- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4291
تعثر الاتفاق الإطاري اللبناني: الإرادة السياسية هي مفتاح الحل، لا القدرات أو آليات التحقق
تعهدت بيروت بنزع سلاح "حزب الله" مقابل بدء الانسحاب الإسرائيلي، لكنها آثرت حتى الآن تجنب المواجهة مع الجماعة المدعومة من إيران، مما يهدد بضياع فرصة تاريخية محتملة ما لم يتحقق قريباً قدر من التقدم الموثوق والقابل للتحقق في "المناطق التجريبية".
بعد أربعة أشهر من توقيع الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان الاتفاق الإطاري في 26 حزيران/يونيو، تعثر تنفيذه. ويربط هذا الاتفاق، الذي يعد أكثر الخطوات السياسية الواعدة بين بيروت والقدس منذ أكثر من أربعين عاماً، بين نزع السلاح المؤكد وبسط الجيش اللبناني سيطرته الفعلية، وبين الانسحاب الإسرائيلي التدريجي وإعادة الإعمار. ومع ذلك، لم تحصل أي من "المناطق التجريبية" الأولى على شهادة تؤكد استيفاء شروط التنفيذ، ولم تسفر المحادثات العسكرية التي عقدت بين 20 و22 تشرين الأول/أكتوبر في مقر القيادة المركزية الأمريكية بمدينة تامبا عن نتائج حاسمة، إذ لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق بشأن آليات التحقق. ويبدو أكثر فأكثر أن العقبة الحقيقية أمام التقدم تكمن في غياب الإرادة السياسية، لا في قدرات الجيش اللبناني أو المساعدات الدولية أو التحقق من جانب طرف ثالث.
وعود لم تتحقق
رسم الاتفاق الإطاري مساراً نحو سلام نهائي بين البلدين، لكن تركيزه في المدى القريب ينصب على "المناطق التجريبية"، حيث تعهد الجيش اللبناني بنزع سلاح الجهات المسلحة غير التابعة للدولة - وهي تسمية مخففة لـ"حزب الله" - وتفكيك بنيتها التحتية، على أن يقابل ذلك انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي. وقد أكد كل من رئيس الوزراء نواف سلام والرئيس جوزيف عون ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وطرحا علناً رؤيتهما للترتيبات الأمنية والسلام، لكن هذه المواقف لم تجد طريقها إلى التنفيذ بعد.
بدأ الجيش اللبناني العمل في المناطق التجريبية الأولى في فرون وصريفا وزوطر الغربية في 20 تموز/يوليو، وسرعان ما أعلن ضبط أسلحة فيها. غير أن إسرائيل تؤكد أن "حزب الله" لا يزال يحتفظ ببنية تحتية داخل هذه القرى وبالقدرة على الوصول إليها، ولذلك ترفض مواصلة الانسحاب قبل التأكد من خلو المنطقة من السلاح وإحكام الجيش اللبناني قبضته عليها. وكان الاتفاق ينص على الاستعانة بجهة مستقلة للتحقق، لكن الولايات المتحدة لم تتمكن حتى الآن من التوصل إلى تفاهم بين الطرفين بشأن الجهة التي ستتولى هذه المهمة.
وبينما يتعثر التنفيذ، يواصل أعداء الاتفاق تعزيز مواقعهم. ويعمل "حزب الله" على إعادة ترسيخ وجوده مستغلاً عودة المدنيين النازحين إلى مناطق النزاع، والخلافات بشأن السماح بتفتيش الممتلكات الخاصة بحثاً عن الأسلحة، والتأخير في تنفيذ الاتفاق. وتشير تقارير لبنانية حديثة إلى أن الحزب يعيد أيضاً بناء مواقع دفاعية شمال نهر الليطاني، ويبحث عن وسائل لتعزيز نفوذه المحلي بالمال والسلاح. ومع مرور الوقت دون تحقيق أهداف الاتفاق، تستعد إيران، الداعم الرئيسي لـ"حزب الله"، لتجديد مطالبتها بربط الملف اللبناني بمفاوضاتها مع الولايات المتحدة. ويأتي ذلك بعد أشهر قليلة فقط من قرار لبنان الشجاع برفض هيمنة طهران والسعي إلى إبرام اتفاق مباشر مع إسرائيل.
