- تحليل السياسات
- منتدى فكرة
حملة قمع متصاعدة في إقليم "سيستان وبلوشستان" الإيراني في أعقاب الحرب
تشير الحملة الأمنية الأخيرة ضد الأقلية البلوشية في إيران، في ظل التوترات المتصاعدة حول أنشطة التعدين في المحافظة، إلى أن الهوة بين النظام وقطاع واسع من المجتمع البلوشي آخذة في الاتساع خلال مرحلة ما بعد الحرب.
وفي الوقت الذي تواصل فيه إيران مواجهتها مع الولايات المتحدة وسعيها إلى لاختبار وقف إطلاق نار هش، تستغل السلطات هذه المرحلة لتصعيد حملتها القمعية ضد المعارضة في الداخل. فمنذ دخول وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن حيز التنفيذ، شهد إقليم سيستان وبلوشستان المضطرب في جنوب شرق البلاد تصعيداً في حملات القمع السياسي واستخدام القوة ضد المعارضين. ويعزز هذا السيناريو المتصاعد مخاوف الجماعات البلوشية من أن النظام يسعى، في أعقاب الحرب، إلى تعويض ما لحق بسلطته من تراجع عبر استهداف الأقليات القومية وشن عمليات انتقامية ضدها في استعراض للقوة.
وتُعد بلوشستان المنطقة الأفقر والأقل تنمية في إيران، فضلاً عن تسجيلها أعلى معدلات البطالة على مستوى البلاد. ويعاني البلوش، بوصفهم أقلية عرقية سنية، من التهميش والإقصاء عن الهياكل الإدارية للدولة، ويتعرضون بصورة غير متناسبة لانتهاكات وممارسات قمعية تمارسها السلطات. كما يمتد إقليم سيستان وبلوشستان على حدود طويلة وسهلة الاختراق مع كل من أفغانستان وإقليم بلوشستان الباكستاني، ما يجعله ممراً رئيسياً للتجارة غير المشروعة، بما في ذلك تهريب السلع الاستهلاكية والمخدرات والبشر. وفي ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، أصبحت هذه الأنشطة غير الرسمية مصدر رزق رئيسياً لآلاف الأسر في المنطقة.
كما تتيح الحدود السهلة الاختراق للمتمردين التحرك عبرها. وتواجه إيران تمرداً مسلحاً في إقليم سيستان وبلوشستان، فيما تواجه باكستان تمرداً مماثلاً في إقليم بلوشستان، إذ يتبادل البلدان الاتهامات بأن المتمردين يستفيدون من ملاذات آمنة على الجانب الآخر من الحدود. ورداً على ذلك، شن النظام الإيراني حملة قمع واسعة ضد هذا التمرد. فعلى الرغم من أن البلوش لا يشكلون سوى نحو 5في المئة من سكان إيران، فإن نسبتهم بين من تنفذ فيهم أحكام الإعدام سنوياً تفوق بكثير نسبتهم من السكان. ووفقاً للبيانات المتاحة، شكّل البلوش 27 في المائة من الإيرانيين الذين أُعدموا بين عامي 2010 و2025 بتهمة الانتماء المزعوم إلى جماعات سياسية أو مسلحة محظورة.
.
وكثيراً ما تبرر إيران حملات القمع التي تشنها ضد المجتمع البلوشي بالادعاء أنها تتصدى للتهريب، وتكافح التطرف، وتحافظ على الأمن. وفي العام الماضي، في أعقاب الحرب مع إسرائيل، استغلت السلطات الإيرانية الوضع الأمني لتكثيف حملتها في بلوشستان. وفي إحدى الحوادث، قُتلت امرأتان وأُصيبت عشر أخريات على يد قوات الأمن الإيرانية خلال مداهمة لقرية غونيتش، مما أدى إلى اندلاع اضطرابات واسعة النطاق في أنحاء بلوشستان. ولم يحصل الضحايا وعائلاتهم على أي إنصاف حتى الآن.
واليوم، وفرت الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة للنظام مرة أخرى ذريعة لمواصلة سياساته القمعية ضد البلوش تحت ستار حماية الأمن القومي، الأمر الذي أدى إلى تصاعد التوترات في بلوشستان. ومنذ اندلاع الحرب، تقول إيران إنها اعتقلت أو قتلت أكثر من 100 شخص في بلوشستان بدعوى ارتباطهم بالإرهاب، مدعية أنهم على صلة بإسرائيل والولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، قُتل أكثر من 20 من أفراد قوات الأمن الإيرانية في هجمات متعددة شنها المتمردون.
