- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4282
دراسات الشرق الأوسط في أمريكا: الماضي والحاضر والمستقبل
يناقش أربعة باحثين سبل النهوض بهذا المجال في ظل الاستقطاب المتزايد الذي يشهده، بعد مرور خمسة وعشرين عاماً على نشر النقد الرائد الذي قدمه مارتن كريمر.
في الثالث عشر من تشرين الأول/أكتوبر، عقد "معهد واشنطن" منتدى سياسياً افتراضياً بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لنشر كتاب "أبراج عاجية على الرمال: فشل دراسات الشرق الأوسط في أمريكا"، بمشاركة مؤلف الكتاب مارتن كريمر، إلى جانب روبرت ساتلوف وراشيل فيش وغاري سامور. الدكتور كريمر هو زميل "والتر ب. ستيرن" في المعهد، ومؤرخ متخصص في شؤون الشرق الأوسط بـ"جامعة تل أبيب"، والرئيس المؤسس لـ"كلية شاليم" في القدس. أما الدكتور ساتلوف فهو المدير التنفيذي لـ"سيغال" في المعهد، وشاغل كرسي "هاورد ب. بيركوفيتز" حول السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط في المعهد، ومؤسس برنامج الماجستير المشترك مع "جامعة بيبرداين". ويشغل الدكتور سامور منصب مدير "مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط" في "جامعة برانديز"، وهو زميل أقدم في "مركز بلفر للعلوم والشؤون الدولية" بـ"جامعة هارفارد"، وشغل سابقاً منصب منسق البيت الأبيض لشؤون الحد من التسلح وأسلحة الدمار الشامل. أما الدكتورة فيش فهي الرئيسة التنفيذية الجديدة لـ"معهد إسرائيل"، ومديرة مبادرة مكافحة معاداة السامية بـ"جامعة برانديز"، وأستاذة باحثة مشاركة في "مركز كوهين للدراسات اليهودية الحديثة".
وفيما يلي ملخص أعده المقررون لمداخلاتهم.
روبرت ساتلوف
يُعد كتاب "أبراج عاجية على الرمال" أحد أهم الأعمال التي أصدرها "معهد واشنطن" على الإطلاق، إذ ترك أثراً واضحاً في توجه منشوراته خلال ربع القرن الماضي. وقد صدر الكتاب بعد ثلاثة أسابيع من هجمات 11 أيلول/سبتمبر، ولا يزال يحظى بالتقدير لقيامه بتحليل الطريقة التي تتناول بها الأوساط الأكاديمية الشرق الأوسط. كما ألهمت انتقاداته برنامج ماجستير دراسات سياسات الشرق الأوسط الذي أنشئ بالتعاون بين المعهد و"جامعة بيبرداين". ويسعى البرنامج، الذي دخل الآن عامه الثاني، إلى تقديم مسار بديل لإعداد الجيل القادم من الممارسين وخبراء السياسات والدبلوماسيين المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط.
مارتن كريمر
لقي كتاب "أبراج عاجية على الرمال" صدى واسعاً عند صدوره في أعقاب هجمات 11 أيلول/سبتمبر، وما زال يلقى صدى مماثلاً اليوم في أعقاب هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر. وكما وصفه الراحل فؤاد عجمي، فإن الكتاب "ترياق للأوهام والتفكير القائم على التمني اللذين يقوم عليهما نهج كامل في تفسير الشرق الأوسط". وتتمثل حجته المركزية في أن الأوساط الأكاديمية الأمريكية رسمت صورة متخيلة للشرق الأوسط، تعكس ما أراد الباحثون أن تكون عليه المنطقة، لا واقعها الفعلي.
