- تحليل السياسات
- المرصد السياسي 4284
هل إسرائيل مقبلة على أهم انتخابات في تاريخها؟
تناقش نخبة من خبراء استطلاعات الرأي والصحفيين والمحللين السياسيين الإسرائيليين أهمية الانتخابات المرتقبة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، ومدى قدرتها على تغيير سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين ووقف التراجع الحاد في الدعم الشعبي لإسرائيل في الولايات المتحدة .
في الخامس عشر من تشرين الأول/أكتوبر، عقد معهد واشنطن منتدى سياسياً افتراضياً شارك فيه تامار هيرمان و يعقوب كاتس وأميت سيغال . وتعد هيرمان من أبرز الباحثين في مجال العلوم السياسية، ولديها خبرة طويلة في دراسة اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي. وهي باحثة أولى في "معهد الديمقراطية الإسرائيلي"، والمديرة الأكاديمية لـ"مركز عائلة فيتربي لبحوث الرأي العام والسياسات" . أما كاتز فهو كاتب وصحفي إسرائيلي أمريكي، وزميل أقدم في "معهد سياسات الشعب اليهودي"، وأحد مؤسسي منظمة "الحوار بين الشرق الأوسط وأمريكا .(MEAD) ويشغل سيغال منصب كبير المحللين السياسيين في صحيفة "إسرائيل هيوم" والقناة الثانية عشرة الإخبارية، حيث يقدم برنامج "ميت ذا برس".
وفيما يلي ملخص أعده المقررون لمداخلاتهم.
تامار هيرمان
تتباين مواقف الإسرائيليين بشأن القضايا التي ستحدد مسار الانتخابات المقبلة، سواء من حيث فهمها أو طريقة تناولها. ففي استطلاعات الرأي التي أجريتها مؤخراً، أبدى المشاركون اليهود الذين يصنفون أنفسهم ضمن اليمين السياسي، وتبلغ نسبتهم نحو 60 في المئة، اهتماماً أكبر بقضايا الأمن والسياسة الخارجية . في المقابل، ركز المنتمون إلى الوسط، الذين يشكلون 25 في المئة، على الاقتصاد، بينما اهتم المنتمون إلى اليسار، ونسبتهم 15 في المئة، بالعلاقة بين الدين والدولة. وتشير هذه النتائج إلى غياب توافق بشأن القضايا المطروحة في الانتخابات، ومن المرجح أن يؤدي هذا الاستقطاب إلى شعور قطاعات واسعة من الناخبين بعدم الرضا عن نتائجها .
وتتناول استطلاعاتي الشهرية أربعة مؤشرات رئيسية تتعلق بمستقبل إسرائيل، هي الأمن القومي والديمقراطية والاقتصاد والتماسك الاجتماعي. وتظهر النتائج الأخيرة تشاؤماً واسعاً بين الإسرائيليين على اختلاف خلفياتهم بشأن التماسك الاجتماعي، يقابله تفاؤل متزايد بمستقبل البلاد . لكن عند تصنيف النتائج وفقاً للانتماء السياسي، يتبين أن اليمين أكثر تفاؤلاً من اليسار في المؤشرات الأربعة جميعها .
لم تستمر حالة الوحدة الوطنية التي أعقبت الهجوم الإرهابي الذي شنته "حماس" في 7 تشرين الأول/أكتوبر طويلاً، إذ سرعان ما عادت الانقسامات التقليدية المرتبطة بالتركيبة الاجتماعية والديموغرافية، ومستويات التدين، والهوة بين المركز والأطراف. ويعكس هذا الواقع تنوع المجتمع الإسرائيلي، واختلاف مواقف فئاته بشأن العلاقة بين الدين والدولة، وكيفية التعامل مع التهديدات الأمنية، وطبيعة العلاقة التي ينبغي أن يقيمها القادة مع المجتمع الدولي. فعندما أعلنت الحكومة في آذار/مارس 2025 أنها لن تمدد وقف إطلاق النار في غزة الذي تم التوصل إليه مطلع ذلك العام، أيد بعض الإسرائيليين القرار، بينما رأى كثيرون من اليسار أن الحرب تحولت إلى مناورة سياسية تهدف إلى إبقاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في السلطة .
وفي الانتخابات المقبلة، قد يجد غادي آيزنكوت، أحد أبرز مرشحي المعارضة، نفسه مضطراً إلى تشكيل حكومة أقلية إذا فاز . وفي هذه الحالة، قد يسعى أحد الأحزاب اليهودية المتشددة دينياً إلى الانضمام إلى الائتلاف الحكومي مقابل تقديم بعض التنازلات. ورغم عدم وضوح مدى قابلية هذا الخيار للتطبيق، فقد يكون أسهل من إشراك حزب عربي في الائتلاف، بعدما أعلن عدد من الشركاء المحتملين لآيزنكوت مؤخراً أنهم سينسحبون من حكومته إذا ضمت أحزاباً عربية .
