- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4285
التمهيد للانتقال المدني في السودان وسط استمرار الحرب
إذا أريد للانتقال أن ينجح، فعلى الرباعية والخماسية أن تبدآ العمل الآن لا لاحقاً، وأن تحددا إطاراً زمنياً قصيراً للمراحل الأولى، وأن تمنعا الفصائل المسلحة من تحويل نفوذها العسكري إلى سلطة سياسية مرة أخرى.
أكد بيان وزارة الخارجية الأمريكية الصادر في 22 أيلول/سبتمبر أن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع "لا تمثل حكماً دستورياً شرعياً"، وأن "سلوك قادة الطرفين يجعلهم غير مؤهلين لحكم البلاد". حددت واشنطن بوضوح من لا ينبغي أن يحكم، لكنها لم تجب عن الأسئلة الأصعب: من يمثل السودان؟ وكيف يمكن إطلاق عملية سياسية في غياب وقف لإطلاق النار؟
تتقاطع الرسالة الأمريكية مع دعوات إقليمية ودولية إلى إنهاء الحرب والانتقال إلى حكومة مدنية. ورغم صعوبة الوضع واتساع رقعة القتال، يمكن البدء الآن في العمل التحضيري لهذه الحكومة: الاتفاق على قواعد المشاركة، وبناء تحالف مدني ذي صدقية، وتصميم المؤسسات التي ستدير المرحلة الانتقالية. أما تأجيل هذه الخطوات الحاسمة انتظاراً لوقف إطلاق النار فلن يؤدي إلا إلى منح المتحاربين وداعميهم الخارجيين حق النقض على مستقبل السودان السياسي.
وقد شكل اجتماع 23 أيلول/سبتمبر بين الرباعية (الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات) والخماسية (الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية "إيغاد" وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) فرصة مهمة لتعمل المجموعتان معاً على نقل السلطة في السودان إلى أيدي المدنيين. وبمساعدة ممثل خاص يعين لهذا الغرض وتنسيق فاعل من واشنطن، ينبغي أن تبدآ الآن في إعداد خطة عمل استراتيجية تستفيد من دروس الماضي وتضع منذ البداية آليات لحماية المسار المدني.
من النفوذ العسكري إلى السلطة السياسية: نمط لا بد أن يتغير
شارك العسكريون في حكم السودان منذ الاستقلال عام 1956، واعتمد الحكام العسكريون عموماً على حلفاء مدنيين لتثبيت سلطتهم ثم أزاحوهم. وآخر الأمثلة على ذلك الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك وقوى الحرية والتغيير، التي حكمت بموجب تقاسم للسلطة مع الجيش منذ عام 2019 حتى أطاح بها انقلاب تشرين الأول/أكتوبر 2021.
وعلى كل من يتوسط في الحلول السياسية في السودان أن يدرك أن اتفاقات السلام كثيراً ما فتحت أمام قادة الحركات المسلحة طريقاً إلى السلطة السياسية من دون تفويض انتخابي أو شعبي. وتوضح مسيرة حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي هذا النمط. فبعد قيادته تمرداً مسلحاً أصبح كبير مساعدي الرئيس عمر البشير ورئيس السلطة الإقليمية الانتقالية في دارفور بموجب اتفاق أبوجا عام 2006، ثم عاد إلى المعارضة المسلحة قبل أن يصبح حاكماً لدارفور بموجب اتفاق جوبا عام 2020.
وبالمثل، لن يحقق إبعاد رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" الكثير إذا ظل حمل السلاح طريقاً إلى السلطة السياسية والتمثيل. لا بد من تغيير نمط تحويل النفوذ العسكري إلى شرعية سياسية، وإلا فلن يفعل الانتقال في السودان سوى استبدال حاكم عسكري غير شرعي بآخر.
من يتحدث باسم المدنيين؟
المعيار الأول لمشاركة المدنيين في حكم السودان هو الاستقلال الفعلي عن الجيش والدعم السريع وسائر الفصائل المسلحة، بما فيها الحركات الموقعة على اتفاق جوبا، وعن شبكات تمويلها. كما ينبغي ألا يمثل المشاركون المدنيون أي كيان سياسي نشأ من رحم هذه الفصائل.
المعيار الثاني هو التنوع والتمثيل العادل للجميع. يجب أن يأتي ممثلو دارفور وكردفان وشرق السودان وسائر الأقاليم من مجتمعاتها المدنية لا من الصفوف القيادية للفصائل المسلحة، وألا يقتصروا على نخب الخرطوم والمنفى. ويجب أن تضم الحكومة أيضاً النساء والشباب والنازحين.
وللإدارات الأهلية المنتشرة في عدد من أقاليم السودان مكان في هذا التصور أيضاً. فرغم الانقسامات الحادة التي أحدثتها الحرب، أسهمت هذه الإدارات تاريخياً في الوساطة في النزاعات والحفاظ على التماسك الاجتماعي، ولا يزال بعض قادتها يحظون بالاحترام والنفوذ.
خارطة طريق مشتركة بين الرباعية والخماسية لدعم الانتقال المدني في السودان
يمكن لواشنطن أن تسهم في تهيئة الظروف لانتقال مدني سوداني ذي صدقية عبر قيادة خطة عمل مشتركة تشمل الخطوات التالية:
• تشكيل آلية تنسيق بين الرباعية والخماسية. لا بد من جهة واحدة مسؤولة بوضوح عن جمع المشاركين وإدارة العملية، عبر ممثل خاص للخماسية يعين بدعم من الرباعية. ويشرف هذا الممثل على آلية تضم ممثلين آخرين عن المجموعتين وتعقد اجتماعات منتظمة حول ثلاثة مسارات مترابطة هي الهدنة الإنسانية ووقف الأعمال العدائية والعملية السياسية المدنية، بدلاً من ترك كل مسار يمضي منفصلاً عن الآخرين.
