- تحليل السياسات
- منتدى فكرة
باكستان تدخل المشهد: السودان والتحوّل في منظومة الأمن الإقليمي
تُبرز صفقة الأسلحة البالغة قيمتها 1.5 مليار دولار بين باكستان والسودان مؤشراً على انتقال المنطقة من مسار الحلول الدبلوماسية نحو التصعيد العسكري، وهو ما قد يسهم في إطالة أمد النزاع في السودان.
في وقت كان من المفترض أن يشهد زخماً متجدداً نحو تسوية سياسية في السودان، تشير التقارير إلى أن باكستان، بوساطة سعودية، تقترب من إتمام صفقة أسلحة بقيمة 1.5 مليار دولار مع هذا البلد الذي مزقته الحرب. وبعيداً عن كونها صفقة أسلحة روتينية، تشمل الصفقة طائرات (كاراكورام - 8) وأكثر من 200 طائرة مسيرة وأنظمة دفاع جوي، وربما طائرات مقاتلة متعددة المهام من طراز (JF-17)، تُنتَج بشكل مشترك من قِبل شركة باكستان للطيران وشركة تشنغدو الصينية للطائرات، يشير هذا التطور إلى تحول إقليمي أوسع يبتعد عن منطق التسوية الدبلوماسية لصالح مقاربة عسكرية متصاعدة للصراع السوداني.
الدعم العسكري يحل محل المسار الدبلوماسي
تشكّل تحالف بين السعودية ومصر وتركيا لدعم القوات المسلحة السودانية (SAF) في مواجهة "قوات الدعم السريع" (RSF). وجاء هذا التحالف نتيجة تقارب متزايد بين الدول الثلاث خلال عام 2024، تجسّد في عدد من القمم رفيعة المستوى، على خلفية قناعة مشتركة بأن سيطرة قوة مسلحة غير حكومية على السودان تشكّل تهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة.
تخشى مصر، التي تستضيف أكثر من خمسة ملايين سوداني ونحو نصف مليون لاجئ، من تداعيات استمرار حالة عدم الاستقرار على سد "النهضة الإثيوبي الكبير" وأمن مياه النيل، وتعتبر دعم القوات المسلحة السودانية مسألة وجودية. في الأشهر الأخيرة، أشارت القاهرة إلى إمكانية تفعيل آليات مشتركة بموجب اتفاقية الدفاع المشترك مع السودان، كما نفذت القوات الجوية المصرية ضربات على قوافل تابعة لـ"قوات الدعم السريع" قادمة من ليبيا. من جهتها، ترى تركيا، التي دعمت السودان سابقاً عبر توفير أنظمة جوية بدون طيار، أن البلاد تمثل بوابة مناسبة لتوسيع نفوذها في أفريقيا وحاجزاً استراتيجياً ضد الوجود الإماراتي في البحر الأحمر.
وتشارك باكستان في هذا التحالف من خلال صفقة أسلحة كبيرة، وهو ما يلفت الانتباه بشكل خاص، إذ تشير التقارير إلى أن الصفقة جرت عبر وسطاء إقليميين، في مقدمتهم المملكة العربية السعودية، وذلك في سياق شبكة أوسع من التفاهمات الدفاعية التي تمثّل العلاقة العسكرية الوثيقة بين إسلام آباد والرياض أحد ركائزها الأساسية.
وكما يتضح أن جميع الأطراف تتجه بعيداً عن المسار الدبلوماسي نحو التصعيد العسكري. فحتى وقت قريب، كانت السعودية تُصوَّر على نطاق واسع كداعم رئيسي للجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب السودانية عبر إطار "الرباعية"، وأيضا عبر"منبر جدة" الذي استضاف جولات متعددة من المحادثات منذ أيار/مايو 2023. ومع ذلك، فشلت هذه المفاوضات في التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، ولهذا السبب، إلى جانب تصاعد الانتهاكات الإنسانية التي وثقتها الأمم المتحدة - بما في ذلك عمليات القتل الجماعي في ولاية الجزيرة والحصار الطويل على الفاشر - دفعت الرياض إلى إعادة تقييم جذري للموقف.
تشير التقييمات الحالية إلى أن المملكة العربية السعودية تنظر بشكل متزايد إلى استمرار الصراع السوداني كتهديد مباشر لاستقرار البحر الأحمر، وتخشى أن يتحول السودان إلى ساحة لانطلاق الجماعات المسلحة العابرة للحدود. وفى هذا السياق، تشير مصادر دبلوماسية إلى أن الرياض ترى أن "قوات الدعم السريع"، المدعومة من قبل الإمارات، قد طورت قدرات تساعدها على السعي لتحقيق نصر عسكري كامل. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى ترجيح كفة القوات المسلحة السودانية على أنه أمر ضروري لإجبار الطرفين على العودة إلى مفاوضات جدية.
