- تحليل السياسات
- منتدى فكرة
حرب إيران تضغط على الجنيه المصري: استقرار هش وصدمات متوقعة
يواجه الجنيه المصري ضغوطاً متزايدة تهدد استقراره، في ظل استمرار تداعيات الحرب الإيرانية على أسواق النفط ومصادر النقد الأجنبي في مصر، مما يفاقم المخاوف بشأن الآثار الاقتصادية طويلة الأمد لاستمرار الصراع.
تُثبت الحرب ضد إيران والضغوط المستمرة التي تمارسها على الاقتصادات الاقتصاديات الناشئة (ومن بينها مصر)، أنها اختباراً صعباً للعملة المصرية، التي ظلت مستقرة حتى اندلاع الحرب، لكنها تواجه الان ضغوطاً هيكلية عميقة. ورغم أن القاهرة تدعي قدرتها على استيعاب الصدمات، فإن التقارير الدولية والتحليلات الاقتصادية تشير إلى أن الجنيه يقف على أرضية "هشة لكنها قابلة للاستمرار مؤقتاً". وبفضل الإجراءات التي أشاد بها الخبراء لدورها في تعزيز مرونة سعر الصرف، تمكنت القاهرة حتى الآن من إدارة الجنيه بفاعلية. ومع ذلك، يتعين عليها الحفاظ على درجة عالية من اليقظة والاستعداد للتحرك السريع إذا ما شهدت الأوضاع تدهوراً.
تبرز النتيجة المباشرة للحرب في ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد العالمية، ما انعكس سريعاً على الاقتصاد المصري. وبالنسبة لمصر، التي تعد مستورداً صافياً للطاقة، فإن كل زيادة قدرها 10 دولارات في أسعار النفط تضيف نحو 2.5مليار دولار إلى فاتورة وارداتها، مما يفاقم الضغوط على ميزان المدفوعات. ومع تصاعد الحرب، تعرض الجنيه المصري لضغوط متزايدة، حيث فقد أكثر من 8% من قيمته منذ بدء الصراع في ظل تدفقات خارجية للاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين المحلية وتزايد القلق في الأسواق. وفي بعض الفترات، تجاوز سعر الصرف 54 جنيهاً للدولار الواحد - وهو مستوى قياسي منخفض للجنيه. وتشير التقديرات أيضاً إلى أن الجنيه فقد ما يصل إلى 14% من قيمته منذ بدء الحرب، ما يعكس حجم الضغوط الخارجية المتزايدة التي تواجهها العملة المصرية.
وعلى مدى العقد الماضي شهد الجنيه المصري خسائر أكبر بكثير مقارنة بالفترة الحالية، فقد كان سعر الصرف الرسمي حوالي 10 جنيهات مقابل الدولار في بداية عام 2016 ثم قفز إلى 17.8 جنيهاً عام 2017، ثم إلى 19.2 جنيها عام 2022 قبل أن يصل إلى 45.3 جنيها للدولار في عام 2024 وهو ما يعني أن الجنيه فقد أكثر من 80 % من قيمته خلال العقد الماضي.
فحينما تخطي الجنيه المصري عتبة الخمسين جنيهاً للدولار، لم يكن ذلك مجرد رقماً اقتصادياً، بل كان وقع هذا التراجع صدمة نفسية عميقة للمواطن المصري أدت إلى تآكل قدراته الشرائية ومصدراً للقلق والإحباط والعجز أمام ارتفاع الأسعار المتزايد للسلع الأساسية والدواء والتعليم. وقد أدي ذلك إلى تغييرات في سلوكيات الاستهلاك وتقليص الإنفاق على الكماليات خاصة في الطبقات الوسطي.
ويرى خبراء الاقتصاد أن تأثير الحرب على الجنيه المصري لا يقتصر على سعر الصرف، بل يمتد عبر قنوات رئيسية أخرى. وتتمثل هذه القنوات في ارتفاع فاتورة واردات الطاقة، التي قفزت من 560 مليون دولار قبل الحرب إلى 1.7 مليار دولار حالياً. كما ارتفع إجمالي خدمة الدين الخارجي إلى 29.18 مليار دولار، بزيادة قدرها 1.3 مليار دولار مقارنةً بتقديرات ما قبل الحرب. ويعد هذان البندان من أبرز أوجه الإنفاق على النقد الأجنبي في مصر.
