- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4280
عملاء "حزب الله" في البرازيل
كشفت "عملية ترابيش" كيف يعتمد "حزب الله" على جهات خارجية لتجنيد عناصر وتنفيذ عمليات، وتوفير عائدات من أنشطة إجرامية وخدمات مالية، بما يتيح له بناء قدرات عملياتية في أمريكا اللاتينية مع التنصل من المسؤولية عنها.
في 15 أيلول/سبتمبر، أعادت محكمة العدل العليا بالإجماع إدانة لوكاس باسوس ليما بتهمة الإرهاب، بعد أن جندته شبكة مرتبطة بـ"حزب الله" لاستطلاع مواقع يهودية وإسرائيلية في البرازيل واتخاذ خطوات تحضيرية أخرى لتنفيذ عمليات. وكانت محكمة استئناف اتحادية قد برأته من تهمة التحضير لأعمال إرهابية بحجة أن دافعه كان مادياً وليس أيديولوجياً. ولو استقر هذا التفسير القانوني، لأصبحت البرازيل بيئة أكثر تساهلاً مع نموذج العمل الذي يتبعه "حزب الله"، والذي كشفت هذه القضية تفاصيله. وتكتسب القضية أهمية خاصة باعتبارها أول ملاحقة قضائية في البرازيل تطال الذراع العملياتية الخارجية للجماعة، حيث تكشف تحولاً في أساليب عملها في المنطقة، يقوم على إسناد تنفيذ العمليات إلى عناصر خارجية والاعتماد على تمويل يُجمع ويُغسل محلياً.
من تجارة السجائر إلى استطلاع أهداف الهجمات
لم تبدأ التحقيقات، التي عُرفت باسم "عملية ترابيش"، بوصفها تحقيقاً في قضية إرهاب. ففي عام 2022، فتش مفتشو الضرائب متجراً لبيع التبغ في سوق "ميركادو سنترال" بمدينة بيلو هوريزونتي، للاشتباه في اتجاره بالسجائر الإلكترونية المحظورة. وكان حسين عبد المجيد، المسجل رسمياً مالكاً للمتجر، مجرد واجهة، بينما تولى شقيقه محمد خير عبد المجيد، المعروف باسم "حبيبي"، إدارة النشاط فعلياً. وحبيبي مواطن برازيلي من أصل سوري حصل على الجنسية بالتجنس، وكان يدير عدة متاجر للتبغ عبر أقاربه وأشخاص مسجلين كمالكين صوريين، من بينهم مستفيدون من برامج المساعدات الاجتماعية.
واتخذ التحقيق منحى مختلفاً تماماً في تشرين الأول/أكتوبر 2023، عندما تلقى قسم مكافحة الإرهاب في الشرطة الفيدرالية البرازيلية مذكرة من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) بشأن شبكة متورطة في جرائم مالية وتهريب المخدرات، ويُشتبه في ارتباطها بأنشطة إرهابية. وإلى جانب "حبيبي" وأشخاص آخرين، ورد في المذكرة اسم هيثم حسين دياب، وهو برازيلي متجنس من أصل لبناني، وعُثر لاحقاً على نسخة من جواز سفره وحجوزات رحلاته ضمن الملفات المخزنة على حساب "حبيبي" اسحابي. وكانت ألمانيا قد طلبت تسليم دياب عام 2005 بتهمة التورط في شبكة منظمة للاتجار بالمخدرات، لكن المحكمة العليا البرازيلية أغلقت القضية دون الفصل في موضوعها، بعدما أصبح دياب مواطناً برازيلياً ولم يعد تسليمه جائزاً قانوناً.
ثم كشف المحققون عن شبكة لتجنيد أشخاص لتنفيذ عمليات، إذ يُعتقد أن "حبيبي" تواصل مع خمسة برازيليين على الأقل عبر وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات العلاقات المحلية في ثلاث ولايات، وتكفل بنفقات رحلات قصيرة لهم إلى بيروت وإقامتهم في فنادق فاخرة. وخلال وجودهم في لبنان، تلقوا تعليمات بشأن تنفيذ العمليات وتدربوا على وسائل الاتصال السري، بما فيها استخدام إشارة جسدية للتعرف إلى بعضهم بعضاً، وحسابات بريد إلكتروني مشتركة لتبادل الرسائل عبر مجلد المسودات من دون إرسالها. كما طُلب منهم تصوير معالم سياحية لبنانية لإضفاء المصداقية على رواية أن زياراتهم كانت بغرض السياحة.
