- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4279
مخاطر تنامي الوجود الروسي في ليبيا
إذا واصل المسؤولون الأمريكيون السماح لموسكو باستغلال الانقسامات بين الفصائل الليبية لتعزيز وجودها العسكري، فستزداد التهديدات الأمنية التي تواجه حلف "الناتو" والقارة الأفريقية.
في حين ينشغل المجتمع الدولي بقضايا أخرى، تعمل روسيا بهدوء على توسيع وجودها في ليبيا، التي تتمتع بموقع استراتيجي بالغ الأهمية، وتوفر إمكانية الوصول إلى موارد النفط والقواعد العسكرية وميناء بحري عميق المياه في شرق البحر المتوسط. وإذا نجحت موسكو في ترسيخ وجودها هناك، فستحصل على موطئ قدم استراتيجي يتيح لها توسيع نفوذها في الشرق الأوسط وعلى امتداد الجناح الجنوبي لحلف الناتو، مما قد يعرقل عمليات الحلف البحرية والجوية ويؤثر في جاهزيته العسكرية. وقد يؤدي تعزيز البنية التحتية العسكرية الروسية وقدرات موسكو ووجودها في البحر المتوسط إلى تقييد حرية حركة قوات الناتو الجوية والبحرية في حال اندلاع مواجهة بين الحلف وروسيا. كذلك، قد يقوض التوسع الروسي في ليبيا الجهود الأمريكية لتحقيق الاستقرار وتوحيد البلاد، ويهدد بتقويض سنوات من المساعي الدولية لإبعاد التنظيمات الإرهابية والقوى المنافسة استراتيجياً.
نقل الأسلحة والاتفاقيات الأمنية
بعد سقوط نظام الأسد عام 2024، بدأت روسيا نقل كميات كبيرة من المعدات العسكرية المتطورة من سوريا إلى ليبيا. وظهرت أولى المؤشرات على هذه التحركات في بيانات تتبع الرحلات الجوية المنشورة في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، التي كشفت عن زيادة كبيرة في عدد الرحلات من سوريا إلى ليبيا. وشملت الشحنات "معدات دفاع جوي، بينها رادارات خاصة بمنظومتي الاعتراض إس-400 وإس-300"، مما يعكس توجه موسكو نحو نشر قدرات عسكرية متطورة في البلاد. وأكدت تقارير لاحقة وجود ما لا يقل عن 1,800 عسكري روسي في ليبيا، بينهم جنود من القوات النظامية وعناصر من "فيلق أفريقيا" شبه العسكري، الذي كان يعرف سابقاً باسم "مجموعة فاغنر". وسرعان ما وصلت دبابات ومعدات عسكرية ثقيلة أخرى.
وخلال عرض عسكري أقيم في بنغازي في أيار/مايو 2025، استعرضت القوات التابعة للجنرال خليفة حفتر، الذي يسيطر على شرق ليبيا، مجموعة كبيرة من المعدات العسكرية الروسية التي أفادت تقارير بأنها نقلت من سوريا. وكان الهدف من استعراض القوة هذا إبراز حجم الدعم الخارجي الذي تتلقاه قوات حفتر، مقارنة بحكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً في طرابلس، التي لم تحصل إلا على قدر محدود من المعدات العسكرية. ومع اتساع الوجود العسكري الروسي في شرق البلاد، عكس الاستعراض أيضاً تنامي نفوذ موسكو داخل ليبيا بدلاً من تراجعه.
وسعت روسيا كذلك إلى إضفاء طابع قانوني على وجودها العسكري. فقبل أسابيع قليلة من العرض العسكري في بنغازي، أفادت تقارير بأن الجنرال خالد حفتر، أحد أبناء خليفة حفتر، وقع اتفاقية في موسكو تهدف إلى "تطوير الشراكة الاستراتيجية وتوسيع مجالات التعاون والتنسيق العسكري والأمني". وسبق أن استخدمت موسكو اتفاقيات مماثلة مع السلطات في السودان ومدغشقر وجمهورية أفريقيا الوسطى لتوسيع انتشارها العسكري وأنشطتها في تلك البلدان. وقد يستند الكرملين مستقبلاً إلى هذه الاتفاقيات لتبرير الإبقاء على مواقعه العسكرية في ليبيا، حيث توسع وجوده بشكل ملحوظ خلال العام الجاري، كما سيتضح لاحقاً.
التمركز العسكري المباشر والتوسع الأفريقي
وفقاً لما كشفته "الوكالة الوطنية الأمريكية للاستخبارات الجغرافية المكانية" في تقرير نُشر هذا الصيف، تعمل موسكو على تسريع وتيرة إنشاء منشآت روسية في ست قواعد جوية ليبية، إلى جانب نشر قواتها ومعداتها فيها. وتشمل هذه المعدات رادارات الدفاع الجوي، ومقاتلات من طراز "ميغ-29"، ومسيرات يُعتقد أن عناصر روسية، بينهم أفراد من "فيلق أفريقيا"، يتولون تشغيلها. كما تشير التقارير إلى خطط روسية لتطوير ميناء طبرق، بما يوفر منشأة بحرية عميقة المياه قادرة على استقبال السفن الحربية وسفن الشحن الكبيرة. وإلى جانب المنشآت البحرية التي احتفظت بها موسكو في ميناء طرطوس السوري، قد يمنحها الوجود الدائم في طبرق قدرة أكبر على تحدي العمليات البحرية لحلف الناتو.