ويكمن الخطر في أن مثل هذه "الهندسة العسكرية" قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة تماماً. فنادراً ما تبقى الأسلحة أداة للضغط السياسي لفترة طويلة، بل سرعان ما تتحول إلى وقود لتصعيد الصراع وتوسيع نطاق الحرب. وبينما قد تعيد التحالفات الجديدة وتدفقات الأسلحة إعادة تشكيل ديناميكيات ساحة المعركة بشكل مؤقت، فإنها في الوقت نفسه تقلص بشكل كبير المجال المتاح للمناورة الدبلوماسية.
وليس من المستغرب أن تتابع "قوات الدعم السريع" هذه التطورات بقلق بالغ. وتشير التقييمات الميدانية إلى أن الجماعة، رغم سيطرتها الواسعة على دارفور وأجزاء من كردفان، لا تزال تعاني من قيود كبيرة في قدراتها الجوية. وحتى الآن، اعتمدت على طائرات مسيرة موردة عبر قنوات إماراتية وليبية، بدعم من شبكة لوجستية معقدة تمر عبر تشاد وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى.
إن سباق التسلح هذا لن يحل الحرب، بل سيحول السودان إلى ساحة صراع بالوكالة على غرار ليبيا، حيث تصبح السياسة مجرد تكتيك بينما يستمر تدفق الأسلحة دون توقف.
علاوة على ذلك، يحدث هذا التصعيد على الرغم من المشاركة الدبلوماسية الأمريكية الأخيرة، وهو ما يمثل مفارقة واضحة بالنسبة لواشنطن التي تقدم نفسها كراعٍ رئيسي للوساطة في السودان من خلال الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر. ومع ذلك، فإن صفقات الأسلحة التي تتم عبر شركاء أمريكيين مقربين، والتي تغذي التصعيد العسكري بشكل مباشر، تثير تساؤلات جدية حول اتساق هذا الموقف.
ويكتسب هذا التصعيد أهمية خاصة لأنه يأتي بعد اجتماع رفيع المستوى بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس ترامب، حيث ورد أن الأمير حث خلاله على مشاركة أمريكية أكبر في السودان. لكن على أرض الواقع، يبقى الوضع بعيداً عن الحل الدبلوماسي المنشود.
وفي سياق اقليمي ودولي أوسع ، تبرز زيارة رئيس أركان الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، إلى البيت الأبيض في عام 2025، وهي زيارة وُصفت بأنها لقاء سياسي وأمني رفيع المستوى. وتشير هذه الزيارة إلى تبلور رؤية أمريكية جديدة تمنح باكستان دوراً أمنياً أكبر. وفي هذا الإطار، يصعب بشكل متزايد تفسير أي تحرّك عسكري باكستاني كبير بوصفه مجرد صفقة تجارية منفصلة عن الاعتبارات الدولية الأوسع، ما يثير تساؤلات جدية حول مستوى التنسيق مع واشنطن، أوعلى الأقل بشأن مسألة الإخطار المسبق، لا سيما في ظل حجم التعاون العسكري القائم بين الولايات المتحدة وباكستان.
وهم الحل العسكري
لم يعد السؤال يتعلق بما إذا كانت القوى الخارجية ستتدخل في حرب السودان، بل بما إذا كان هذا التدخل سينهي الصراع أم سيؤدي إلى ترسيخه لسنوات قادمة. ففي اليمن وليبيا وسوريا وأماكن أخرى، أدت التدخلات العسكرية الخارجية دوماً إلى إطالة أمد الصراعات عوضاً عن حلها. وغالباً ما يتم تبرير كل شحنة أسلحة جديدة على أنها وسيلة لتغيير التوازن أو فرض نتيجة، لكنها في الواقع تؤجج دورة أخرى من العنف وتزيد تصلب المواقف.
السودان معرض الآن لخطر السير على نفس المسار، فسباق التسلح المتسارع لن ينهي الحرب، بل سيجعلها صراعاً بالوكالة طويل الأمد، حيث تصبح السياسة مجرد أداة تكتيكية، وتُستخدم الاتفاقات لكسب الوقت بينما يستمر تدفق الأسلحة. الخيار واضح: إما السعي إلى تهدئة حقيقية الآن، أو ترك البلاد في مستنقع آخر يستمر لعقد إضافي. درس التاريخ واضح، والسؤال الحقيقي هو: هل هناك من هو مستعد للأخذ به؟