• وضع جدول زمني. ينبغي ألا تتجاوز هذه المرحلة الأولى من الانتقال ستة أشهر: تخصص الأشهر الثلاثة الأولى لتثبيت الهدنة الإنسانية واعتماد قواعد المشاركة، والأشهر الثلاثة التالية لإطلاق حوار وطني مدني والاتفاق على شكل الحكومة الانتقالية وآلية تشكيلها. وينبغي إجراء مراجعة علنية للتقدم كل ستين يوماً. فالعملية التي لا يحدها سقف زمني تمنح الساعين إلى تقويضها فرصاً كثيرة لإفراغها من مضمونها.
• وضع قواعد المشاركة. لتحديد من يشارك في الحوار الوطني المدني وفي الحكومة المدنية الانتقالية معاً، ينبغي أن يرأس الممثل الخاص للخماسية لجنة تضع معايير معلنة وتراجع الترشيحات وتكون لها الكلمة الفصل في اعتماد القوائم، حتى لا ينفرد أي طرف داخلي أو خارجي بهذه القرارات.
• توسيع المشاورات داخل السودان وخارجه. لا يمكن حصر المشاورات في التحالفات السياسية المقيمة في الخارج. ولضمان الشرعية والاستدامة، يجب أن تشمل قوى مدنية مستقلة عن الأطراف المتحاربة، منها النساء والشباب والنقابات والمجتمعات المحلية والنازحون واللاجئون والإدارات الأهلية ذات الصدقية.
• إنشاء صندوق دولي لدعم الحكومة الانتقالية. يموله مانحون دوليون وإقليميون وتديره مجموعة اتصال دولية تحت مظلة الخماسية، ويغطي رواتب موظفي الدولة والخدمات الأساسية. ويضمن هذا النهج مرور التمويل الخارجي عبر قناة واحدة شفافة حتى لا يتحول إلى أداة تستخدمها الدول لدعم حلفائها داخل الحكومة. فالإمارات مثلاً تدعم قوات الدعم السريع، بينما تدعم مصر وإيران والسعودية وتركيا الجيش. وينبغي إلزام هذه الدول وسائر الممولين والمانحين في الاتحاد الأوروبي وغيره بتمرير أموالهم عبر هذه القناة.
• ربط الدعم المالي بتقدم قابل للقياس. ينبغي أن يرتبط الدعم السياسي والمؤسسي وتمويل إعادة الإعمار بخطوات تعاونية أخرى، منها حماية المدنيين والسماح بوصول المساعدات، ودفع العملية السياسية والترتيبات الأمنية الخاضعة للرقابة إلى الأمام بدلاً من تقويضها. وتبقى المساعدات الإنسانية خارج أي مقايضة سياسية.
حماية الانتقال من المعرقلين
سيقاوم البرهان وحميدتي وحلفاؤهما الإقليميون أي انتقال قد يفقدهم نفوذهم، فالإصلاح يعني في النهاية بناء جيش مهني يخضع للحكومة، ومحاسبة كبار قادة الفصائل إذا ثبتت مسؤوليتهم عن جرائم حرب أو انتهاكات أخرى. لذلك لا بد من ضمانات فعلية لحماية المدنيين الذين يشاركون في بناء الحكومة الجديدة من الضغوط الكثيرة التي يرجح أن يتعرضوا لها، كالتهديد والاعتقال ومحاولات التشويه، وإلا فإن أصحاب السلاح هم من سيحددون من يجلس إلى طاولة الحوار الوطني المدني ومن يدخل الحكومة الانتقالية.
بالطبع لن يكون منع احتكار العسكريين للسلطة بغطاء مدني أمراً سهلاً. ومن أبرز الصعوبات حماية الديمقراطية في بلد لم يعرفها من قبل ولا تزال مؤسساته ضعيفة. ويتوقف نجاح الانتقال على بناء مؤسسات قادرة على محاسبة الحكام ومنع تركز السلطة في يد ديكتاتورية جديدة، سواء تقنعت بقناع الحزب الواحد أو الائتلاف. لذلك من المهم إنشاء مجلس تشريعي انتقالي يراقب عمل الحكومة، وسلطة قضائية مستقلة، ورقابة مالية على موارد الدولة، وصحافة مستقلة.
وفي النهاية على واشنطن أن تعلن منذ البداية كيف ستتصرف إذا جرى تخريب خطوات دعم المدنيين. ففي ولاية الرئيس ترامب الأولى أقر الكونغرس "قانون الانتقال الديمقراطي والمساءلة والشفافية المالية في السودان لعام 2020"، الذي وضع أسساً لدعم المدنيين والرقابة على أموال الأجهزة الأمنية السودانية. وقد صيغ القانون في الأصل لانتقال 2019، لكن على الكونغرس الآن أن يحدثه ليواكب واقع الحرب. وفي انتظار ذلك يتيح الأمر التنفيذي رقم 14098 فرض عقوبات على من يعرقل تشكيل حكومة مدنية أو عملها ومن يمول هذه العرقلة، مدنيين كانوا أم عسكريين. هكذا يعرف كل طرف ما الذي سيكسبه بالالتزام، وما الثمن الذي سيدفعه إذا حاول إجهاض الانتقال.