- تحليل السياسات
- منتدى فكرة
الحدود الغربية لإيران: كردستان كدرع وخط صدع للجمهورية الإسلامية
بالنسبة للأكراد في إيران، الذين يُقدَّر عددهم بما بين 7 و15 مليون نسمة، تمثل الحرب الحالية فرصة محدودة للتغيير، رغم أن معالمها لا تزال غير واضحة.
بالنسبة للأكراد في إيران، تمثل الحرب الدائرة فرصة ومخاطرة في آن واحد. فالحركة السياسية الكردية تُعد واحدة من أقدم قوى المعارضة المنظمة في إيران، كما تمثل إحدى أكبر الأقليات في البلاد. يُقدَّر عدد الأكراد الذين يعيشون في إيران بما يتراوح بين 7 و15 مليون نسمة، مما يجعلهم ثالث أكبر مجموعة عرقية في البلاد بعد الفرس والأتراك الأذربيجانيين. ولطالما سعت الأحزاب الكردية إلى الحصول على حقوق سياسية تعكس هذا الواقع وحاولت تاريخياً بناء تحالفات مع قوى معارضة إيرانية أخرى مستعدة للاعتراف بالتنوع العرقي في إيران وتبني نماذج إدارية لا مركزية. ومع ذلك، أدت الانقسامات داخل الحركة المعارضة الإيرانية الأوسع نطاقاً إلى تعقيد هذه الجهود، حيث تواصل بعض فصائل المعارضة الدعوة إلى رؤية شديدة المركزية للدولة الإيرانية، والتي غالباً ما ينظر إليها الفاعلون السياسيون الأكراد بوصفها امتداد لأنماط الحكم في عهدي البهلوية والجمهورية الإسلامية.
وبالتالي، يشكّل الوقت الراهن بالنسبة للأكراد فرصة محدودة. ولا يزال قادة المعارضة الكردية الإيرانية يتحلون بالحذر إزاء إطلاق عمليات عسكرية واسعة النطاق ي ظل استمرار الغموض بشأن المسار الاستراتيجي الأوسع للصراع. كما يدرك القادة السياسيون الأكراد أن المناطق الكردية قد تصبح مرة أخرى الهدف الأول للنظام الإيراني في حال تجدد الصراع الداخلي أو حدوث انتقال سياسي يعيد ترسيخ السلطة المركزية. وتاريخياً، استخدمت السلطات في طهران المواجهة مع الأكراد كأداة لحشد النزعة القومية وتعزيز قبضتها على السلطة. وفي الوقت نفسه، تشير جهود التجنيد والتعبئة إلى أن الحركات الكردية تستعد لاحتمال حدوث تغيرات سريعة في الداخل الإيراني.
الدور الاستراتيجي للجغرافيا الكردية
تحتل المنطقة الكردية في شمال غرب وغرب إيران موقعاً استراتيجياً محورياً ضمن البنية الأمنية الإقليمية الأوسع لإيران، إذ تقع العديد من المنشآت العسكرية المهمة التابعة لـ "الحرس الثوري الإيراني"، بما في ذلك منشآت الصواريخ والطائرات المسيّرة، في المحافظات الكردية بالقرب من الحدود العراقية. ويقع أحد أهم تجمعات هذه البنية التحتية في محيط محافظة كرمانشاه، حيث أنشأ "الحرس الثوري الإيراني" بعضاً من أقدم قواعده العملياتية بعد الثورة. ومنذ الثمانينيات، ظل غرب إيران، بما في ذلك المنطقة الكردية، إحدى أكثر المناطق تسلحاً في البلاد.