في المقابل تراجعت الإيرادات الدولارية من عائدات قناة السويس التي انخفضت من متوسط 700 الي 800 مليون دولار شهرياً قبل الحرب في إيران، الي ما بين 300 إلى 400 مليون دولار فقط شهرياً. كما تراجعت عوائد السياحة بشكل كبير بعد أن بلغت 17 مليار دولار في عام 2025 في سابقة تاريخية. ولا يقتصر خطر التصعيد العسكري على ارتفاع تكاليف الطاقة وخدمة الدين، بل يمتد إلى تهديد أكثر خطورة يتمثل في احتمال تراجع أعداد العمالة المصرية في الخليج، مما قد يؤدي إلى انخفاض حاد في تحويلات المصريين بالخارج. وتُعد هذه التحويلات (التي تجاوزت 41 مليار دولار في عام 2025) أحد أهم مصادر النقد الأجنبي إلى جانب إيرادات قناة السويس وإيرادات السياحة.
وهذه العوامل مجتمعة قد تدفع العجز في الحساب الجاري للارتفاع من نحو 15 مليار دولار إلى 24 مليار دولار، مما يُجبر الحكومة على السعي للحصول على تمويل أجنبي إضافي، ويزيد من تعقيد جهودها الرامية إلى خفض المديونية الخارجية وتعزيز الاستدامة المالية. وتُسلّط هذه الديناميكية الضوء على التناقض المتزايد بين هدف القاهرة المتمثل في تقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي، وحاجتها المتزايدة إلى رأس المال الأجنبي لمعالجة الفجوات التمويلية الآخذة في الاتساع.
ويقول الدكتور محمود محيي الدين المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل خطة التنمية المستدامة لعام 2023، أن هناك درجات مختلفة من المرونة في سعر الصرف للتعامل مع مثل هذه الصدمات الجيوسياسية الخارجية. فمن الوارد، بل من الواجب أن يتغير سعر الصرف استجابة لهذه الضغوط سواء من ناحية تراجع العرض أو من ناحية زيادة الطلب. ويوضح محيي الدين أنه من ناحية العرض، شهدت مصادر النقد الأجنبي ضغوطاً متزايدة نتيجة الحرب. فقد تراجعت الإيرادات السياحية، كما تأثرت الصادرات، ولا سيما إلى الدول المتضررة من الحرب ضد إيران. كذلك، يبرز احتمال تباطؤ نمو تحويلات المصريين العاملين في الخارج. ويضيف أن إيرادات قناة السويس، بوصفها مرفقاً حيوياً، قد تتعرض أيضاً للتراجع، حتى في حال عدم حدوث اضطرابات في باب المندب، وذلك بسبب التأثير السلبي للحرب على حركة التجارة الدولية. أما من ناحية الطلب فقد شهد الاقتصاد طلباً أكبر على الدولار من مستثمري المحفظة أو المستثمرين لآجال قصيرة أو الأموال الساخنة Hot Money وكذلك زيادة الطلب على الدولار لأغراض التحوط حيث لا يزال تصنيف الدولار كملاذ أمن أفضل من غيره من العملات الدولية الأخرى.
استجابة الحكومة: مزيج من التقشف والدعم
في مواجهة هذه الضغوط، اتخذت الحكومة المصرية سلسلة من الإجراءات لاحتواء الأزمة والحفاظ على استقرار العملة، أبرزها ترشيد استهلاك الطاقة من خلال تقليل ساعات العمل والإغلاق المبكر للمحال التجارية وخفض الدعم الحكومي للوقود مع الاستمرار في سياسات سعر الصرف المرنة وطلب الدعم من صندوق النقد الدولي. وتستهدف تلك الإجراءات تقليل الضغط على الطلب على الدولار. علاوة على ذلك، أسهمت الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها الحكومة المصرية، بما في ذلك تحرير سعر الصرف، في تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي التي تُقدر بنحو 53 مليار دولار، ووفرت هامشاً وقائياً مؤقتاً.
وتشكل الودائع الخليجية (من المملكة العربية السعودية والإمارات والكويت) نسبة لا يُستهان بها من هذه الاحتياطات، حيث بلغت الودائع طويلة الأجل من الدول العربية حوالي 9.3 مليار دولار منذ منتصف عام 2024. ورغم أن الإمارات قامت بتحويل جزء كبير من ودائعها إلى استثمارات في مشروع رأس الحكمة، مما أدى إلى انخفاض حجم هذه الودائع نسبياً، إلا أنها لا تزال تشكل جزءاً حساساً من الاحتياطات. وقد تكون هذه الودائع عرضة للسحب المفاجئ إذا قررت دولة الخليج استردادها، سواء بسبب توترات سياسية أو حاجتها إلى السيولة، كما حدث مؤخراً مع الإمارات التي طالبت باكستان باسترداد ودائعها البالغة 3.5 مليار دولار. وهذا الاحتمال يجعل جزءاً مهماً من احتياطي النقد الأجنبي لدى الحكومة المصرية غير مستقر، مما يزيد من هشاشة الوضع أمام أي تغيرات جيوسياسية في المنطقة.