وكان باسوس ليما من بين المجندين الذين تلقوا معاملة خاصة، حيث سافر إلى لبنان مرتين عام 2023. وبعد عودته من رحلته الأولى، شرع في سلسلة من التحضيرات المكثفة شملت تحديد مواقع ثلاثة معابد يهودية ومقبرة يهودية والسفارة الإسرائيلية وموقع مرتبط بحاخام في مدينة برازيليا ومحيطها، وتصويرها، والتدرب على استخدام الأسلحة النارية، وشراء أجهزة اتصال لاسلكية ومعدات مراقبة يصعب تعقبها، والتواصل مع طيار لبحث سبل الفرار بعيداً عن رقابة سلطات الهجرة. كما استعان بمتخصصين في علم البيانات، على ما يبدو لمساعدته في تطوير وسيلة تقنية لحماية كلمات المرور. وأُلقي القبض عليه في مطار غوارولوس الدولي بمدينة ساو باولو في 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، لدى عودته من لبنان وبحوزته أكثر من 5,000 دولار نقداً.
دروس مستفادة من تطور أساليب "حزب الله"
تكشف "عملية ترابيش" ضرورة إعادة النظر في التصورات السائدة بشأن الأشخاص الذين يستعين بهم "حزب الله" لتنفيذ مخططاته. فالاعتماد على عناصر خارجية في أمريكا اللاتينية ليس جديداً على الجماعة. ففي عام 2021، على سبيل المثال، أشارت تقارير إلى أن كولومبيا طردت مجرمين اثنين كلفهما "حزب الله" باغتيال مواطن إسرائيلي في بوغوتا. لكن ما كشفته "عملية ترابيش" يتجاوز الاستعانة بأشخاص لتنفيذ اغتيال محدد، ويشبه منظومة منظمة لإعداد العناصر، فقد جرى نقل رجال لا تربطهم صلات سابقة بالجماعة إلى لبنان لتدريبهم، ثم إعادتهم إلى بلدانهم لاستطلاع الأهداف المحتملة. وكانت الشبكة تستهدف رجالاً يواجهون ضائقة مالية ولديهم سوابق جنائية، من دون أي ارتباط سابق بلبنان أو "حزب الله"، ولم يكن اعتناق أفكار الجماعة شرطاً لتجنيدهم. وفي تسجيلات صوتية اعترضتها السلطات، تحدث المجندون عن البحث عن أشخاص يشعرون بالظلم بعدما سبق سجنهم، ويعتقدون أن لديهم حساباً يريدون تصفيته مع القضاء. ومع ذلك، أُبلغ أحد المجندين بأن المهمة تشمل قتل أعداء الجماعة، ثم إنشاء خلايا في أوروبا وأمريكا الجنوبية وأستراليا. ويتيح تجنيد أشخاص بهذه المواصفات لـ"حزب الله" التنصل من المسؤولية، حيث يمكن تصوير هجوم ينفذه أصحاب سوابق محليون على أنه جريمة كراهية ارتكبها متطرفون هامشيون، بدلاً من عملية وُجهت من بيروت. وتزداد أهمية هذا الأسلوب بالنسبة إلى الجماعة في الوقت الراهن، إذ تسعى إلى تقليل انكشاف أنشطتها بعد ثلاث سنوات من العمليات الإسرائيلية التي ألحقت بها خسائر فادحة.
وتكشف القضية أيضاً اعتماد مجندي "حزب الله" المتزايد على الأموال التي توفرها شبكات الجريمة المحلية. فقد وفرت متاجر التبغ في البرازيل الأموال اللازمة لشراء تذاكر سفر المجندين. ورغم أن باسوس ليما عاد من لبنان ومعه أكثر من 5,000 دولار نقداً، لم يتمكن المحققون من إثبات مصدر المبلغ.
