- تحليل السياسات
- منتدى فكرة
الوجه الآخر للفوسفات: ما الذي تغفله واشنطن في إعفاء الأسمدة المغربية؟
خففت الولايات المتحدة قيودها على واردات الأسمدة من المملكة المغربية لإدارة أزمة طارئة في الإمدادات، غير أن المغرب قد يتحول أيضا إلى مصدر رئيسي لحمض الفوسفوريك النقي، وهو منتج حيوي يرتبط بالمنافسة المتنامية مع الصين على تصنيع البطاريات وسلامة سلاسل التوريد والوصول إلى المعادن الحرجة.
مع أن الأعمال العسكرية الأمريكية ضد إيران هذا العام ظلت محصورة في الشرق الأوسط، فإن الحرب وصلت بالفعل إلى الأراضي الأمريكية عبر سوق الأسمدة. فعندما أغلقت طهران مضيق هرمز في شباط (فبراير)، أدت الضربة الناجمة عن ذلك في إمدادات الكبريت والأمونيا العالمية – وهما مادتان أوليتان ضروريتان لتحويل صخور الفوسفات المستخرجة إلى أسمدة جاهزة – إلى تعطيل الزراعة في أنحاء العالم بشكل كبير. ولتيسير حصول المزارعين الأمريكيين على الأسمدة، اتجهت واشنطن إلى المغرب، مدركة أن المملكة شريك أمريكي قديم، وتمتلك أكبر احتياطيات الفوسفات في العالم، وواصلت التصدير حتى عندما توقف موردون آخرون.
لكن وسط التسارع نحوإصدار إعفاءات زراعية طارئة، يغيب عن الأذهان أن الاحتياطيات المغربية نفسها تنتج مادة أخرى بالغة الأهمية، هي حمض الفوسفوريك النقي، وهومكون أساسي في أقطاب بطاريات فوسفات الحديد الليثيوم المستخدمة في السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة في الشبكات وقطاعات أخرى. وتكرر الصين حاليا نحوثلاثة أرباع إنتاج العالم من هذا الحمض، وهوما يمنح صناع السياسة الأمريكيين سببا كافيا للنظر إلى ما هوأبعد من نقص الأسمدة الآني عند توسيع التعاون مع المغرب.
صخرة واحدة ومنتجان
كانت المواد الداخلة في تصنيع الأسمدة قد تحولت إلى أداة ضغط قبل وقت طويل من اندلاع الحرب مع إيران. فالصين، وهي أكبر مصدر للفوسفات المعالج في العالم، أوقفت تصدير هذه المادة في كانون الأول (ديسمبر) وأبقتها متوقفة منذ ذلك الحين. ثم جاءت الحرب لتقضي على إمدادات الكبريت والأمونيا التي احتاجها منتجون آخرون لسد الفجوة. ولأن هذا الطلب يسير وفق تقويم زمني محدد – إذ يستخدم أكثر من نصف أسمدة الفوسفات في أمريكا بين الخريف وأوائل الربيع – لم يكن هناك وقت لتطوير مصادر بديلة. وبحلول نيسان (أبريل)، أي بعد أسابيع قليلة فقط من بدء الحرب، وجد مسح أمريكي أن نحوسبعة من كل عشرة مزارعين أمريكيين لم يتمكنوا من تحمل تكلفة كمية كافية من الأسمدة هذا الموسم. ولم يكن ذلك مفاجئا بعد خمس سنوات من الرسوم الحكومية الأمريكية على الأسمدة المغربية التي رفعت تكاليف المزارعين بما يقدر بنحو6.9 مليارات دولار (انظر أدناه).
يمتلك المغرب نحو 70 في المئة من احتياطيات صخور الفوسفات في العالم (نحو50 مليار طن، مقارنة بـ2.8 مليار طن لمصر، صاحبة ثاني أكبر احتياطي). وعندما أدى إغلاق مضيق هرمز إلى قطع إمدادات الكبريت والأمونيا، واصلت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، الشركة الحكومية المغربية، شحن منتجاتها واستقدام الأمونيا من مصادر بعيدة وصلت إلى ترينيداد وتوباغوللحفاظ على استمرار إنتاج الأسمدة.