مؤخراً، باعت وزارة المالية المصرية سندات خزانة مقومة بالدولار الأمريكي بآجال استحقاق مدتها سنة واحدة بقيمة 934 مليون دولار في أحدث مزاد لها، وسط ارتفاع ملحوظ في تكاليف الاقتراض. وبلغ العائد 4%، بزيادة قدرها 0.5 نقطة مئوية عن المزاد السابق لنفس الاستحقاق في شباط/ فبراير، والذي بلغ 3.5%- وهو أعلى مستوى منذ حزيران/يونيو 2025. ويأتي ذلك في الوقت الذي تستعد فيه مصر لسداد 985مليون دولار من سندات الخزانة المقومة بالدولار، مما يسلط الضوء على التباين الواضح بين تكلفة الدين الخارجي والداخلي.
نجحت الحكومة في إصدار سندات بفائدة تقارب 9.5% الي 10% وهو معدل أقل من المستويات التي بلغتها السوق والتي وصلت إلى 20% و30% خلال عامي 2023 و2024، لكنه يقترب من معدلات الفائدة التي كانت سائدة خلال العقد الأول من بداية الألفية وأكبر من المعدلات المنخفضة التي تراوحت بين 4% و7% في فترة التسعينات من القرن الماضي.
وقد أكد وزير المالية المصري أحمد كجوك مراراً أن استراتيجية الحكومة تركز على خفض الدين الخارجي بمقدار 1 إلى 2 مليار دولار سنوياً من خلال سداد أكبر من الاقتراض الجديد وإطالة أجل الاستحقاق . ومع ذلك، تضع تداعيات الحرب مع إيران هذه الخطط في مهب الريح، إذ إن الارتفاع المتوقع في فاتورة الطاقة وزيادة الاحتياجات التمويلية قد يدفعان الحكومة إلى زيادة الاقتراض الخارجي، مما يهدد جهود تقليص المديونية.
ويقول الدكتور محمود محيي الدين أن الإدارة الاقتصادية المصرية استفادت من دروس تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وان سعر الصرف يجب أن يتمتع بمرونة كافية وهو ما يطلق عليه دكتور محيي الدين "Variability" أي تغير في سعر الصرف للدولار أمام الجنيه ليعكس هذه التغيرات. وقد تلقت الأسواق صدمة العمليات العسكرية ضد إيران في البداية من خلال ارتفاع الدولار مقابل الجنيه، أعقبها تحسن نسبي في القيمة الاسمية للجنيه، ولا سيما في ظل التوقعات المسبقة بإمكانية قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري ضد إيران حتى قبل اندلاع الحرب رسمياً. وأشار إلى أن السلطات النقدية المصرية نجحت في إدارة سوق العملات الأجنبية لتلبية الطلب العاجل على الدولار، محققةً توازناً مدعوماً باحتياطيات النقد الأجنبي بوصفها ركيزة لاستقرار السوق، بما أتاح للمستثمرين قصيري الأجل منفذاً بسعر سوقي عادل بدلاً من سعر تفضيلي، وهو نهج يتسم بالواقعية والمرونة العملية في إدارة سعر الصرف.
التحوط من التقلبات في سعر الجنيه
ويري الدكتور أشرف الربيعي الرئيس الأسبق للتمثيل التجاري المصري والمستشار الأسبق لوزير التجارة أن الضغوط التي تعرض لها الجنيه المصري إثر نشوب الحرب كانت تداعياتها ملموسة بشكل أكبر من الضغوط التي تعرضت لها عملات الكثير من الدول الطرف في النزاع أو دول منطقة الشرق الأوسط. ويرجع ذلك إلى نتيجة اعتماد الاقتصاد المصري على موارد خارجية لتدفق العملات الحرة وهي تحويلات المصريين في الخارج وأغلبها من دول الخليج المتضررة من الحرب، وإيرادات قناة السويس وتأثرها بتراجع التجارة الدولية، وإيرادات السياحة والتي تأثرت بإلغاء العديد من الرحلات الجوية وزيادة أسعارها، مع تراجع الصادرات المصرية خاصة إلى دول الخليج وهي سوق هامة للمنتجات المصرية.
