أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

Fikra Forum

Fikra Forum

خلق الحوار. التأثير على السياسة.

Generating Dialogue. Impacting Policy.

من يملك مفاتيح أبواب السلام مع إسرائيل؟


متاح أيضاً في English

5 نيسان/أبريل 2018

لماذا أُغلقت أبواب السلام مع إسرائيل؟ وأحيطت بأسوار من التخوين والتكفير لمن يجرؤ على الاقتراب منها؟ ولمصلحة مَن كُرست ثقافة كراهية اليهود وإنكار حقهم التاريخي في المنطقة؟ رغم أن جميع الكتب السماوية التوراة والإنجيل والقرآن الكريم تؤكد أن اليهود جزءٌ أصيل وشريك في تاريخ المنطقة، وليسوا دخلاء كما تم تصور هذا المفهوم وتكريسه في ثقافة المجتمعات العربية.

إن البداية الحقيقية للإجابة على هذه التساؤلات تستدعي العودة إلى أحداث ثورة يوليو في عام 1952 م وذلك عندما استولى الجيش المصري على السلطة في مصر بالتعاون مع الإسلام السياسي، المتمثل في جماعة الإخوان المسلمين، واستبدلا الديمقراطية الوليدة بحكم عسكري ديكتاتوري. حيث برز آنذاك نجم جمال عبد الناصر الذي استطاع التخلص من الإخوان المسلمين، وتجاوزت شعبيته الآفاق على مستوى المجتمعات العربية بعد حرب عام 1956، والذي خرج منها كبطل أسطوري لا منازع له في المنطقة. استغل عبد الناصر تعطش شعوب المنطقة إلى قائد يعود بهم إلى زمن الانتصارات وإن كان نصر مزيف لا يتعدى الشعارات والخطب الحماسية للهروب من واقعهم والشعور بالهزيمة التي تسكن بداخلهم.

لقد أدرك عبد الناصر حتمية وجود عدو لضمان استمرارية شعبيته، وتبرير ديكتاتوريته، وتشريع أطماعه التوسعية في المنطقة كي يصبح زعيم الأمة بلا منازع. فوجد ضالته في استثمار الصراع العربي الإسرائيلي وعمل على تكريس العداء لدولة إسرائيل، وغرس ثقافة الكراهية لليهود وإنكار حقهم التاريخي في المنطقة مستخدماً جميع الوسائل المتاحة له حتى أصبح هذا العداء جزءٌ أصيل من ثقافة المواطن العربي.

إن حرب الخامس من يونيو عام 1967 م أعلنت سقوط عبد الناصر سياسياً قبل وفاته عام 1970، ولكن التركة التي خلفها ورائه من الكراهية لليهود وإنكار حقهم التاريخي في المنطقة مازالت حية في مجتمعاتنا العربية إلى يومنا هذا، فقد نهجت معظم الأنظمة العربية نهج عبد الناصر في استثمار النزاع العربي الإسرائيلي سياسياً واستخدامه كسيف مسلط لتخوين الأصوات الوطنية المعارضة لاستبدادهم السياسي، ومواجهة خصومهم السياسيين في المنطقة باسم نصرة القضية الفلسطينية. ولهذا السبب دفع الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات حياته ثمناً لتحقيق السلام مع إسرائيل عندما أبرم اتفاقية كامب ديفيد للسلام في عام 1979 م. حيث كانت هذه الاتفاقية تتعارض مع مصالح الأنظمة العربية المتاجرة بالنزاع العربي الإسرائيلي من جهة ومع مصالح الإسلام السياسي من جهة أخرى والذي تزايد توغله في مجتمعات المنطقة خاصة بعد سقوط فكر القومية العربية بعد هزيمة عرابها عبد الناصر في حرب 1967. فقد كان الصراع العربي الإسرائيلي أفضل وسيلة لتسويق العودة إلى الخلافة الإسلامية, وتقديم الإسلام كنظام سياسي لدولة إسلامية هو الحل لانتشال الأمة من الضعف والشعور بالهزيمة, وأصبح التخلص من السادات مصلحة مشتركة تجمع بين الخصمين اللدودين, الأنظمة العربية المتاجرة بالنزاع العربي الإسرائيلي والإسلام السياسي.