وقد تجلت هذه الفجوة بين الخيال والواقع بأوضح صورة في ضعف الاهتمام بدور الإسلام في السياسة. إذ عجز الأكاديميون العلمانيون عن التعامل مع هذه الصحوة الدينية وتداعياتها السياسية، ومن ثم قللوا من شأن المشكلات التي طرحتها العديد من الحركات الإسلامية. ومنذ نشر الكتاب، شهد العالم محاولة تنظيم "الدولة الإسلامية" إقامة خلافة حديثة، وسعي حكومة أردوغان المتواصل إلى أسلمة تركيا، واختطاف حركة "حماس" للقضية الفلسطينية. ومع ذلك، لا يزال من يتناول هذه الحركات بالنقد والتمحيص يوصم، حتى اليوم، في أوساط هذا التخصص بأنه "مستشرق" أو "معاد للإسلام" - وهو موقف يعود إلى حد كبير إلى تأثير الباحث الراحل إدوارد سعيد.
وتشمل هذه "الصورة المتخيلة للشرق الأوسط" أيضاً الاعتقاد بأن التدخل الأمريكي لا يجدي نفعاً أبداً، مع تجاهل احتمال أن ترغب دول المنطقة في انخراط أمريكي، أو أن تسهم الخبرة الأكاديمية في توجيه عملية صنع القرار في واشنطن. كما يُغيب هذا الخطاب إسرائيل والهجمات التي تعرضت لها في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 - على غرار التحول الذي أعقب نشر سعيد مقالته المؤثرة "حل الدولة الواحدة" في عام 1999، والتي دفعت العديد من الأكاديميين الذين كانوا يؤيدون حل الدولتين إلى التخلي عن هذا الموقف لصالح زوال إسرائيل.
وتجسد "جمعية دراسات الشرق الأوسط" هذه الرؤية المتخيلة للمنطقة بوصفها علمانية وديمقراطية ، لا وجود فيها للتدخل الأمريكي ولا لإسرائيل. ففي عام 2022، أصدرت الجمعية قراراً يؤيد حركة "المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات" ضد إسرائيل ويتعهد بالالتزام بها. وقد أدت هذه المقاطعة الأكاديمية عملياً إلى إقصاء دولة من دول المنطقة عن نطاق اهتمام الجمعية، وإلى غياب أي صوت يتناول إسرائيل داخل أقسام دراسات الشرق الأوسط، مما دفع الدراسات الأكاديمية المتعلقة بها إلى الانتقال إلى أقسام ومؤسسات أخرى.
ومن غير المرجح أن تُغير الأوامر التنفيذية الصادرة عن الإدارة الأمريكية واقع دراسات الشرق الأوسط؛ إذ يتمتع الأكاديميون برسوخ في مؤسساتهم وبالتثبيت الوظيفي، فضلاً عن امتلاكهم متسعاً من الوقت للتصدي لهذه الإجراءات. ومع ذلك، يمكن لمسؤولي الجامعات، بل ينبغي لهم، العمل على ردم الهوة بين أقسام دراسات الشرق الأوسط وأقسام الدراسات اليهودية والإسرائيلية. ويشمل ذلك تعيين أساتذة قادرين على بناء الجسور بين هذه التخصصات. ونظراً إلى الدور الحاسم للتثبيت الوظيفي في النظام الأكاديمي، ينبغي للجامعات استحداث حوافز بديلة تستقطب أكاديميين من خارج هذه الأطر يحملون أفكاراً متنوعة.
راشيل فيش
على مر السنين، أسهم تأثير باحثين مثل إدوارد سعيد في دفع برامج دراسات الشرق الأوسط نحو توجهات أيديولوجية تميل إلى تهميش الأكاديميين الذين يركزون على إسرائيل. وغالباً ما تواجه المؤسسات الراغبة في إدراج دراسات إسرائيل في مناهجها مقاومة من مجموعة صغيرة لكنها مؤثرة من أعضاء هيئة التدريس، تحركها توجهات أيديولوجية راسخة. وتحتاج المؤسسات إلى قيادات قوية قادرة على استعادة القيم الغائبة عن الخطاب الأكاديمي والحفاظ عليها. وهذا يستلزم الاعتراف بأن بعض البرامج أصبحت منابر للترويج لمواقف سياسية ولما يعرف بـ"دراسات المظالم".