خلال الأسابيع القليلة الماضية، صعّد النظام حملته ضد المعارضة، إذ اتخذ جهاز الأمن الإيراني إجراءات عنيفة وتعسفية لقمع الاحتجاجات السلمية التي نظمتها نساء بلوش احتجاجاً على أنشطة التعدين غير المسؤولة في منطقتهن. وتتمثل إحدى أبرز مظالم سكان بلوشستان في حرمانهم من الاستفادة من الموارد المعدنية المحلية. ويُعد منجم تافتان للذهب، الذي تُقدَّر احتياطياته المؤكدة بنحو 24 طناً من الذهب الخالص، محوراً للجدل منذ إنشائه. ففي عامي 2022 و2023، أوقف المتظاهرون عملياته عدة مرات، ومنذ ذلك الحين تواصلت الاحتجاجات اعتراضاً على حرمان السكان المحليين من العوائد الاقتصادية، إلى جانب التدهور البيئي الناجم عن المنجم.
وفي عام 2024، زار مسؤول قضائي المنجم برفقة مسؤولين إداريين وأمنيين، متعهداً بمنع إغلاقه وعدم السماح لـ"معارضي النظام والمعارضين" بعرقلة أعماله. في المقابل، دعا الشيخ مولانا عبد الحميد، أبرز زعيم ديني سني في إيران وإمام صلاة الجمعة في مسجد مكي بمدينة زاهدان، عاصمة سيستان وبلوشستان، إلى وقف العمل في المنجم. كما انتقد بشدة الاستغلال المفرط للمناجم في بلوشستان وما يسببه من تدهور بيئي، مؤكداً أن العوائد الاقتصادية تغادر المنطقة، بينما تبقى أضرار التعدين فيها. وعلى الرغم من استمرار التوترات بشأن هذه القضية منذ سنوات، لم تُتخذ أي خطوات ملموسة لمعالجة مخاوف السكان المحليين ومطالبهم. وفي حين يواصل منجم تافتان للذهب عملياته، لا تزال أنشطة التعدين في منجم باشموكي للكروميت متوقفة منذ ما يقرب من ثلاث سنوات بسبب التوترات بين السكان المحليين ومشغلي المنجم.
في حزيران/يونيو من هذا العام، قمعت قوات الأمن الإيرانية بعنف احتجاجات سلمية في حادثتين منفصلتين وقعتا على مدى يومين متتاليين، إذ أهانت عدداً من المشاركين، وأصابت آخرين بجروح، واعتقلت عدداً منهم. وانتشرت مقاطع فيديو للحادثتين على نطاق واسع في وسائل الإعلام البلوشية، وأثارت ردود فعل قوية في مختلف أوساط المجتمع، مما زاد من حدة التوترات الاجتماعية والسياسية في منطقة متقلبة بالفعل.
ففي 16 حزيران/يونيو، نظمت مجموعة من النساء البلوشيات من قرية باشموكي في مقاطعة فارياب، بمحافظة كرمان، احتجاجاً سلمياً أمام منجم الكروميت، اعتراضاً على حرمان السكان المحليين من الاستفادة من الموارد الطبيعية لأراضيهم، وللمطالبة بالمساءلة، والشفافية، والعدالة.
وعندما واصلت النساء احتجاجهن في اليوم التالي، اعتدى عليهن أفراد من الشرطة والأمن. وتُظهر مقاطع فيديو للحادث أفراداً يرتدون الزي الرسمي وهم يضربون النساء ويدفعونهن ويجرونهن. وأصيبت ثماني نساء على الأقل، بينهن نرجس بامري، التي تعرضت للإجهاض. كما اعتُقل ستة أشخاص، ثلاثة منهم نساء.
وجاءت حادثة باشموكي في أعقاب حادثة مماثلة وقعت في 16 حزيران/يونيو في قرية سارسيا في مقاطعة تافتان، حيث نظمت نساء بلوشيات احتجاجاً على الآثار السلبية للتعدين في منجم تافتان للذهب. واعترضت المتظاهرات على الاضطرابات التي طالت حياتهن اليومية، وفقدان سبل عيشهن نتيجة الأضرار التي لحقت بالموارد المائية، إذ جف بعضها، فضلاً عن الأضرار التي طالت الزراعة وتربية الماشية والبيئة. وأفادت التقارير بأن الشرطة وأفراد أمن المنجم دخلوا في مواجهات عنيفة مع المتظاهرات، حيث قاموا بتهديدهن وإهانتهن وضربهن ، مما أدى إلى إصابة امرأة تدعى بيبي نور ريجي.