 إن مقتل السادات كان رسالة تحذيرية تنذر بعدم الاقتراب من أبواب السلام فازدادت ثقافة كراهية اليهود وإنكار حقهم التاريخي في المنطقة، وأصبحت هذه الثقافة مغلفة بغلاف ديني تكفر وتخون كل من يجرؤ حتى النقاش في صحتها وهذا بسبب توغل فكر الإسلام السياسي في المجتمعات العربية نتيجة استبداد الأنظمة السياسية التي حجبت المشاركة السياسية وبالتالي أنتجت أمية سياسية، فكان البديل هو الإسلام السياسي. ونتيجة لذلك نستطيع التعرف على أهم أسباب فشل اتفاقية أوسلو للسلام التي أُبرمت عام 1993 م ولم يكتب لها النجاح حيث أعاد التاريخ نفسه مرة أخرى وذلك بتعاون الأنظمة المتاجرة بالنزاع العربي الإسرائيلي وبين الإسلام السياسي في إعلان وفاة اتفاقية أوسلو التي عززت تقوية ثقافة الكراهية لليهود وتجريم السلام مع إسرائيل. الجدير بالذكر أن الإسلام السياسي كان له الدور الأكبر من خلال جماعة حماس والجهاد الإسلامي في غزة.

لقد كانت محاولة السعودية بتحقيق السلام من خلال مبادرة السلام العربية والتي تم الإجماع عليها في مؤتمر القمة العربية ببيروت عام 2002 م أجرأ خطوة منذ نشأة الصراع العربي الإسرائيلي، ولكنها ظلت تراوح مكانها لنفس الأسباب التي أدت إلى فشل اتفاقية أوسلو وقتل السادات. إن رياح التغيير في قواعد اللعبة بدأت تهب في المنطقة عام 2003 م بعد سقوط النظام العراقي محملة برسائل تنذر بأن لاعبين جدد سيدخلون المنطقة نتيجة الفراغ السياسي العربي الذي بدا واضحاً، فكانت حرب عام 2006 م بين حزب الله وإسرائيل، وإطلاق ما يدعى بأسطول الحرية التركي إلى غزة عام 2010 م البداية الحقيقية لتغيير قواعد اللعبة السياسية بدخول تركيا وإيران في المنطقة. هذا وقد شهد عام 2011 م أحداث وتغييرات جديدة ونوعية للمنطقة نتيجة سقوط بعض الأنظمة العربية بما عرف بالربيع العربي، وكان الوريث لهذه الأنظمة الإسلام السياسي كنتيجة طبيعية لغياب المشاركة السياسية وضعف الوعي السياسي لهذه المجتمعات. إن تصدر الإسلام السياسي المشهد بشقيه السني والشيعي فرض الهيمنة لكل من تركيا وإيران على المنطقة بشكل شبه كامل. وتجدر الإشارة هنا بأن الهيمنة الإيرانية والتركية خلقت الفوضى الدموية التي جعلت من مجتمعات المنطقة مسارح للحروب الأهلية تحت شعارات مذهبية أو صراع على السلطة, ولإخفاء بصماتهما الواضحة في تدمير المنطقة قاما بواسطة الإسلام السياسي تحميل إسرائيل وزر هذه الفوضى مستغلين كره هذه المجتمعات لليهود فيسهل بذلك تمرير أدلة واهية مغلفة باسم الدين, فاسقطوا آيات قرآنية نزلت في ظروف زمنية خاصة على اليهود منذ ما يقارب 1400 عام على واقع اليهود اليوم لتسويق الكراهية لهم وإقناع المجتمعات العربية ببراءتهما وبراءة ذراعهما المتمثل في الإسلام السياسي من مسؤولية تدمير المنطقة وإلصاقها بإسرائيل.

رغم الواقع التعيس الذي تعيشه المنطقة إلا أن عدالة الأقدار تفتح نافذة أمل للخروج من هذا النفق المظلم تتجسد في تصدر المشهد السياسي السعودي أمير شاب ينتهج سياسات جديدة مغايرة تماما للنمط التقليدي، إنه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: ماهي طبيعة الفرصة التاريخية لتحقيق السلام مع إسرائيل التي تعتبر نافذة الآمل لخروج المنطقة من النفق المظلم؟ ولماذا الأمير محمد بن سلمان؟ ولماذا الآن؟

إن نافذة الأمل والفرصة التاريخية تتمثل في كون السعودية قبلة المسلمين الدينية فهي تحظى بقدسية في مجتمعات المنطقة خاصةً والعالم الإسلامي عامةً فلذلك لها القدرة على تحقيق شرعنة السلام مع إسرائيل بشقيه الشعبي والسياسي وخلق شرق أوسط جديد يعتنق ثقافة جديدة تؤمن بحق اليهود التاريخي في المنطقة وبدولتهم إسرائيل في إطار شرعية دينية مصدرها أقدس المنابر الدينية لدى متجمعات المنطقة.

