- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4292
ما بعد بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو): إدارة التوتر ومنع اندلاع النزاع
رغم وجود أسباب وجيهة تدفع المغرب والجزائر إلى تجنب زعزعة الاستقرار، ستظل واشنطن بحاجة إلى تحرك دبلوماسي نشط، لا سيما بعد الإنهاء المفاجئ لمهمة بعثة حفظ سلام مهمة، وفي ظل غياب وسيط دولي واضح واحتمال محاولة خصوم الولايات المتحدة عرقلة العملية.
انتهت ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية "مينورسو" (MINURSO) في 31 تشرين الأول/أكتوبر، واللافت أن الطرفين احتفيا بذلك: المغرب الذي يطالب بالسيادة على الإقليم المتنازع عليه، وجبهة البوليساريو التي تقول إنها تمثل السكان الصحراويين المحليين. ويفتح هذا التطور مرحلة جديدة من نزاع طال أمده، وقد يقود تصاعد التوترات إلى تجدد الأعمال العدائية في هذا الجزء الواقع في أقصى غرب شمال أفريقيا، في وقت تتصدر فيه المخاوف من تجدد الحرب في الخليج الفارسي جدول الأعمال الإقليمي.
لماذا انتهت البعثة؟
بعد خمسة وثلاثين عاماً من العمل، انتهت ولاية "مينورسو" الأسبوع الماضي بعدما استخدمت روسيا حق النقض ضد مشروع قرار أمريكي في مجلس الأمن الدولي لتجديدها. وكان المشروع سيمدد مهمة قوة حفظ السلام، ويغير اسم البعثة إلى "مينوسو" (MINUSO)، ويحذف الإشارة إلى التحضير لاستفتاء يتيح للصحراويين الاختيار بين الاندماج مع المغرب أو الاستقلال. وترى إدارة ترامب في "مينورسو" نموذجاً بارزاً لبعثات الأمم المتحدة التي تستمر إلى أجل غير مسمى، حتى تتحول تدريجياً إلى عائق أمام تنمية السكان الذين أنشئت لمساعدتهم، ومنهم آلاف الصحراويين الذين لا يزالون يعيشون في خمسة مخيمات للاجئين في الجزائر. وقد وصف مشروع القرار الأمريكي، الذي حظي بتأييد أغلبية أعضاء المجلس قبل أن تعرقله موسكو، "خطة الحكم الذاتي" التي قدمها المغرب عام 2025 بأنها "الأساس الوحيد" لمواصلة المباحثات بشأن مستقبل الإقليم، بعد أن كان قرار العام الماضي يعدها "الحل الأكثر عملية".
ثم قدمت روسيا مشروع قرار خاصاً بها يدعو إلى تمديد ولاية البعثة الحالية اثني عشر شهراً دون تغييرات جوهرية. وحجتها أن المقترح الأمريكي يحصر التسوية المحتملة "في إطار خطة الحكم الذاتي المغربية وحدها"، ويتجاهل حق الصحراويين في "تسوية عادلة وحرة ومنصفة" تستند إلى مبدأ تقرير المصير. لكن المشروع الروسي لم يحظ بتأييد سوى ثلاثة أعضاء، وانقضت بعدها المهلة المحددة لتجديد ولاية "مينورسو".
أما الرباط فوصفت انتهاء ولاية البعثة بأنه نتيجة منطقية لتعثر التحضيرات للاستفتاء منذ أكثر من عشرين عاماً، ورأت أن عدم تجديدها يعني انتهاء تدخل مجلس الأمن في قضية الصحراء الغربية. فالرباط، على ما يبدو، وجدت في الفيتو الروسي فرصة لا لإنهاء مهمة البعثة فحسب، بل لتعزيز سيادتها على الإقليم أيضاً.
واحتفت جبهة البوليساريو أيضاً باستخدام روسيا حق النقض (الفيتو)، ولكن لدافع مختلف، إذ منع اعتماد قرار في مجلس الأمن يجعل من الخطة المغربية المرجعية الوحيدة للمفاوضات المقبلة. وكان مسؤولو الجبهة قد هددوا بالانسحاب من العملية بعد تقديم واشنطن المسودة الأولى لمشروع قرارها في 20 تشرين الأول/أكتوبر، غير أن الجزائر، الداعم الرئيسي للبوليساريو، كانت على الأرجح ستقنعهم بمواصلة التفاوض حتى لو اعتُمد القرار الأمريكي. ويبدو أن الفيتو الروسي قد جنبهم هذا الحرج.
في 1 تشرين الثاني/نوفمبر، دعا ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، إلى انسحاب سريع ومنظم لبعثة "مينورسو"، بما يشمل إعادة المعدات والأصول إلى الدول التي ساهمت بها. وأضاف أن "الأمين العام لا يزال يشعر بالقلق إزاء الوضع الأمني في مختلف أنحاء الإقليم واحتمال تصاعد الأعمال العدائية. ويدعو جميع الأطراف المعنية إلى التحلي بأقصى درجات ضبط النفس والامتناع عن أي خطوات قد تؤدي إلى زيادة التوتر أو تقويض الاستقرار الإقليمي".
والواقع أن تقرير الأمين العام المقدم إلى مجلس الأمن في 1 تشرين الأول/أكتوبر، ومراجعته الاستراتيجية الصادرة في 13 تشرين الأول/أكتوبر، خلصا إلى أن وجود "مينورسو" أدى دوراً حاسماً في منع استئناف الأعمال العدائية المسلحة. فالبعثة - التي تضم نحو 160 مراقباً عسكرياً و200 موظف مدني - ساعدت، بحسب التقريرين، على ردع التحركات التي قد تقود إلى التصعيد وتشجيع الأطراف على ضبط النفس، بفضل دورياتها البرية واستطلاعها الجوي ورصدها للحوادث وقدرتها الواسعة على التواصل مع مختلف الأطراف. ومعنى ذلك أن انسحابها سيزيد احتمال تجدد القتال.