وتبرز ثلاثة تطورات تؤكد أن ما ينقص التنفيذ هو الإرادة السياسية لدى القيادة اللبنانية، وليس القدرات العسكرية للجيش. أولاً، اعترضت القوات اللبنانية الشهر الماضي شاحنة محملة بنحو 780 كيلوغراماً من المتفجرات في ضهر البيدر، خارج المناطق التجريبية. وفي 15 تشرين الأول/أكتوبر، أقر النائب عن "حزب الله" حسن فضل الله علناً بأن الشحنة تعود إلى الحزب، وطالب بالإفراج عن موقوفين اثنين وإعادة الشاحنة وحمولتها. وإذا كانت الحكومة قد أبقت المتفجرات تحت سيطرتها حتى الآن، فإنها رفضت طلب وزير العدل إحالة القضية إلى المجلس العدلي المدني، وأبقتها في عهدة المحكمة العسكرية الدائمة التي يهيمن عليها "حزب الله". وقد وجهت المحكمة منذ ذلك الحين اتهامات إلى ثلاثة عشر شخصاً على صلة بالقضية، لكن سجلها السيئ في إصدار الأحكام المخففة والغرامات الزهيدة يشير إلى أن الحزب سيفلت من أي عواقب حقيقية. وخلاصة القول، تكشف طريقة التعامل مع القضية أنه حتى عندما تبدي مؤسسات الدولة استعداداً للتحرك في قضايا حساسة تمس الأمن الوطني، تظل القيادة السياسية مترددة في استخدام كل أدوات الدولة - بما فيها المحاكم المدنية المستقلة - لمواجهة "حزب الله".
ثانياً، أتمت الشرطة الشهر الماضي مداهمة مستودع للأدوية قرب الضاحية الجنوبية لبيروت، رغم محاولات مسلحين من "حزب الله" عرقلة العملية. ونفى الحزب ملكيته للمستودع، لكنه زعم أن قوات الأمن كان عليها التنسيق مسبقاً مع مسؤوليه قبل دخوله، مما يشير إلى احتمال وجود تفاهمات غير رسمية تمنحه حق نقض غير معلن على الإجراءات القانونية التي تتخذها الدولة.
ثالثاً، قدمت إسرائيل إلى الجيش اللبناني أدلة محددة على وجود بنية تحتية تابعة لـ"حزب الله" في علي الطاهر، وهو مجمع ضخم تحت الأرض يقع خارج المناطق التجريبية. وبعدما رفض الحزب تسليم هذه المنشآت وامتنع الجيش اللبناني عن معالجة المسألة، تدخل الجيش الإسرائيلي بنفسه وأزال التهديد. وربما لم تكن السلطات اللبنانية معترضة على النتيجة، إذ جرى تطهير موقع "علي الطاهر" دون أن تضطر الحكومة إلى القيام بالعمل القذر بنفسها. لكنها أضاعت فرصة لإثبات التزامها أمام إسرائيل بالمهمة المشتركة المتمثلة في نزع سلاح "حزب الله"، وتفكيك بنيته التحتية، ومنع عودته إلى المنطقة، وصولاً إلى تمهيد الطريق للانسحاب الإسرائيلي. كما بعث تقاعسها برسالة إلى الرأي العام اللبناني مفادها أن الحكومة عاجزة عن أداء هذه المهمة بنفسها، مما أضعف شرعيتها في مواجهة الحزب.
وتشير هذه الحوادث مجتمعة إلى أن بيروت تكرر سيناريو مألوفاً يجمع بين التعهدات ببسط السيادة والتذرع بالعجز، وطلب المساعدات والأموال، والمماطلة الإجرائية والسياسية، ومحاولة نقل المسؤولية بين الجهات الدولية الداعمة. لكن تقييم أدائها يجب ألا يستند إلى الدوريات الاستعراضية أو التصريحات، بل إلى الأسلحة التي تضبطها الدولة وتحتفظ بها، ومذكرات التوقيف التي تنفذها، والملاحقات القضائية الجدية، والأحكام المناسبة، وقدرتها على منع عودة "حزب الله". والأهم من ذلك كله أن تنفذ هذه الإجراءات، بصرف النظر عن موافقة الحزب من عدمه.
دور الطرف الثالث
ينص الاتفاق الثلاثي على دورين مختلفين للأطراف الخارجية: الأول تنسيقي، يهدف إلى تسهيل التواصل بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، والثاني رقابي، للتحقق من وفاء الطرفين بالتزاماتهما. وتتولى الولايات المتحدة الدور الأول، إذ يشرف الفريق جوزيف كليرفيلد، الممثل العسكري الرفيع في القيادة المركزية الأمريكية ، على آلية التنفيذ المعروفة باسم "مجموعة التنسيق العسكري من أجل لبنان". ورغم أهمية منصبه بلا شك، فإن صلاحياته لا تشمل إجبار السلطات اللبنانية على اتخاذ إجراءات محددة ضد "حزب الله" أو ملاحقة عناصره الذين يخالفون القانون أمام القضاء.