ومن المهم أيضاً مراعاة أن استطلاعات الرأي غالباً ما تقلل من حجم التأييد للأحزاب اليمينية، لأن بعض الإسرائيليين يترددون في الإفصاح عن نيتهم التصويت لها. لكنهم عند حلول موعد الانتخابات يصوتون بالفعل لمرشحي اليمين .
يعقوب كاتس
رغم التدهور الكبير في مواقف الرأي العام الأمريكي والدولي تجاه إسرائيل خلال الأسابيع الأخيرة، فإن هذا التحول لم يحظ بالاهتمام المتوقع في الحملات الانتخابية والمناظرات السياسية الإسرائيلية. فلا يكاد أي مرشح ينتقد نتنياهو بسبب العزلة الدبلوماسية المتزايدة التي تواجهها إسرائيل. ويعود ذلك إلى سببين رئيسيين، يرتبط كلاهما بحقيقة أن الأمن يتصدر أولويات معظم الناخبين .
أولاً، يميل الإسرائيليون إلى النظر إلى العالم وفق منطق صارم يقوم على ثنائية "إما معنا أو ضدنا". ولذلك، فسر كثيرون التراجع السريع في الدعم الدولي بعد هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر باعتباره تعبيراً عن معاداة السامية، وليس انتقاداً مشروعاً لسياسات الحكومة. ومن وجهة نظرهم، خاض الجيش الإسرائيلي حرب غزة بأقصى قدر ممكن من مراعاة الاعتبارات الإنسانية، لكن ذلك لم يكن كافياً لإرضاء المجتمع الدولي، مما جعل استعادة دعمه أمراً مستحيلاً. وفي ظل هذه القناعات، يصعب إجراء نقاش عام معمق داخل إسرائيل بشأن التحولات في الرأي العام الأمريكي .
ثانياً، استغل السياسيون هذه المواقف لإقناع الناخبين بأن بقاءهم في السلطة ضروري لحماية إسرائيل من عالم معاد لها، مما أوجد حلقة مفرغة تخدم مصالحهم السياسية . فعندما فرضت المملكة المتحدة مؤخراً عقوبات على مستوطنات في الضفة الغربية، أسهمت من دون قصد في تعزيز موقف السياسيين المؤيدين للاستيطان. ولا يرى كثير من الإسرائيليين أن الوضع بلغ مستوى الخطورة الذي تعكسه استطلاعات الرأي. فهم يعتقدون أن إسرائيل فقدت تعاطف أوروبا منذ زمن بعيد، وأن استعادة دعم الحزب الديمقراطي الأمريكي قد تكون مستحيلة، لكنهم ما زالوا مقتنعين بأن الرئيس ترامب والجمهوريين يتعاطفون معها. ولم يدرك هؤلاء بعد عمق التحولات التي تتجاوز الانقسامات الحزبية في الولايات المتحدة، أو ما قد تعنيه بالنسبة إلى العلاقات الأمريكية الإسرائيلية .
ومن السذاجة الاعتقاد بأن تولي رئيس وزراء جديد المنصب سيغير كل شيء. فرغم أن رحيل نتنياهو قد يسهم في تهدئة الأجواء السياسية والحد من حدة الخطاب العدائي، فإن آيزنكوت يشاركه رفض حل الدولتين للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، ومن غير المرجح أن يسحب القوات الإسرائيلية من غزة . ومع ذلك، تستطيع حكومة جديدة اتخاذ خطوات إيجابية فور توليها السلطة. وأسهل هذه الخطوات تتمثل في تشديد الإجراءات لمواجهة عنف المستوطنين المتطرفين، من خلال السماح للسلطات باستئناف الاعتقال الإداري بحق المشتبه بهم اليهود في الضفة الغربية، وهو إجراء يمكن تطبيقه على الفور تقريباً. فقد خفضت الحكومة الحالية سقف التوقعات بشأن الخطوات التصالحية إلى حد أن مقترحات سبق رفضها ستعد اليوم تنازلات مهمة. ومن الأمثلة على ذلك خطة "السلام الاقتصادي" التي طرحها نتنياهو عام 2009، والتي سخرت منها إدارة أوباما آنذاك باعتبارها غير كافية إطلاقاً، في ظل تركيزها على حل الدولتين .
أما احتمال اضطرار آيزنكوت إلى تشكيل حكومة أقلية إذا فاز، فقد ينطوي على جانب إيجابي بالنسبة لأنصاره، إذ سيتيح لهم تشكيل لجنة تحقيق في هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر. لكن هذه الخطوة ستؤدي فوراً إلى طرح تصويت بحجب الثقة عن الحكومة الجديدة، والدخول في جولة انتخابية أخرى . وعندها، سيقول نتنياهو للناخبين، من دون شك، إن معسكر آيزنكوت نكث بوعوده الانتخابية وتحالف مع الأحزاب العربية .