كما أتاحت القواعد الليبية للكرملين نقل الطائرات العسكرية والأسلحة والأفراد إلى مواقع أخرى في أفريقيا، ولا سيما بوركينا فاسو ومالي والنيجر. ولا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بأعداد محدودة من القوات المكلفة بالتدريب وتنفيذ الضربات في هذه المناطق لمواجهة التهديد الذي يشكله تنظيم "الدولة الإسلامية"، والذي يمثل أولوية قصوى لواشنطن. ومن ثم، فإن أي توسع للوجود العسكري الروسي في المناطق المجاورة يحمل مخاطر عدة، من تهديد سلامة القوات الأمريكية إلى زيادة احتمال وصول الأسلحة الروسية إلى أيدي التنظيمات الإرهابية. علاوة على ذلك، تميل موسكو إلى دعم أنظمة أفريقية تعتمد أساليب قد تأتي بنتائج عكسية في مواجهة التمردات الإسلامية، مما يغذي التطرف ويقوض أهداف الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب.
تعميق الانقسامات في ليبيا
بإشراف المبعوث الأمريكي مسعد بولس، ركزت إدارة ترامب جهودها في ليبيا خلال العام الماضي على توحيد المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والسياسية بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس والقوات التابعة لحفتر في بنغازي، بما يمهد الطريق لزيادة إنتاج النفط في البلاد. وقد أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مؤخراً التوصل إلى اتفاق يدعو إلى إجراء انتخابات وطنية خلال عامين، في خطوة مكملة للجهود التي تقودها الولايات المتحدة.
غير أن التدخل الروسي المتزايد يهدد بتكريس الانقسام في البلاد، إذ عارضت أطراف في شرق ليبيا وغربها اتفاق الأمم المتحدة، فيما تعمل موسكو على تأجيج هذه المعارضة. فعلى سبيل المثال، تواصل قناة "آر تي العربية" الخاضعة لسيطرة الدولة الروسية الترويج لخطاب الانقسام لتبرير استمرار التدخل الروسي، وتنشر مقالات تعكس المواقف الرافضةفي غضون دقائق من إعلان الفصائل الليبية اعتراضاتها على مقترح "بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا" أو طرح مبادرات مضادة له. وفي حال تعذر التوصل إلى اتفاق نهائي، فقد تُحال المسألة إلى مجلس الأمن الدولي، حيث تستطيع روسيا استخدام حق الفيتو لعرقلة جهود توحيد البلاد.
ومن دون تحرك أكثر فاعلية من الحلفاء لمواجهة مساعي موسكو لتأجيج الانقسامات، ستبقى ليبيا ضعيفة ومنقسمة، ومصدراً للهجرة الجماعية والجريمة العابرة للحدود والإرهاب، وغيرها من التهديدات التي تثير قلقاً بالغاً لدى أوروبا وأفريقيا والولايات المتحدة. وللتعامل مع هذه التحديات، سيضطر المجتمع الدولي إلى تخصيص مزيد من الموارد والجهود لمعالجة أعراض الأزمة بدلاً من أسبابها الجذرية، بينما تواصل روسيا التركيز على أهدافها الأوسع في منطقة الساحل، بما فيها تقويض حلف الناتو والولايات المتحدة.
توصيات سياسية
في ظل استمرار تعثر روسيا في أوكرانيا، تركز استراتيجيتها الخارجية الحالية على اختبار تماسك أوروبا وحلف الناتو وإضعافه، واستغلال الثغرات في الدول الهشة للاحتفاظ بخيارات التصعيد غير المتكافئ واستخدامها في التوقيت الذي تختاره. وتعد ليبيا مثالاً واضحاً على هذا النهج، إذ تمثل نقطة ضعف كبيرة في الجناح الجنوبي لحلف الناتو ما لم تُبذل جهود إضافية لتوحيد البلاد.
وفي الظروف الحالية، تتمتع روسيا بموقع يسمح لها بالتدخل في أي انتخابات ليبية محتملة، وشن حملات تضليل إعلامي، وتأجيج موجات الهجرة نحو جنوب أوروبا، وتقويض جهود مكافحة الإرهاب الأمريكية في منطقة الساحل وخارجها. كما أن المكاسب الروسية في ليبيا قد تتيح لموسكو تطوير بدائل اقتصادية وفي قطاع الطاقة على مستوى المنطقة.
ولأن أهداف روسيا في ليبيا تتجاوز الشأن الداخلي إلى محيطها الإقليمي، يجب أن تشمل الاستجابة الأمريكية البعدين معاً، من خلال التصدي للتدخل الروسي في الشؤون الليبية، والحد من قدرة موسكو على استخدام البلاد قاعدة لتوسيع نفوذها في المنطقة.