إن اعتماد "حزب الله" على عائدات الأنشطة الإجرامية خارج لبنان ليس أمراً جديداً، لكن ما يميز هذه القضية هو أن الحزب لم يتول بنفسه غسل الأموال. فقد اضطلع بهذه المهمة دانتي فيليبيني، وهو وسيط للعملات المشفرة في ساو باولو أُلقي القبض عليه في قضية منفصلة لغسل الأموال عُرفت باسم "عملية كولوسوس". وكان فيليبيني يدير شركات صورية مسجلة بأسماء مالكين وهميين، وينقل الأموال عبر شراء عملة "تيثر" (USDT) في الخارج وبيعها لبرازيليين يرغبون في تحويل أموالهم إلى خارج البلاد. وفي محادثة اعترضتها السلطات، وصف نفسه بأنه مشترى في البرازيل وبائع في الصين، وتفاخر قائلاً: "أنا كراكن"، في إشارة إلى منصة تداول العملات المشفرة التي تحمل الاسم نفسه، رغم عدم وجود صلة بينها وبين القضية. وفي حين حوّل "حبيبي" نحو 1.25 مليون ريال برازيلي (قرابة 250,000 دولار) إلى شركات فيليبيني الوهمية، أرسلت شبكة الأخير عملات مشفرة بقيمة 658,269 دولاراً إلى ثلاث محافظ صنفتها إسرائيل باعتبارها مرتبطة بدعم "حزب الله" و"فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني. ورغم هذه التحويلات، لم يصدر نظام الإبلاغ البرازيلي عن التمويل الإرهابي المشتبه به أي تحذيرات بشأنها.
وتبرز قضية فيليبيني جانباً آخر من أساليب "حزب الله"، وهو أن الاستعانة بجهات خارجية لا تقتصر على إنجاز مهام محددة، بل قد تفتح الباب أمام تجنيدها لاحقاً. فبعد زيارته مدينة بعلبك اللبنانية في كانون الثاني/يناير 2023، حيث أطلق النار من بنادق في المناطق الجبلية برفقة عناصر من "حزب الله"، أخبر أحد معارفه أن تلك التجربة كانت بمثابة "معموديته" داخل الجماعة. وفي نهاية المطاف، وجهت إليه النيابة العامة اتهامات بغسل الأموال، وارتكاب مخالفات تتعلق بتحويل العملات، والانتماء إلى منظمة إرهابية، وتمويل الإرهاب.
التداعيات على السياسات العامة
تقدم "عملية ترابيش" دروساً مهمة بشأن كيفية بناء قضايا قضائية فعالة ضد "حزب الله" بالتعاون بين دول ضفتي الأطلسي. فعندما تتوافر أدلة تدعم توجيه اتهامات بالإرهاب، يتعين على الادعاء العام المضي فيها بالتوازي مع ملاحقة الجرائم الجنائية الأخرى. وقد بدأ التحقيق في البرازيل عام 2022 على خلفية شبهات تهريب، قبل أن تكشف المعلومات الواردة في تشرين الأول/أكتوبر 2023 عن صلات محتملة بالإرهاب، مما دفع المدعين العامين الفيدراليين إلى توجيه اتهامات مرتبطة به.
وبوسع السلطات، بطبيعة الحال، ملاحقة المتعاونين مع "حزب الله" قضائياً حتى في غياب اتهامات بالإرهاب. فعلى سبيل المثال، أظهرت دراسة أجراها برنامج التطرف في جامعة جورج واشنطن أن 128 شخصاً وُجهت إليهم اتهامات في قضايا فيدرالية أمريكية بين عامي 1997 و2020 كانت لهم صلات موثقة بـ"حزب الله"، لكن 14 في المئة منهم فقط واجهوا اتهامات رسمية بتقديم دعم مادي للجماعة، بينما اقتصرت التهم الموجهة إلى البقية على جرائم جنائية أخرى. وكشفت الدراسة أيضاً عن تفاوت ملحوظ في مدد العقوبات، إذ بلغ متوسط أحكام السجن الصادرة بحق المدانين بتقديم دعم مادي ضعف متوسط الأحكام الصادرة بحق من أُدينوا بتهم جنائية أخرى فقط. ولا تعني هذه الأرقام أن الأدلة كانت كافية لتوجيه اتهامات بالدعم المادي في جميع القضايا، لكنها توضح أن الاعتماد حصرياً على التهم الرسمية المرتبطة بالإرهاب قد يؤدي إلى التقليل من حجم أنشطة "حزب الله" في الأمريكيتين، ويمنح صناع القرار تصوراً أقل خطورة من الواقع عن حجم التهديد.