توتر أم صراع؟
أثار انتهاء ولاية "مينورسو" تكهنات فورية بأن الرباط قد تستغل انسحابها الوشيك للتوغل في الجزء المتبقي من الصحراء الغربية خارج سيطرتها، وهو نحو 20 في المئة من مساحة الإقليم ويسكنه، وفق التقديرات، ما بين 30 ألفاً و40 ألف نسمة. وقد يشعل ذلك مواجهات لا مع قوات البوليساريو، التي تعد هذه الأراضي مناطق محررة، فحسب، بل مع داعميها الجزائريين أيضاً. غير أن هذه المخاوف قد تكون مبالغاً فيها؛ فالرباط تدرك أن أي تحرك من هذا النوع سيقوض روايتها القائلة إن الاعتراف الدولي، لا الاحتلال العسكري، هو ما رسخ سيطرتها على الصحراء الغربية. كما تحرص المملكة على الحفاظ على صورتها كدولةً مستقرة وهي تستعد لاستضافة كأس العالم 2030 بالشراكة مع البرتغال وإسبانيا.
ويبقى موقف الجزائر من أي توغل مغربي عاملاً حاسماً. فقد أبدت مؤخراً استعداداً غير مألوف لاستعراض قوتها العسكرية وهي تؤكد مصالحها في المنطقة الأوسع. ففي الشهر الماضي مثلاً، أرسلت قوات إلى النيجر لحماية استثماراتها هناك في قطاع الطاقة، في أول انتشار عسكري لها خارج حدودها منذ أكثر من خمسين عاماً. لكن من المستبعد أن ترى الجزائر، شأنها شأن المغرب، أن مواجهة مفتوحة مع جارتها تخدم مصالحها السياسية والاقتصادية التي تقوم على الاستقرار. لذا، فإن تصاعد التوترات في المدى القريب، إن حدث، قد يبقى ضمن حدود معينة.
أما آفاق المرحلة المقبلة على المدى المتوسط، فلا تزال غامضة . فقد أكد غوتيريش هذا الأسبوع استعداد الأمم المتحدة "لمواصلة دعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار والتوصل إلى حل سلمي للنزاع" من خلال مبعوثه الشخصي ستافان دي ميستورا . ومع تولي أمين عام جديد قيادة المنظمة في مطلع عام 2027، قد يتجدد عرض الوساطة هذا. وربما تتقدم جهات أخرى، مثل الاتحاد الأفريقي، لتولي هذا الملف، لكن مشاركتها تحتاج إلى موافقة الرباط وجبهة البوليساريو. وبعد كل هذه السنوات من الوساطة الأممية، يبقى من غير الواضح ما إذا كان أي وسيط آخر سيحقق أكثر من تهدئة مؤقتة.
وفي كل الأحوال، قد يسعى المنافسون الاستراتيجيون لواشنطن إلى استغلال انتهاء ولاية "مينورسو" واحتمال تصاعد التوترات لتحقيق مكاسبهم الخاصة. فروسيا، مثلاً، قد تستغل حالة الارتباك لتعزيز وجودها في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، وهي أكبر مورد للأسلحة إلى الجزائر ومالي. أما الصين، التي أصبحت ثاني أكبر مورد للأسلحة إلى الجزائر، فقد تُحمّل واشنطن مسؤولية أي تصاعد في عدم الاستقرار خلال الأشهر المقبلة بحجة رفضها التوصل إلى تسوية وسط في مجلس الأمن، بل قد تعرض التوسط بين الأطراف.
توصيات للسياسة الأمريكية
لا تزال للولايات المتحدة مصلحة واضحة في منع اندلاع نزاع في شمال غرب أفريقيا، خاصة أن جهات معادية قد تستغل انتهاء ولاية "مينورسو". صحيح أن انتهاء ولاية البعثة كان نتيجة منطقية لاعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، لكن إدارة ترامب مطالبة الآن بالاستعداد لتداعيات هذه السياسة. ولخفض حدة التوترات، والحيلولة دون تجدد المواجهات المسلحة، وردع الأطراف الخارجية عن تأجيج الأزمة، يتعين على واشنطن اتخاذ الخطوات التالية:
- دعوة جميع الأطراف إلى ضبط النفس.
- تجديد التأكيد على استعدادها لمواصلة دعم جهود دي ميستورا لتيسير الحوار.
- إيفاد مسؤولين أمريكيين، من بينهم المستشار البارز مسعد بولس، لإجراء محادثات مع المسؤولين في الجزائر والمغرب.
- الاستفادة من قنوات الاتصال القائمة بين القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا ("أفريكوم") والجيشين المغربي والجزائري لحثهما على ضبط النفس على طول خطوط المواجهة، في ظل غياب دوريات قوات حفظ السلام التابعة لطرف ثالث عن هذه المناطق.
- دعم وكالات الأمم المتحدة، ومن بينها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لضمان استمرار تدفق المساعدات إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين في الجزائر. ولم يزر أي مسؤول من المفوضية هذه المخيمات منذ عام 2009، مما يضفي أهمية خاصة على الزيارة المرتقبة للمفوض السامي برهم صالح في هذا التوقيت.