وفي الوقت نفسه، أعلن المدير العام لإدارة الصناعة والتعدين والتجارة في سيستان وبلوشستان عن خطط الحكومة الإيرانية لاستثمار 257 تريليون تومان (نحو 1.5 مليار دولار أمريكي) في قطاع التعدين بالمحافظة. كما ذكر أن 70 في المئة من إجمالي استثمارات إيران في قطاع التعدين خلال العام الماضي خُصصت لمحافظة سيستان وبلوشستان. وقد يُنظر إلى المعاملة العنيفة التي تعرض لها المتظاهرون العزل على أنها إشارة من السلطات إلى أنها لن تتسامح مع محاولات السكان المحليين تقديم أنفسهم كأطراف معنية في أنشطة التعدين، ولن تسمح بوضع عقبات أمام هذه الأنشطة من خلال المطالبة بالمشاركة في العوائد أو إثارة المخاوف البيئية.
لم تلقَ هذه الإشارة قبولاً في بلوشستان، حيث انتشرت مشاهد العنف الموجهة ضد المتظاهرات على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما حشد الرأي العام ضد سياسات النظام في المنطقة. ولم يؤدِّ ذلك إلى إعادة إشعال الجدل حول حرمان السكان المحليين من الاستفادة من موارد أراضيهم فحسب، بل سلط الضوء أيضاً على القضية الأوسع المتمثلة في إخضاع البلوش لهيكل إداري قمعي يسيطر عليه النظام في طهران بشكل كامل، مما يُبقي السكان المحليين مهمشين ومعرضين للعنف حتى عند مطالبتهم بحقهم الأساسي في كسب الرزق.
وعلى الرغم من القيود الشديدة المفروضة على حرية التعبير، رد المجتمع البلوشي بقوة على الأحداث الأخيرة، حيث وصف الشيخ عبد الحميد معاملة المتظاهرات بأنها مهينة، وحثّ السلطات على التحقيق والاستجابة لمطالب النساء. وأشار إلى أنه "ما لم تُسمع أصواتهن وتُحترم حقوقهن ومصالحهن، فقد تظهر مثل هذه الاحتجاجات مرة أخرى". كما أدان علماء دين آخرون، من بينهم عبد القدوس سالارزهي وعبد الباسط ساجستاني وعبد العزيز ناروي، بشدة الاعتداء على النساء وطالبوا باتخاذ إجراءات ضد الجناة.
كما حذر سردار يوسف ناروي، أحد شيوخ القبائل البلوشية، من أن "النساء البلوشيات هن خطنا الأحمر"، مضيفا: "إن صبر الجميع له حدود، ولكل صمت كرامته، ويجب التحقيق فوراً في هذه الأفعال التي تنم عن عدم الاحترام، ويجب تحقيق العدالة". وبالمثل، انتقد الحاج حامد غومشادزي، أحد الشخصيات البلوشية البارزة، بشدة سلوك أفراد الأمن، مشيراً إلى أن تلك المشاهد أثارت غضباً واسع النطاق. وسلط الضوء على قضية استخراج الموارد وحرمان السكان المحليين في بلوشستان من حقوقهم، وأعرب عن دعمه لمطالب المتظاهرين.
كما أدان حزب "شعب بلوشستان" بشدة الهجمات التي استهدفت المحتجين الذين يتظاهرون سلمياً ضد "نهب الموارد الطبيعية للمنطقة وحذروا من وعواقب التعدين غير المسؤول". وبالمثل، قال موهيم سارخوش، الأمين العام لحزب التضامن الوطني لبلوشستان، إن كرامة المرأة تمثل خطاً أحمر ثقافياً ووطنياً للبلوش، مضيفاً أن "النظام المحتل والقمعي يجب أن يعلم أن اغتصاب أراضي البلوش، وتدمير بيئة بلوشستان، وقمع المتظاهرين لن يكسر أبداً إرادة الأمة البلوشية في الدفاع عن وطنها."
لم تولِ السلطات الإقليمية ووسائل الإعلام الإيرانية الرسمية اهتماماً بالحادث في البداية، لكن الاستياء الشعبي المتزايد أجبرها على الانتباه إليه لاحقاً. وقد أصدر رئيس القضاء في محافظة سيستان وبلوشستان أمراً بإجراء تحقيق قضائي في ملابسات الحادث، قائلاً، "إذا أظهرت التحقيقات أن هذا الحادث وقع ضمن نطاق ولاية سيستان وبلوشستان، فسيتم التعامل مع الجناة بحزم وفقاً للأحكام القانونية ودون أي تساهل". وبحسب ما ورد، فُتحت أيضاً قضية بشأن حادثة فارياب، وتتولى السلطات القضائية في محافظة كرمان التحقيق فيها.