ويضيف الربيعي أن الضغوط على العمليات الإنتاجية قد تصاعدت نتيجة اعتماد العديد من الصناعات على مدخلات مستوردة من الخارج، إلى جانب ارتفاع الأسعار بمعدلات تجاوزت الزيادة الفعلية في أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الجنيه. ويعزى ذلك إلى تنامي التكهنات بشأن احتمالات انخفاض قيمة الجنيه مستقبلاً، واتجاه الشركات إلى التحوط عبر رفع الأسعار تحسباً لأي ارتفاع محتمل في سعر الدولار مقابل الجنيه. وقد دفع هذا الوضع العديد من الشركات إلى زيادة أسعار منتجاتها، خصوصاً السلع المعمرة، أو تعليق المبيعات مؤقتاً لحين اتضاح الرؤية، أو الاكتفاء بقبول الحجوزات على بعض الفئات - مثل السيارات رغم توافرها - بما يسمح بتحديد الأسعار النهائية وفقاً للتقلبات المستقبلية المحتملة في قيمة الجنيه.
استقرار حقيقي أم موقت
ورغم الإجراءات الحكومية التي أشاد بها الخبراء في الحفاظ على المرونة في سعر الصرف، يظل السؤال هل استقرار الجنيه الحالي حقيقي أم مؤقت؟ حيث يرى بعض المحللين، أن الإجابة تقع في المنطقة الرمادية. فبعض التقديرات تشير إلى أن سعر الصرف الحالي قد يكون "مبالغاً فيه" نتيجة التوترات الجيوسياسية، وقد يتراجع مع انحسار الأزمة. في المقابل، ترى مؤسسات مالية أن الاتجاه العام للعملة لا يزال نحو الضعف التدريجي، مع توقعات بتداول الدولار بين 52 و55 جنيهاً خلال العام الجاري. ويعزز هذا الطرح استمرار الضغوط التضخمية، حيث ارتفع معدل التضخم إلى أكثر من 15%، مدفوعاً بزيادة أسعار الغذاء والطاقة.
إلى متى يصمد الجنيه؟
تشير التقديرات إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة: الأول هو سيناريو الاستقرار الموقت، فإذا هدأت الحرب خلال الأشهر المقبلة، قد يستقر الجنيه حول مستوياته الحالية، مع تحسن تدريجي في التدفقات الدولارية. والثاني هو سيناريو استمرار الضغوط الجيوسياسية مع استمرار الحرب مما سيبقي الجنيه المصري تحت الضغوط واحتمالات التراجع في قيمته. أما السيناريو الثالث فهو الأخطر في حال تصعيد الحرب وارتفاع أسعار النفط بشكل حاد بما يتجاوز 150 دولاراً للبرميل وهو ما سيضع الجنيه المصري أمام موجة تراجع جديدة تتجاوز 55 جنيهاً للدولار.
وتكشف تداعيات الحرب في إيران عن هشاشة التوازن الذي يقوم عليه استقرار الجنيه المصري. فبينما نجحت الحكومة في احتواء الصدمة الأولى عبر إجراءات مالية ونقدية ودعم خارجي، فإن هذا الاستقرار يظل رهيناً بعوامل خارجية لا تملك القاهرة السيطرة عليها. وبين استقرار ظاهري وضغوط كامنة، يبدو أن الجنيه المصري دخل مرحلة "إدارة الأزمة" أكثر من كونه في مسار تعافٍ مستدام، ما يجعل مستقبله مرتبطاً بشكل وثيق بمآلات الحرب في المنطقة وقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات المتتالية.
هبة القدسي صحفية مصرية أميركية تشغل منصب مدير مكتب جريدة الشرق الأوسط بواشنطن منذ عام 2017، وعملت باحثةً سياسية بمعهد وودرو ولسون عام 2009/2010 على دراسة بعنوان "الديمقراطية كسبب للتوترات بين مصر وواشنطن خلال عهد الرئيس جورج بوش الابن 2001-2008". وقد عملت في السابق في عدة صحف مصرية وخليجية في كل من مصر والكويت والإمارات. وهي حاصلة على جائزة من الأمم المتحدة لأفضل تغطية صحفية لمؤتمر المرأة والسكان. وتشارك في تقديم التحليلات السياسية والاقتصادية على عدد من الشبكات التليفزيونية المصرية والخليجية والدولية.