وقد أبلغت الولايات المتحدة لبنان وإسرائيل منذ البداية أنها لن تتولى مهمة التحقق، لكنها لم تتمكن حتى الآن من العثور على دولة أخرى مستعدة للاضطلاع بهذا الدور، أو على الأقل دولة تحظى بقبول بيروت والقدس معاً. وكانت محادثات تامبا فرصة مناسبة لحسم هذه المسألة، لكنها للأسف عقدت بينما كان لبنان منشغلاً بقضية المتفجرات، وقبل أسبوع واحد من الانتخابات الإسرائيلية. وفي النهاية، لم تنجح الاجتماعات في تسوية القضايا الأساسية المتعلقة بالتحقق، بما فيها المعايير المتفق عليها لتبادل المعلومات الاستخباراتية، والسماح بالوصول إلى المواقع، وإجراء عمليات التفتيش، وإصدار شهادات التحقق، والتعامل مع الانتهاكات.
ونتيجة لذلك، وصلت العملية إلى طريق مسدود. وقد يظن المرء أن بيروت ستسارع إلى اتخاذ خطوات ظاهرة لتجاوز هذا المأزق، ولا سيما في المناطق التجريبية، لأن استمرار التعثر يعني توقف أي انسحابات إسرائيلية إضافية من الأراضي اللبنانية. لكن عدم حدوث ذلك يشير إلى أن بيروت تعطي تجنب المواجهة مع "حزب الله" أولوية تتقدم على فرض سيادتها وضمان الانسحاب الإسرائيلي.
من الضغط السياسي إلى خطوات ملموسة قابلة للتحقق
في ظل تصاعد الإحباط لدى الجانبين، ربما لم يعد هناك متسع من الوقت لانتظار نشر قوة تحقق مستقلة مدربة ومجهزة ومستعدة للعمل، إذ قد ينهار الاتفاق قبل وصولها، أو تكون العملية قد وقعت في قبضة المساعي الإيرانية لاستعادة السيطرة على المسار الدبلوماسي اللبناني. ولتفادي هذا السيناريو والحفاظ على الاتفاق بوصفه مساراً نحو سلام محتمل، على الأطراف أن تنظر في اعتماد آلية مؤقتة لتنفيذ الالتزامات والتحقق منها، إلى حين تشكيل تلك القوة. وإذا تمكنت هذه الآلية البديلة من ضمان إزالة أسلحة "حزب الله" وبنيته التحتية على أرض الواقع، إلى جانب استمرار سيطرة الجيش اللبناني على المناطق المعنية، فسيصبح بالإمكان بدء انسحابات إسرائيلية تدريجية. ويجب أن تتضمن أي آلية من هذا النوع العناصر التالية:
- يمكن لإسرائيل تقديم معلومات استخباراتية قابلة للاستخدام الميداني بشأن مواقع "حزب الله" وتحركاته، ومشاركتها عبر قنوات متفق عليها، بما يتيح للجيش اللبناني التحرك بناء عليها، على أن تتولى جهة مستقلة التحقق من النتائج. وحيثما أمكن، على إسرائيل إفساح المجال أمام لبنان لاتخاذ الإجراءات التصحيحية، بما يحافظ على فرص بيروت وحوافزها لممارسة سلطة الدولة.
- يتعين تجهيز "مجموعة التنسيق العسكري من أجل لبنان" لاستقبال المعلومات الاستخباراتية، ونقل التحذيرات إلى الجيش اللبناني، وتنسيق العمليات لتجنب التعارض بينها، ومتابعة الاستجابة اللبنانية. ويمكن لفريق فني صغير للتحقق، يضم ممثلين عن دول ومنظمات وخبراء مستقلين ومقاولين ومؤسسات أو جهات أخرى مقبولة من الطرفين، تفتيش المواقع المعنية والتصديق على إزالة الأسلحة وفق معايير مشتركة. ويتمتع الفريق كليرفيلد بموقع مناسب لقيادة الجانب العسكري من التنفيذ.