ومع ذلك، فمن المستبعد جداً أن يتخذ القضاء إجراءات ملموسة ضد المتورطين في أعمال العنف بحق المتظاهرين. وتُظهر التجارب السابقة أن مثل هذه التصريحات لا تُستخدم إلا لتهدئة الغضب الشعبي، بينما تتكامل عملياً مختلف أجهزة الدولة القمعية لحماية بعضها بعضاً وتعزيز حصانتها المشتركة.
في السابق، حتى في قضايا بالغة الأهمية مثل مقتل ماهسا أميني ومذبحة زاهدان عام 2022 - المعروفة أيضاً باسم الجمعة الدامية، التي قتلت خلالها قوات الأمن الإيرانية أكثر من مائة متظاهر بلوشي وأصابت المئات غيرهم، حافظ النظام على ثقافة الإفلات من العقاب لمرتكبي فظائع الدولة. لذلك، لم يكن مفاجئاً أن تعلن قيادة شرطة محافظة كرمان أن معاملة ضباط الشرطة للمتظاهرات كانت "مناسبة للظروف".
وقد أدى الاستياء الواسع النطاق الناجم عن حادثتي تافتان وفارياب إلى إجبار السلطات الإقليمية ووسائل الإعلام التابعة للدولة على تغيير نبرتها، والاعتراف بأن مشاريع التعدين يجب أن تعود بالفائدة على المجتمعات المحلية أيضاً. ولم تُنفذ الالتزامات السابقة بإشراك السكان المحليين، كما أن عدم استجابة النظام لمطالب البلوش جعل مشاريعه التعدينية مثاراً للجدل. ومن شأن أي أنشطة تعدين استخراجية إضافية في بلوشستان أن تزيد من خطر إبعاد السكان المحليين.
وهذه هي المرة الثانية خلال عام واحد التي تهاجم فيها القوات الإيرانية المتظاهرات البلوشيات وتسيء معاملتهن، في انتهاك خطير للعادات والتقاليد المحلية. ورغم أن الأوساط الاجتماعية والسياسية البلوشية ردّت بقوة، فإن قدرتها على إجبار النظام على إنهاء إفلات قوات الأمن من العقاب تبدو ضئيلة، بالنظر إلى التجارب السابقة. ولمنع تحول هذا الوضع إلى "واقع جديد"، يدعو بعض أفراد المجتمع البلوشي المحلي إلى تعزيز الوحدة الداخلية والمقاومة لمواجهة هذه التحديات، بدلاً من التركيز على المطالبة بالعدالة من النظام.
بعد تصاعد التوترات في بلوشستان جراء تزايد قمع النظام، صرح العالم الديني مولانا فضل الرحمن كوهي، وهو سجين سياسي سابق غادر إيران مؤخراً، بأن المجتمع البلوشي لن يلتزم الصمت، وحذّر المؤسسات الأمنية الإيرانية من دفع الشعب إلى النزول إلى الشوارع احتجاجاً. وفي أعقاب مذبحة "الجمعة الدامية" عام 2022، تظاهر المحتجون البلوش ضد قمع النظام كل يوم جمعة لمدة عام تقريباً، لكنهم لم يتمكنوا من إقناع النظام بتحقيق العدالة. ومع ذلك، عززت حركة الاحتجاج الوعي السياسي لدى البلوش وأثارت المشاعر القومية.
وفي بيئة سياسية خانقة، يستغل الشعب البلوشي الفرص التي تتيحها الأحداث المرتبطة بالإجراءات القمعية التي يتخذها النظام للتعبير عن مشاعره وتعزيز التضامن المجتمعي. ولا تكفي هذه المساحات المحدودة للتعبير السياسي لبناء حركة سياسية منظمة، لكنها تسهم في توحيد الرأي العام حول المظالم المشتركة، وترسيخ إجماع على تحميل النظام مسؤولية معاناة البلوش. وفي بعض الحالات، أفضت هذه المساحات إلى نتائج مهمة، وإن كانت رمزية، كما حدث في عام 2024، عندما عيّنت الجمهورية الإسلامية، للمرة الأولى، شخصاً بلوشياً محافظاً لإقليم سيستان وبلوشستان.
وهكذا، في الوقت الذي يبدو فيه أن النظام يستغل مرحلة ما بعد الحرب لتعزيز سيطرته من خلال تكثيف القمع السياسي والانتقام من المعارضين، فقد ساهمت حوادث الظلم البارزة أيضاً في حشد الشعب البلوشي للدفاع عن حقوقه الأساسية والمطالبة بإنهاء التهميش المنهجي. وإذا واصل النظام سياساته القمعية ونهجه الاستعماري تجاه بلوشستان، فإنه يخاطر بإثارة احتجاجات أكثر انتشاراً ومقاومة على نطاق واسع.