توحيد قوات الأمن الليبية. تعرض المسار السياسي الذي تقوده الولايات المتحدة لانتقادات بسبب الانطباع بأنه يكرس سلطة الأطراف الليبية النافذة حالياً، بدلاً من المساعدة في بناء مؤسسات تمثل مختلف مكونات المجتمع. في المقابل، قوبل المسار العسكري الأمريكي بترحيب حذر من الأطراف المحلية والمراقبين الخارجيين، ولا سيما بعد التدريبات المشتركة التي أُجريت في سرت هذا العام. ولذلك، يتعين على واشنطن مواصلة الدفع نحو توحيد القوات العسكرية في شرق ليبيا وغربها تدريجياً، من خلال الاجتماعات والتدريبات المشتركة، مع اشتراط استبعاد المعدات والقدرات الدفاعية الروسية مقابل السماح للقوات الليبية بالمشاركة في البرامج العسكرية الأمريكية. كما ينبغي للمسؤولين الأمريكيين إشراك الجماعات الموجودة في جنوب ليبيا، التي قد تكون أكثر استعداداً لمعارضة الوجود الروسي.
دعم خارطة طريق بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) . يتيح الوضع الراهن في ليبيا فرصة طال انتظارها للدول الغربية لتجديد دعمها لخارطة طريق يقودها الليبيون، وتهدف إلى إجراء انتخابات خلال عامين. ولمنع روسيا من عرقلة هذه المبادرة، يتعين على الولايات المتحدة أن تتولى قيادة جهود حشد الدول المتقاربة في المواقف لدعم خارطة الطريق، مع الضغط في الوقت نفسه على الدول التي سبق أن دعمت حفتر والسلطات في شرق ليبيا للانخراط بصورة بناءة في هذه الجهود.
إبعاد عائلة حفتر عن موسكو. رغم الاجتماعات السابقة مع مسؤولين أمريكيين، واصل الجنرال خليفة حفتر وأبناؤه التواصل مراراً مع كبار المسؤولين الروس، بمن فيهم الرئيس فلاديمير بوتين. ومن ثم، من الضروري أن تربط واشنطن استمرار تعاملها معهم، سواء من خلال الاجتماعات أو المساعدات العسكرية أو الاستثمارات الاقتصادية، بتقليص تعاونهم مع موسكو.
دعم المبادرات الأوكرانية في ليبيا. تدرك كييف أن مواجهة روسيا بفاعلية تتطلب تنسيق تحركاتها عبر ساحات متعددة، على غرار النهج الذي تتبعه موسكو. ومن هذا المنطلق، ينبغي لواشنطن استكشاف سبل دعم العمليات الأوكرانيةفي غرب ليبيا، التي تستهدف التصدي لعمليات تهريب النفط التي ينفذها "أسطول الظل" الروسي في البحر المتوسط. كما يتعين على المسؤولين الأمريكيين مساعدة كييف على بلورة خطابها الإعلامي في ليبيا والترويج له، بما يشمل مواجهة حملات التضليل المكثفة التي تشنها موسكو عبر وسائل إعلام مثل قناة "آر تي العربية". وعليهم أيضاً التنسيق مع موظفي السفارة الأوكرانية، الذين لا يزالون يعملون من تونس المجاورة لأسباب أمنية، لبحث سبل تعزيز الحضور الدبلوماسي الأوكراني والتواصل مع الأطراف الليبية.
تعزيز الجهود لإيصال الرسالة الأمريكية. واجهت روسيا إخفاقات عدة في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، من أبرزها حملتها غير الفعالة لمكافحة التمرد في مالي، التي أسهمت في تفاقم الاضطرابات هناك. وبعد سنوات من الحروب والعنف المتطرف، لا يرغب الليبيون في تكرار هذه التجربة في بلادهم. ولذلك، من المهم أن تركز برامج التواصل الجماهيري والجهود الدبلوماسية الأمريكية على إبراز أوجه القصور في الأداء الأمني الروسي وربطها بالواقع الليبي. ومن الضروري أيضاً تسليط الضوء على سجل "فيلق أفريقيا" الحافل بانتهاكات حقوق الإنسان.
فرض عقوبات على الطائرات الروسية. تستخدم روسيا شبكة من الطائرات العسكرية والخاصة لدعم قواتها في منطقة الساحل، وتشكل ليبيا نقطة انطلاق رئيسية للعديد من هذه العمليات. ويمكن للولايات المتحدة وشركائها الحد من نشاط هذا الأسطول الجوي المتنامي عبر توسيع نطاق العقوبات التي سبق أن فرضوها على أنشطة تشمل دعم "فيلق أفريقيا" و"مجموعة فاغنر"، والتورط في نقل الأسلحة الروسية إلى أفريقيا، وغيرها من الأنشطة المرتبطة بالوجود العسكري الروسي. وينبغي تعزيز هذه العقوبات بفرض قيود على عبور الطائرات الروسية الأجواء وتزويدها بالوقود، بما يزيد من تكلفة عملياتها ويطيل الوقت اللازم لتنفيذها.