لماذا الأمير محمد بن سلمان؟

إن المتابع للمشهد السياسي السعودي يلمس بأن هنالك منهج جديد للسياسات السعودية تختلف عن النمط التقليدي الذي كانت تسلكه القيادات السعودية السابقة  سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي, وعراب هذا المنهج الجديد هو الأمير محمد بن سلمان الذي يعتبر الحلقة المفقودة بين قدرة السعودية للقيام بهذا الدور المتمثل بتحقيق السلام وبين الإرادة السياسية في اتخاذ قرار السلام, فمن كانت له القدرة والشجاعة على كسر الثوابت التقليدية أو تجاوز  الخطوط الحمراء في السياسة السعودية إن جاز التعبير كإلغاء الشرطة الدينية , والسماح بإقامة الحفلات الغنائية وإنصاف المرأة السعودية ومن ضمنها السماح لها بقيادة السيار, والمضي بشجاعة في اتخاذ قرارات نحو تغيرات جذرية في طبيعية وثقافة إدارة المجتمع من إدارة دينية متشددة إلى إدارة مدنية حضارية في إطار إسلامي يتناسب مع ثقافة المجتمع ومن يمتلك هذه الشجاعة أيضاً في اتخاذ هذه القرارات الجريئة و مواجهة تحديات ثقافة الممانعة من قبل الحرس القديم في إدارة المجتمع فبالتأكيد سيكون قادراً على اتخاذ قرار السلام مع إسرائيل مستمداً شرعيته من الإسلام الوسطي المعتدل و من أقدس البقع الدينية في المنطقة والعالم الإسلامي. إن الإرادة السياسية للأمير الشاب بتحقيق السلام ستنقذ ما تبقى من مجتمعات المنطقة من السقوط إلى الهاوية وإنهاء صراع دام أكثر من سبعون عاماً لم يجلب سوى مزيداً من الخسائر والضعف والإرهاب.

لماذا الآن تحديداً وفي ظل الواقع السياسي التعيس في المنطقة؟

إن تداعيات الربيع العربي التي أفرزت الفوضى الدموية جعلت شعوب المنطقة تدرك زيف الشعارات التي اعتنقتها وآمنت بها عبر عقود من الزمن، وخلقت فرصة تاريخية لأحياء ثقافة السلام مع إسرائيل. حيث أصبح من الممكن تقبل فكرة السلام الذي يبشر بمستقبل شرق أوسط جديد يحمل تحقيق أحلام هذه الشعوب بالتنمية والازدهار والأمن مغايرة للواقع البائس الذي يعيشونه الآن بشرط أن تكون ثقافة السلام مع إسرائيل مغلفة بإطار الشرعية الدينية من أقدس البقاع الدينية في ثقافتهم المتمثلة بمكة والمدينة، فالدين يعتبر من أهم مكونات ثقافة الفرد في مجتمعات المنطقة والعالم الإسلامي. ومن جهة أخرى لن تجد الأنظمة السياسية المعتدلة في المنطقة والعالم الإسلامي حرجاً وممانعة من شعوبها في نسج علاقات طبيعية مع إسرائيل.

إن صانع القرار السياسي الإسرائيلي والمجتمع الإسرائيلي عليهم أن يدركوا بأن الوقت قد حان للاعتراف بحقهم التاريخي في المنطقة واستئصال ثقافة الكراهية لهم من فكر مجتمعات جيرانهم، ولكن هذا يتطلب اتخاذ قرارات شجاعة نحو تحقيق السلام ودعم السياسات الجادة للسعودية التي ينتهجها الأمير ولي العهد محمد بن سلمان في مواجهة الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي ومن يديرهما في أنقرة وطهران. ولحماية ماضي أجدادنا ومستقبل أبناءنا علينا استثمار ودعم هذه الفرصة التاريخية التي ولدت من رحم الفوضى لخلق شرق أوسط جديد يعترف بدولة إسرائيل التي هي حق اليهود التاريخي في المنطقة، ولنحذر من إضاعة هذه الفرصة التي قد لا تتكرر فإن أضعناها فلعنة الغزاة والإرهاب والكراهية ستحل بنا جميعاً.

وأخيراً على المجتمع الدولي وخاصة الدول الكبرى التي لها مصالح استراتيجية في المنطقة وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية دعم تحقيق السلام بكل الوسائل المتاحة بين الدول المعتدلة وفي مقدمتهم السعودية وبين إسرائيل، ودعم عراب السياسات الجديدة للسعودية ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان فهو رجل السلام ورجل المرحلة في المنطقة ويمتلك مفاتيح أبواب السلام الشعبي والسياسي مع إسرائيل التي ظلت مغلقة منذ أكثر من 70 عاماً.

    

Customize your RSS Feed