تلعب الجغرافيا دوراً حاسماً في هذا التسلح. إذ يتكون جزء كبير من إقليم كردستان الإيراني من تضاريس جبلية وعرة توفر حماية طبيعية للمنشآت العسكرية. كما تُهيئ هذه الظروف الجغرافية المنطقة لتشييد منشآت صاروخية تحت الأرض وقواعد للطائرات المسيّرة وبنية تحتية محصنة قادرة على تحمل الهجمات الخارجية. وفي الوقت نفسه، يُضفي الموقع الغربي لهذه المحافظات أهميةً استراتيجيةً إضافية ضمن الإطار العسكري الإيراني الأوسع. فمن غرب إيران، يمكن لأنظمة الصواريخ والطائرات المسيرة الوصول إلى مسارح عمليات متعددة في الشرق الأوسط، ولا سيما إسرائيل.
وقد جعل هذا الموقعُ المنطقةَ عنصراً حاسماً في استراتيجية الردع الإقليمية لإيران. ومع ذلك، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية للمنطقة على البعد الجغرافي؛ إذ تُعدّ كردستان الإيرانية أيضاً من أكثر المناطق نشاطاً سياسياً في البلاد، وكانت المدن الكردية في طليعة الاحتجاجات والحركات المعارضة لسلطة الحكومة المركزية. ويجعل هذا التداخل بين العسكرة الكثيفة والتعبئة السياسية المستمرة المنطقة شديدة الحساسية ضمن المشهد الأمني الداخلي الإيراني.
وبالتالي، يمثل إقليم كردستان الإيراني بالنسبة لطهران حدوداً عسكرية استراتيجية وفي الوقت نفسه نقطة ضعف سياسية. فالتضاريس الجبلية التي توفر الحماية للمنشآت العسكرية أتاحت أيضاً لحركات المعارضة الكردية مجالاً للعمل والحفاظ على ارتباطها بالمجتمعات المحلية. وبهذا المعنى، يشكل إقليم كردستان الإيراني درعاً وخط صدع للجمهورية الإسلامية، وجبهة عسكرية شديدة التحصين، فضلاً عن كونه من أكثر المناطق معارضةً سياسياً في البلاد.
تعود المطالب الكردية بالاعتراف السياسي والحكم الذاتي الإقليمي إلى تأسيس الدولة الإيرانية الحديثة في عهد رضا شاه بهلوي عام 1925، إذ سعت الملكية البهلوية إلى بناء دولة قومية مركزية من خلال تعزيز هوية وطنية متجانسة ، وقمع التنوع العرقي واللغوي عبر سلطة الدولة القسرية، بما في ذلك القمع العسكري والإعدامات وفرض سيطرة مركزية صارمة على المناطق النائية.
استمرت هذه السياسات بأشكال مختلفة بعد ثورة 1979 في ظل الجمهورية الإسلامية. فقد اعتبرت القيادة الجديدة المطالب الكردية باللامركزية والحقوق الثقافية والحكم الذاتي الإقليمي تهديداً للأمن القومي، ووصفتها بأنها نزعات انفصالية، مما أدى إلى اندلاع مواجهة عسكرية بين المنظمات السياسية الكردية والدولة الثورية. وبالفعل، أصبحت المنطقة الكردية أول ساحة مواجهة رئيسية لـ"الحرس الثوري الإيراني". وقد استهدفت العمليات المبكرة التي شنها "الحرس الثوري الإيراني" والجيش الوطني الإيراني المدن والقرى الكردية، مما أدى إلى سقوط آلاف المدنيين في السنوات الأولى بعد الثورة.
استمرت المواجهة المسلحة بين القوات الكردية والحكومة الإيرانية لعدة سنوات، لكنها مرت بتحولات تدريجية. وبحلول منتصف التسعينيات، بدأت المنظمات السياسية الكردية في تغيير استراتيجيتها من العمليات العسكرية المستمرة نحو تعبئة اجتماعية وسياسية أوسع نطاقاً داخل المجتمع الكردي الإيراني. جاء هذا التحول في أعقاب تفاهم عام 1996 مع سلطات إقليم كردستان العراق، بما في ذلك كل من "الحزب الديمقراطي الكردستاني " (KDP)والاتحاد الوطني الكردستاني (PUK)، والذي حد من استخدام الأراضي الكردية العراقية في عمليات عسكرية مستمرة عبر الحدود ضد إيران.
