النجاح على المدى الطويل مرهوناً أيضاً بتحقيق الحوكمة الرشيدة، وتحسين التعليم، ودفع التعافي الاقتصادي، وتوفير أفق سياسي ذي مصداقية. ومن المرجح أن تحقق برامج الرباط أقصى قدر من الفعالية عندما تُدمج ضمن إطار أشمل لتحقيق الاستقرار، لا عندما يُنظر إليها بوصفها حلاً مستقلاً بذاته.