وتجاوبت واشنطن مع هذا الواقع. ففي 29 حزيران (يونيو)، وقع الرئيس ترامب الإعلان الرئاسي رقم 11038، معلنا حالة طوارئ ومصدرا إعفاء يعلق الرسوم الجمركية على أسمدة الفوسفات المغربية لمدة تصل إلى ثمانية أشهر. وكانت هذه الرسوم قد فرضت عام 2021 بعد أن قدمت شركة موزاييك الأمريكية للأسمدة التماسا إلى واشنطن زعمت فيه أن مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط استفادت من دعم حكومي غير عادل. ويسعى مشروع قانون معدل، شارك في تقديمه السيناتور روجر مارشال (جمهوري عن كنساس)، إلى إلغاء هذه الرسوم بشكل دائم، وهولا يزال قيد المراجعة من قبل لجنة التجارة الدولية الأمريكية حتى وقت كتابة هذا التقرير.
وكان تركيز فروع الحكومة الأمريكية المتعددة على القضايا الزراعية الطارئة مفيدا بلا شك لهذا القطاع، غير أن سلسلة توريد حمض الفوسفوريك النقي تستحق اهتماما مماثلا. فرغم أن معظم صخور الفوسفات تستخدم في إنتاج الأسمدة، تتطلب إزالة الشوائب وإنتاج الحمض خطوة تقنية أكثر تعقيدا، وهوحمض لا تحتاجه بطاريات فوسفات الحديد الليثيوم فحسب، بل تحتاجه أيضا قطاعات متنوعة في الغذاء والأدوية والإلكترونيات.
ويشغل المغرب نسخة من هذه الخطوة الأكثر تعقيدا منذ تسعينيات القرن الماضي، أي قبل وقت طويل من أن تتحول المعادن الحرجة إلى قضية رئيسية بين الولايات المتحدة والصين. فمصنع التنقية في الجرف الأصفر – وهومشروع مشترك يحمل اسم "إيماباهوس" - تديره شراكة مع طرفين أوروبيين، هما شركة "برايون" البلجيكية وشركة "بودنهايم" الألمانية. ويعتمد المصنع على تقنية غربية، وثلث إنتاج العالم من حمض الفوسفوريك النقي يستخدم العملية التي ترخصها "برايون". وتشغل "برايون" أيضا مصنعين في الولايات المتحدة، في ولايتي جورجيا وإلينوي. لكن في حين أنتج "إيماباهوس" حمضا نقيا لأغراض غذائية وصناعية طوال عقود، فإن إنتاج البطاريات يتطلب درجة نقاء أعلى من ذلك. ولم يظهر المغرب علنا حتى الآن قدرته على إنتاج حمض بدرجة نقاء تصلح للبطاريات على نطاق تجاري، لكن المملكة وشركاءها يملكون القدرة التقنية على تحقيق هذه النقلة.
تجنب خطأ الأتربة النادرة مع حمض الفوسفوريك النقي
وضع الطلب العالمي المتزايد على حمض الفوسفوريك النقي الولايات المتحدة أمام مشكلة تشبه تلك التي واجهتها مع الأتربة النادرة، وهي فئة فرعية من المعادن الحرجة. فمعالجة الأتربة النادرة مكلفة ماليا وبيئيا، ولذلك ظلت الولايات المتحدة لسنوات ترسل المركزات التي تستخرجها محليا إلى الصين حيث كانت المعالجة أرخص. غير أن هذا خلق اعتمادا مفرطا على منافس اقتصادي في مادة لا غنى عنها. وكان الدرس المستفاد أن امتلاك المادة الخام وحده لا يكفي لحماية مصالح الأمن القومي الأمريكي عندما تتحكم دولة أجنبية واحدة في عملية المعالجة.