ونتيجة لذلك، حولت الأحزاب الكردية تركيزها تدريجياً نحو التنظيم السياسي والنشاط المدني والتعبئة الشعبية داخل كردستان الإيرانية. وأصبحت المبادرات الثقافية والبيئية واللغوية أدوات رئيسية للحفاظ على النفوذ السياسي. ومع مرور الوقت، ارتبط النشاط الكردي بشكل متزايد بالمظالم الاجتماعية والسياسية الأوسع في إيران، حيث جرى
ربط المطالب القومية الكردية بدعوات أشمل للديمقراطية والحقوق السياسية واللامركزية داخل الدولة الإيرانية.
تحتفظ الأحزاب الكردية اليوم بهياكل قيادية منظمة وأجنحة مسلحة، بما في ذلك "الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني" (KDPI)، و"حزب الحياة الحرة الكردستاني " (PJAK)، و"حزب الحرية الكردستاني " (PAK)، و"منظمة خبات"، وحزب "كومله لعمال كردستان " إذ أعلنت هذه القوىتحالفها مع أحزاب المعارضة الكردية الإيرانية قبل أسبوع من الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران، وانضم إليهم لاحقاً "حزب كومله". ورغم حدوث فترات لوقف إطلاق النار وتراجع النشاط العسكري، بما في ذلك وقف إطلاق النار بين حزب "الحياة الحرة لكردستان" وطهران في عام 2011، استأنفت بعض الأحزاب الكردية عمليات مسلحة محدودة بعد عام 2016. كما تحتفظ العديد من هذه الجماعات بمقار وقواعد في إقليم كردستان العراق، حيث تواصل التدريب السياسي والعسكري مع الحفاظ على روابطها مع مؤيديها داخل إيران. كما اكتسبت غالبية هذه القوات الكردية الإيرانية خبرة عملياتية إضافية خلال الحرب ضد تنظيم "داعش" في العراق وسوريا. وقد أتاح التعاون مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة للمقاتلين الأكراد اكتساب خبرات في مجالات التنسيق الاستخباراتي وتكتيكات القتال الحديثة واستخدام التقنيات العسكرية المتقدمة، وهو ما أسهم في تعزيز قدراتهم وتطويرهم كفاعلين سياسيين وعسكريين أكثر تنظيماً.
على الرغم من عقود من المواجهة، فقد أعطت الحركات السياسية الكردية تاريخياً أولوية للحوار والتفاوض مع الحكومة المركزية باعتباره خيارها الاستراتيجي المفضل. وقد سعى القادة الأكراد إلى إجراء حوارات مع الحكومة الإيرانية في عهد كل من الملكية البهلوية والجمهورية الإسلامية. ومع ذلك، انتهت هذه المساعي في كثير من الأحيان بالعنف، بما في ذلك اغتيال قيادات سياسية كردية. ومن أبرز هذه الحالات اغتيال الزعيم الكردي عبد الرحمن قاسملو في فيينا عام 1989 أثناء مفاوضات مع ممثلين إيرانيين. إضافة إلى استُهدف قادة أكراد آخرون في حوادث مماثلة على مر السنين، مما عزز حالة انعدام الثقة العميق بين الفاعلين السياسيين الأكراد والدولة الإيرانية.
ومع ذلك، فإن أي انتقال سياسي في إيران يستمر في تكريس مركزية السلطة بشكل مفرط ينطوي على خطر تعميق عدم الاستقرار الداخلي وقد يؤدي إلى اندلاع صراع أهلي. فقد أظهرت التجارب التاريخية أن الأنظمة المركزية الصارمة تواجه صعوبات في الاستجابة لمطالب المجتمعات المتعددة عرقياً. وفي هذا السياق، يمكن للمناطق الكردية أن تؤدي دوراً محورياً في تحديد مسار التغير السياسي داخل إيران.