في الوضع الراهن، لا يقدم سوى عدد قليل من برامج دراسات الشرق الأوسط دراسة شاملة للمنطقة بمختلف مكوناتها. وحتى المؤيدون لهذا النهج الشامل يدعون إلى فصل دراسات إسرائيل عن الدراسات اليهودية. يتعرض الباحثون الذين يدرسون إسرائيل للإقصاء داخل أقسامهم أياً كانت جنسياتهم، فيما يضطر كثير من الإسرائيليين إلى مواجهة خطاب مناهض للتطبيع. ويخشى الطلاب المهتمون بهذا المجال أن يضر اختيارهم بفرص عملهم مستقبلاً. وفي المرحلة المقبلة، ينبغي أن تكون دراسات إسرائيل مجالاً متعدد التخصصات يستفيد من خبرات أعضاء هيئة التدريس ذوي الخلفيات المتنوعة.
وعلى نطاق أوسع، ينبغي للأجيال الجديدة من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس أن تدرس الشرق الأوسط بعيداً عن الأيديولوجيا، على أن يأتي التغيير من داخل المؤسسات القائمة، إذ لم يعد من الممكن تجاهل تأثير أعضاء هيئة التدريس أصحاب التوجهات الأيديولوجية الراسخة. كما يجب أن تمتد هذه التغييرات لتشمل التعليم الابتدائي والثانوي. فحالياً، يشعر كثير من معلمي مراحل التعليم الأساسي والثانوي بعدم الاستعداد للإجابة عن الأسئلة داخل الفصول الدراسية، مما يُضعف قدرة الطلاب على استيفاء المعايير التعليمية المعتمدة في بلادهم.
غاري سامور
طالت أعمال العنف التي وقعت في 7 تشرين الأول/أكتوبر والحروب في غزة ولبنان وإيران مباشرة الباحثين والزملاء في "مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط" بـ"جامعة برانديز"، إذ فقد بعضهم أفراداً من عائلاتهم أو أصيب أقارب لهم. وفي الولايات المتحدة، أججت هذه الصراعات استقطاباً حاداً امتزج بمعاداة السامية وكراهية المسلمين. تأسس مركز "كراون" على يد إسرائيلي وفلسطيني ومصري يجمعهم احترام متبادل والتزام بالبحث العلمي المتوازن والمحايد. واستند المركز في تعامله مع أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر إلى ثلاثة مبادئ أساسية: الاعتراف بتعدد الروايات، والتمييز بين تفسير الأحداث وتبريرها، وإن الهدف النهائي هو إيجاد مسار للمضي قدماً.
لا يتخذ المركز مواقف مؤسسية بشأن القضايا السياسية وقضايا السياسات العامة. فالباحثون فيه يحملون وجهات نظر متباينة، واتخاذ موقف مؤسسي لن يؤدي إلا إلى إثارة الانقسام. ثم إن معظمهم يدرس موضوعات خارج نطاق الصراع العربي-الإسرائيلي؛ فدراسة الشرق الأوسط، في نهاية المطاف، لا تقتصر على حروبه. وبصفتي مديراً للمركز، حاولت ترسيخ منظور متوازن يستند إلى الخبرة التي اكتسبتها من سنوات العمل الوثيق مع المسؤولين الإسرائيليين والعرب أثناء خدمتي الحكومية.
ويتعاون مركز "كراون" تعاوناً وثيقاً مع "مركز شوسترمان لدراسات إسرائيل" التابع للجامعة من خلال الفعاليات المشتركة، والمحاضرات، وانتساب الباحثين إلى المركزين. ويمثل تناول إسرائيل ضمن سياق الشرق الأوسط الأوسع ركناً أساسياً من عمل مركز "كراون". ومع ذلك، كان من المفاجئ ضعف اهتمام الطلاب بالمقرر الذي يقدمه المركز عن الصراع وصنع السلام في الشرق الأوسط. ويبدو أن الطلاب اليوم يولون الأولوية للموضوعات التي يرون أنها ترتبط بصورة أوثق بفرص العمل بعد التخرج.
أعد هذا الملخص كل من كيلان ستيوارت، وجويل روزنتال، وآري ناجل، ومار كاساجوانا. وقد أمكن إصدار سلسلة "منتدى السياسات" بفضل الدعم السخي من "مؤسسة وينكلر لوي".