وصخور الفوسفات وفيرة نسبيا، لكن الشح يكمن في القدرة على تكريرها إلى درجة النقاء التي يتطلبها الطلب المتسارع على بطاريات فوسفات الحديد الليثيوم. وتفيد تقارير بأن الصين تكرر نحو 75 في المئة من إنتاج العالم من هذا الحمض، وقائمة المنتجين البدلاء قصيرة، وتضم شركة "برايون" البلجيكية، وشركة "نوتريان" الكندية، وشركة "إينوفوس" الأمريكية، وشركتي "آي سي إل" و"هايفا كيميكالز" الإسرائيليتين. ويتوقع أن تتطلب تلبية الارتفاع في الطلب على بطاريات فوسفات الحديد الليثيوم كمية إضافية تبلغ 2.5 مليون طن من حمض الفوسفوريك النقي بحلول عام 2030، أي ما يعادل نحوثلاثين مصنعا جديدا بالطاقات الإنتاجية الحالية.
ولم تبدأ الحكومة الأمريكية في التعامل مع الفوسفات ومشتقاته بوصفها معادن حرجة ذات أهمية استراتيجية إلا في الآونة الأخيرة. فقد أضافت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية الفوسفات إلى قائمة المعادن الحرجة في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، في حين استند البيت الأبيض إلى قانون إنتاج الدفاع في حزيران (يونيو) الجاري لتأمين إمدادات الفوسفور الأولي. وقد تعاملت هذه الخطوات مع الفوسفات بوصفه قضية أمن إمداد، تماما كما هوالحال مع الليثيوم والأتربة النادرة.
ووقعت واشنطن أيضا اتفاقا مع المغرب في شباط (فبراير) للتعاون في مجال المعادن الحرجة، لكن بنود هذا الاتفاق لم تعلن، ما يجعل درجة تركيزه على منتجات الفوسفات غير واضحة. وفي كل الأحوال، فإن فرصة الإمداد التالية التي تستحق الاهتمام هي حمض الفوسفوريك النقي بدرجة نقاء البطاريات، وهوما تورده الصين وحدها تقريبا اليوم، لكن الرباط قادرة على إنتاجه أيضا.
إمكانات المغرب في حمض الفوسفوريك النقي
وعلى مدى الأشهر القليلة الماضية، تعاملت كل خطوة أمريكية ذات صلة تجاه المغرب – إعفاء الرسوم الجمركية، ومراجعة لجنة التجارة للتعرفات، واتفاق المعادن الحرجة – مع المملكة بوصفها موردا للأسمدة فقط. ولم يشر أي من هذه النقاشات إلى إدراك أن مواقع الإنتاج المغربية نفسها التي تتلقى إعفاءات الأسمدة اليوم تنتج أيضا حمض الفوسفوريك النقي بالشراكة مع أطراف أوروبية وباستخدام تقنية غربية، وهوما يمنح الولايات المتحدة مصدرا محتملا آخر لسلسلة توريد بطارياتها من فوسفات الحديد الليثيوم.
فما الذي يتطلبه تحول المملكة إلى عقدة حقيقية في هذه السلسلة؟ ثمة عقبات عدة تقف في هذا الطريق، ومعالجة بعضها ستتطلب عمليات طويلة نسبيا وغير مؤكدة النتائج، وهوما يستدعي البدء فيها في أقرب وقت ممكن.