ولا تقل أهميةً عن ذلك القاعدة الاجتماعية العميقة التي تتمتع بها الحركات الكردية داخل لإقليم كردستان الإيراني. وعلى عكس القوات العسكرية الخارجية، لن يدخل المقاتلون الأكراد بيئة غير مألوفة لهم إذا امتد الصراع داخل إيران؛ بل سيعودون إلى مجتمعاتهم الأصلية. وفى هذا السياق، توفر الروابط الأسرية والشبكات المحلية والعلاقات السياسية الممتدة للقوات الكردية دعماً مجتمعياً وقنوات استخباراتية ومساندة لوجستية ومعرفة دقيقة بالتضاريس، وهي مزايا غالباً ما افتقرت إليها القوى الخارجية في التدخلات العسكرية السابقة في أنحاء الشرق الأوسط.
تشير التطورات الأخيرة إلى مستوى متزايد من التعبئة بين الأكراد الإيرانيين مع تصاعد الصراع الحالي. فقد أفادت الأحزاب السياسية الكردية بزيادة كبيرة في طلبات العضوية من داخل كردستان الإيرانية، حيث قدم آلاف الأفراد أنفسهم للانضمام إلى الأحزاب الكردية وأجنحتها العسكرية منذ بداية الحرب. في الوقت ذاته، بدأ مئات من أفراد الشتات الكردي الإيراني بالعودة إلى إقليم كردستان في العراق من أجل الانضمام إلى الأحزاب الكردية استعداداً لمواجهة محتملة مع الجمهورية الإسلامية، ومن بينهم أكراد إيرانيون كانوا يعيشون في أوروبا ودول غربية أخرى. وتشير هذه الزيادة في التجنيد وعودة أفراد الشتات إلى أن المنظمات السياسية الكردية لا تزال تتمتع بدعم اجتماعي واسع داخل المجتمع الكردي. كما أن هذا المستوى من التعبئة قد يعزز دور كردستان كمحرك للتغيير السياسي الداخلي في إيران.
وإذا ظهرت انقسامات داخل المؤسسات الأمنية الإيرانية، فقد تصبح المناطق الكردية نقطة محورية للقوات المنشقة أو لتنسيق أوسع نطاقاً بين المعارضة. في الوقت نفسه، قد يتردد صدى التطورات السياسية في كردستان خارج حدود إيران، حيث يمكن أن يؤدي وجود نظام سياسي يسمح بلامركزية السلطة والحكم الذاتي الإقليمي إلى إعادة تشكيل علاقات إيران مع الدول المجاورة. ومن خلال الروابط العرقية والثقافية مع المجتمعات ذات الصلة عبر الحدود، بما في ذلك العرب والأتراك والبلوش والأكراد، يمكن لإيران تحويل الديناميات الإقليمية من المواجهة إلى التعاون وتحقيق مصالح مشتركة.
ولا تزال هذه التجارب تشكل الفكر السياسي الكردي حتى اليوم. فالمفاوضات لا تزال الخيار المفضل، لكن السوابق التاريخية خلقت شكوكاً قوية حول ما إذا كانت أي سلطة مركزية في طهران ستحترم في نهاية المطاف الاتفاقات السياسية الكردية. لذلك، يمكن أن يلعب الانخراط الدولي، لا سيما من جانب الولايات المتحدة، دوراً مهماً في تشجيع المفاوضات المستقبلية بين ممثلي الأكراد وأي قيادة سياسية ناشئة في طهران. ومن المحتمل أن يفتح مثل هذا النهج مجالاً لمناقشات حول اللامركزية والحكم الذاتي الإقليمي، بما يعالج مسألة سياسية طويلة الأمد لم تتمكن الحكومات المتعاقبة في إيران من حلها.