أميت سيغال
قبل أسبوعين من موعد الانتخابات، لا يزال كثيرون يتساءلون عما إذا كان الرئيس ترامب سيعلن دعمه لنتنياهو. لكن ثمة أسباباً عدة تجعل هذا الاحتمال مستبعداً. أولها أن ترامب يميل عموماً إلى دعم الفائزين، بينما تشير استطلاعات الرأي التي اطلع عليها إلى أن أفضل نتيجة يمكن أن يحققها نتنياهو هي التعادل مع منافسيه . كذلك، لم يعد كثير من أعضاء فريق الرئيس ينظرون إلى نتنياهو باعتباره شريكاً . ولا شك أن ترامب لاحظ أيضاً أن دعم نائبه جي دي فانس للرئيس المجري فيكتور أوربان لم يحل دون تعرض الأخير لهزيمة محرجة. وتدخل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في حسابات ترامب أيضاً. فحتى لو تحسن أداء نتنياهو في استطلاعات الرأي وتعزز تأييده داخل فريق الرئيس، فقد لا يرغب ترامب في المجازفة بدعم مرشح إسرائيلي قد يخسر في النهاية، خشية أن ينعكس ذلك سلباً على فرص المرشحين للكونغرس الذين يدعمهم داخل الولايات المتحدة .
وفى هذا السياق، لم يعد تأييد الإسرائيليين لترامب بالمستوى الذي بلغه خلال ذروة الحرب مع إيران. فقد تراجعت شعبيته بينهم بصورة ملحوظة بعدما بدا أن إدارته أساءت التعامل مع اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، وطرحت مقترحات قد تمنح طهران نفوذاً غير مبرر على الأوضاع في لبنان. ومن ثم، قد لا يكون إعلان ترامب دعمه لنتنياهو مؤثراً في الناخبين الإسرائيليين بالقدر نفسه الذي كان عليه في السابق .
وفيما يتعلق بالتداعيات السياسية المحتملة لتغيير الحكومة، كانت الخلافات بين ائتلاف نتنياهو والائتلاف السابق بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد محدودة نسبياً في القضايا الرئيسية، ومنها الضفة الغربية وغزة والبرنامج النووي الإيراني. لكن الاختلافات بين الحكومة الحالية وحكومة جديدة قد تشكلها المعارضة ربما تكون لها تداعيات أوسع خلال السنوات المقبلة، ولا سيما إذا جاءت الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2028 بإدارة أكثر عداء لإسرائيل. فقد تطالب إدارة كهذه إسرائيل باتخاذ خطوات جذرية بشأن القضية الفلسطينية وملفات أخرى، وربما تهدد بفرض عقوبات عليها إذا لم تستجب لهذه المطالب. وفي الوقت الراهن، يجمع أحزاب المعارضة الإسرائيلية الرئيسية هدف واحد هو إقصاء نتنياهو عن السلطة، لكن الخلافات السياسية بينها قد تطفو على السطح بعد رحيله، مما يؤدي إلى انقسامها وإضعافها. ومن شأن الضغوط المتزايدة من إدارة أمريكية أقل ودية تجاه إسرائيل أن تعمق هذه الانقسامات .
وفي نهاية المطاف، لا يمكن ضمان قيام حكومة إسرائيلية قادرة على العمل والاستمرار طوال أربع سنوات لتنفيذ سياساتها إلا من خلال تشكيل حكومة وحدة وطنية. أما حكومة الأقلية، فمن المرجح أن تجد نفسها أمام انتخابات جديدة قبل انقضاء هذه المدة بكثير. وإذا أسفرت انتخابات هذا الشهر عن عجز كلا المعسكرين عن الاقتراب من الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، فسيضطران إلى التراجع عن تعهداتهما بعدم التعاون مع أحزاب معينة .
ويتمثل الهدف الأساسي لآيزنكوت في ضمان وصوله إلى رئاسة الوزراء على الأقل، بما يعزز موقعه السياسي استعداداً للجولة الانتخابية المقبلة. لكن مشاركته في حكومة تضم أحزاباً عربية ستلحق، في الواقع، ضرراً بالغاً بمصداقية تيار يسار الوسط، وتصب في مصلحة نتنياهو على المدى الطويل .
في المقابل، إذا تخلى نتنياهو عن التحالف مع السياسي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير أو الأحزاب اليهودية المتشددة دينياً، فقد يفتح ذلك الباب أمام تشكيل حكومة وحدة وطنية مستقرة وقادرة على العمل. وكان أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب "إسرائيل بيتنا"، قد تعهد بعدم المشاركة في أي حكومة تحظى بدعم الأحزاب العربية، لكنه قد يكون مستعداً للتراجع عن هذا التعهد إذا أتيحت له فرصة تولي رئاسة الوزراء .
أعد هذا الملخص نافا غولدشتاين وكيت تشيسنوت وناثان غالواي. وقد أمكن إصدار سلسلة "منتدى السياسات" بفضل الدعم السخي من "مؤسسة وينكلر لوي".