وفي المرحلة المقبلة، من المهم أن تراعي السلطات المبدأ القانوني الذي أكدته محكمة العدل العليا البرازيلية، ومفاده أن الدافع المادي لا ينفي المسؤولية عن الإرهاب إذا شارك الشخص عن علم وإرادة في مخطط إرهابي. وكان الحكم السابق ببراءة باسوس ليما قد خالف هذا المبدأ، إذ اعتبر أن سعيه إلى تحقيق مكاسب مالية يتعارض مع تحميله المسؤولية عن التحضير لعمل إرهابي، مع أن استغلال الدوافع المالية كان تحديداً الوسيلة التي اختارها "حزب الله" لإخفاء مسؤوليته. أما المعيار الذي أكدته المحكمة البرازيلية، فهو "الالتزام الوظيفي"، الذي يسمح بمساءلة من يشارك عن علم في مخطط يدرك أنه قائم على الكراهية الدينية أو العرقية، حتى لو لم يكن يتبنى تلك الكراهية شخصياً. ومن ثم، على المدعين العامين في الدول التي تربط قوانين مكافحة الإرهاب فيها المسؤولية بالدافع أن يستعدوا لمثل هذا الدفاع في القضايا المقبلة، وأن يبنوا ملفاً متيناً لإثبات القصد الجنائي، يستند إلى أنماط الأهداف التي يختارها "حزب الله"، وتصريحاته في الفترة المعنية، ومسارات توزيع الأموال.
وتوضح "عملية ترابيش" كذلك أهمية تتبع حركة الأموال عبر تقنية "البلوك تشين"، ووضع معايير لرصد تمويل الإرهاب تتجاوز المؤشرات التقليدية لمكافحة غسل الأموال. فالأنشطة التي مارسها فيليبيني و"حبيبي" وآخرون، ومنها إنشاء شركات حديثة بلا سجل تجاري سابق لإجراء تحويلات دولية، وتسجيل ملكيتها بأسماء أشخاص يتلقون مساعدات اجتماعية، وتنفيذ تحويلات مجزأة بالعملات المشفرة عبر شبكات منخفضة التكلفة، كان يفترض أن تدفع المؤسسات المالية إلى إصدار تنبيهات للسلطات المختصة. فهذه المؤشرات تستحق التدقيق حتى في غياب صلة مثبتة بكيان إرهابي محدد، ولا سيما في بلد مثل البرازيل، حيث لا تزال الخبرة في تصنيف الجهات المرتبطة بالإرهاب محدودة نسبياً (انظر أدناه).
ولا يكفي أن تقتصر إجراءات إنفاذ القانون على تجميد الأصول، لأن الشبكات التي كشفت عنها "عملية ترابيش" قد تعاود الظهور بأسماء جديدة، وهو ما يستدعي مواصلة مراقبة سجلات الشركات. وقد أدى التعاون مع الشركاء الأجانب دوراً حاسماً في هذه القضية، إذ كشفت مذكرة مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) عن الصلة بالإرهاب، بينما ساعدت التصنيفات الإسرائيلية في تحديد عناوين محافظ العملات المشفرة المرتبطة بـ"حزب الله" و"فيلق القدس"، مما أتاح للمحققين تتبع التحويلات وكشف مسارات التمويل. لكن هذا التعاون لا يغني عن وجود أدوات قانونية ورقابية محلية فعالة. فالقانون البرازيلي الصادر عام 2019 يجيز إصدار تصنيفات وطنية للكيانات الإرهابية، إلا أن الحكومة لم تصنف "حزب الله" أو أي جماعة أخرى حتى الآن، الأمر الذي يحد بدرجة كبيرة من فاعلية التحقيقات. وكما أوضح روبرت كليفورد، المشرف السابق على وحدة "حزب الله" في مكتب التحقيقات الفيدرالي، في شهادته أمام لجنة مجلس الشيوخ المعنية بالمكافحة الدولية للمخدرات في تشرين الأول/أكتوبر 2025، لم تصنف "حزب الله" منظمة إرهابية سوى خمس دول في أمريكا اللاتينية، هي الأرجنتين وكولومبيا وغواتيمالا وهندوراس وباراغواي. ومن شأن انضمام دول أخرى إلى هذه القائمة أن يسهل على المؤسسات المالية المحلية تحديد الجهات والأصول الخاضعة للعقوبات، والإبلاغ عنها واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقها. كما يمكن لآليات التصنيف الوطنية أن تعزز أثر الملاحقات القضائية الناجحة عبر تفكيك الشبكات المكتشفة ومحاسبة أعضائها.
يتمثل الأسلوب الجديد الذي اعتمده "حزب الله" في البرازيل في شراء خدمات كان يتولى توفيرها بنفسه في السابق، من تجنيد منفذين محليين إلى جمع الأموال وغسلها عبر أنشطة تجارية. وكان الهدف في كل مرة قطع أي صلة يمكن تتبعها إلى بيروت. لكن النتيجة كانت سلسلة طويلة من السجلات المالية، وبصمات معاملات "البلوك تشين"، والشركات الوهمية، فضلاً عن رجل تفاخر بما وصفه بـ"معموديته" الإرهابية. فالإنكار أرخص من التنفيذ، لكنه ليس مجانياً.