- حتى مع وجود آليات عسكرية فعالة، من المستبعد إحراز تقدم في عملية التحقق ما لم يمارس القادة السياسيون الأمريكيون ضغوطاً على لبنان للسماح بالتفتيش، وتنفيذ المذكرات القضائية، والوفاء بالتزاماته. فقد أظهرت تجربة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أن مجرد نشر القوات وإحصاء الدوريات وإعداد تقارير عن الحوادث لا يكفي وحده لنزع السلاح. أما التحقق الحقيقي فيتطلب السماح بالوصول إلى المواقع وتفتيشها، وإصدار شهادات تؤكد النتائج، واتخاذ إجراءات عسكرية لمتابعة الانتهاكات، وممارسة الضغط على مستوى القيادات عندما تعرقل الحسابات السياسية إحراز التقدم.
- تحتاج كل منطقة تجريبية إلى اتفاق مسبق يحدد شروط السماح بالتفتيش، وإزالة الأسلحة والبنية التحتية، وضمان استمرار سيطرة الجيش اللبناني، والخطوات التي ستتخذها إسرائيل بعد التصديق على إتمام نزع السلاح. وفي حال استأنف "حزب الله" أنشطته، يستوجب ذلك توجيه إخطار وتحديد مهلة لتصحيح الوضع، وتعليق الخطوة المقابلة التالية إذا لم يعالج الانتهاك، مع اتخاذ إجراءات فورية لإعادة الوضع إلى ما كان عليه عند الضرورة. أما التهديدات العاجلة، فتبقى خاضعة لحق إسرائيل في الدفاع عن النفس، على أن تعالج أي تعارضات عملياتية بسرعة من خلال "مجموعة التنسيق العسكري من أجل لبنان".
- من الضروري أن تركز المساعدات الدولية المقدمة إلى وحدات الجيش اللبناني التي خضعت للتدقيق على القدرات الاستخباراتية والهندسية والتخلص من الأسلحة والتنقل والاستجابة السريعة، وأن يُربط التمويل والمعدات الإضافية بالتأكد من خلو المناطق من الأسلحة واستمرار سيطرة الجيش عليها، بدءاً بالمناطق التجريبية. ومن المتوقع أيضاً أن يدعم الشركاء الأوروبيون والعرب أولويات التنفيذ نفسها.
- يجب أن تأتي إعادة الإعمار بعد التصديق على استيفاء الشروط في كل منطقة على حدة، بحيث تجني الحكومة اللبنانية والمجتمعات المحلية فوائد ملموسة مقابل تكريس سلطة الدولة، بدلاً من مكافأة التعهدات التي لم تنفذ. وعلى الجهات المانحة التدقيق في الجهات المنفذة والمستفيدين لضمان عدم استخدام أموال إعادة الإعمار في تعزيز شبكات المحسوبية التابعة لـ"حزب الله". كما يجب ألا تتحول عودة المدنيين النازحين إلى غطاء يسمح للحزب بإعادة ترسيخ وجوده العسكري.
وضماناً لهذه العملية، ستواصل إسرائيل جهودها الخاصة لمنع تهديدات "حزب الله" والتصدي لها إذا لم يتخذ الجيش اللبناني إجراءات حاسمة، استناداً إلى حقها في الدفاع عن النفس. ومن الناحية الاستراتيجية، سيوضح ذلك أن مقاومة الحزب لنزع السلاح لن تؤدي إلى استعادة قوته العسكرية أو إلى انسحاب إسرائيل، بل إلى مزيد من تدميره. لكن هذا الخيار لا تفضله إسرائيل، ولذلك يتعين عليها حث واشنطن على دعم البديل العسكري الموثوق الذي يمثله الجيش الإسرائيلي، مع مواصلة الضغط السياسي على بيروت، بما يمنح القادة اللبنانيين حافزاً إضافياً للمبادرة إلى التحرك بأنفسهم.
وعلى الصعيد الدبلوماسي طويل الأمد، لا يتوقع إحراز تقدم كبير قبل تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة. ولا ينبغي لذلك أن يمنع الأطراف من إحراز تقدم مهم في تنفيذ التزاماتها داخل المناطق التجريبية الحالية. فبإمكان لبنان تطهير المنطقة التجريبية الأولى من خلال نزع سلاح "حزب الله" وتفكيك بنيته التحتية بالكامل وعلى مرأى من الجميع، وبإمكان إسرائيل الاستعداد لإعادة نشر قواتها في المقابل، كما تستطيع الجهات المانحة تجهيز التمويل والخطط اللازمة لإعادة الإعمار المحلي. غير أن شيئاً من ذلك لن يتحقق على الأرجح ما لم تدفع واشنطن بيروت إلى البدء بما يجب فعله.