أولا، تملك الحكومة المغربية نحو95 في المئة من مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، ولذلك فإن أي اتفاق توريد سيحتاج أيضا إلى التزام من الحكومة المغربية، تحدده أولويات الرباط الدبلوماسية، بما في ذلك رغبتها المفترضة في الموازنة بين علاقاتها التجارية مع الصين والولايات المتحدة مع تجنب أي خطوات تثير غضب المسؤولين أوالمستثمرين الصينيين. وفي الوقت الراهن، يشير مسار المغرب إلى أن هذا التوازن قد يبدأ في الميل أكثر نحوبكين ما لم يعمل المسؤولون والشركات الأمريكية على موازنته. فهناك مشروعان صينيان - مصنع أقطاب مجموعة "بي تي آر" للمواد الجديدة قرب طنجة، ومنشأة شركة "غوشن" في القنيطرة - من المقرر أن يبدآ إنتاج أقطاب بطاريات فوسفات الحديد الليثيوم داخل المغرب في الربع الثالث من عام 2026، مع توجه معظم الإنتاج إلى أوروبا. وبعبارة أخرى، تبني الشركات الصينية بالفعل حلقة التصنيع اللاحقة التي يمكن لحمض الفوسفوريك المغربي أن يغذيها، وهوما يبقي سلسلة التوريد معتمدة على بكين.
ثانيا، ما فتئت إدارة ترامب تشدد على الإنتاج المحلي الأمريكي كلما أمكن ذلك، وتعمل شركات أمريكية بالفعل على بناء بعض القدرة الإنتاجية الخاصة بها من حمض الفوسفوريك النقي. غير أن هذه المشاريع لا تزال صغيرة وتحتاج إلى سنوات قبل أن تلبي الارتفاع المستمر في الطلب. وتكمن ميزة المغرب في أن إنتاجه يمر عبر شركاء غربيين وبتقنية غربية، ما يجعله عنصرا مكملا محتملا للقدرة المحلية، لا منافسا لها بالضرورة. وهوأيضا مصدر غير صيني في وقت يمر فيه كل بديل تقريبا عبر بكين.
ومن التطورات المبكرة التي يمكن أن توضح الصورة ما إذا كانت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط وشركاؤها في "إيماباهوس" ستبدأ في اعتماد جزء من إنتاج الجرف الأصفر وفق معايير درجة نقاء البطاريات لمشاريع أقطاب أمريكية شمالية. وسيشير بدء عملية الاعتماد هذه الآن إلى التزام أمريكي مغربي طويل الأمد، إذ يتطلب الاعتماد عادة سنوات من اختبارات النقاء ومراجعات الزبائن واختبارات خلايا البطاريات. ومن المؤشرات المهمة الأخرى ما إذا كان موقعا "برايون" في جورجيا وإلينوي سيتحولان إلى نقطة استقبال لحمض الفوسفوريك النقي المغربي، بدلا من الاستمرار حصرا في أعمالهما التجارية الحالية غير المرتبطة بذلك.
ونظريا، يمكن للإعلان عن تفاصيل اتفاق المعادن الحرجة الموقع في شباط (فبراير) أن يساعد في توضيح هذه المسائل أيضا. لكن شركة مملوكة للدولة مثل مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط ليس لديها سبب كاف للإعلان عن هذه التفاصيل، لأن ذلك قد يحول قرارا تجاريا إلى قرار سياسي، ويثير ردود فعل معارضة من شركات ومسؤولي التكرير الصينيين. وفي نهاية المطاف، ستحدد العقود التجارية، لا التصريحات الحكومية، ما إذا كان المغرب سيصبح شريكا قابلا للاستمرار في إنتاج حمض الفوسفوريك النقي. غير أن أي خطوات علنية إضافية تتخذها إدارة ترامب أوالكونغرس يمكن أن تؤثر في الطريقة التي تتعامل بها الشركات الخاصة مع هذه المسائل التجارية. والسؤال المطروح هوما إذا كانت واشنطن مستعدة للبدء في النظر إلى المغرب لا بوصفه حليفا قديما ومصدرا طارئا للأسمدة في أوقات الأزمات فحسب، بل أيضا شريكا استراتيجيا في جهد أوسع ستتزايد أهميته في السنوات المقبلة، أي الحد من اعتماد الولايات المتحدة والعالم على الصين في المعادن الحرجة اللازمة لسلسلة توريد بطاريات فوسفات الحديد الليثيوم.