- تحليل السياسات
- منتدى فكرة
سوريا: مرسوم عفو دون عدالة؟
تثير المناقشات التي أُثيرت حول المرسوم رقم (39) تساؤلات حول الكيفية التي ستعمل بها الدولة على سد الفجوات البارزة بين الخطاب الحكومي الرسمي وحقوق الضحايا.
اعتقد كثير من السوريين أن عهد مراسيم العفو العام قد ولى مع سقوط نظام بشار الأسد، تلك المراسيم التي كانت جزءاً من منظومة قضائية مبهمة وتعسفية، حيث كان السوريون يتعرضون للاختفاء القسري بشكل روتيني، تاركين أحباءهم يتساءلون عن مصيرهم. لكن في 18 شباط/فبراير 2026، أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسوم العفو العام رقم (39)، الذي يمنح، وفقاً للنص الذي نشرته وكالة الأنباء العربية السورية (سانا)، "عفواً عاماً عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 18 شباط/فبراير2026. يشمل نطاق المرسوم فئات واسعة من الجرائم، ويسري على السجناء والمُدانين من الحقبة السابقة والفترة الراهنة على حد سواء. وفي حالات معينة، يشترط المرسوم أن يستوفي المتهمون أو المُدانون شروطاً محددة، مثل تسليم الأسلحة، أو تسليم أنفسهم خلال فترة زمنية معينة، أو تسوية وضعهم القانوني خلال الأشهر القليلة المقبلة.
إن قرار دمشق باستخدام إطار العفو العام يثير الحيرة؛ فقد كانت مراسيم العفو التي أصدرها الأسد شكلية إلى حد كبير. إذ وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن عدد السجناء الذين أُطلق سراحهم فعلياً بموجب هذه المراسيم لم يتجاوز أبداً نسبةً ضئيلة من المعتقلين والمختفين قسراً، وأن سجناء الرأي وضحايا التعذيب جرى استبعادهم بشكل منهجي. وفى السياق نفسه، يُثير شبح حالات الاختفاء القسري في عهد الأسد تساؤلات حول سبب تمسك الحكومة الجديدة بهذا الجانب بالذات من نهج النظام القديم. علاوة على ذلك، أدى الغموض بشأن آلية تنفيذ هذا العفو، إلى جانب القضايا الهيكلية الواسعة المتعلقة بالسلطة القضائية السورية، إلى أن يصبح هذا المرسوم محور نقاش واسع داخل المجتمع السوري، بدلاً من أن يكون خطوة فعلية نحو الإصلاح كما وصفته الحكومة.
كما أن المرسوم لا يتناول الأسئلة المحورية التي تظل تؤرق كثيراً من السوريين - لا سيما ذوي المفقودين - حول الدور الذي اضطلع به النظام القضائي السابق في وقائع الاختفاء الجماعي: من كان وراء الاعتقال؟ ما الدوافع؟ من أصدر الأوامر؟ من نفّذها؟ ومن سيُحاسَب في هذه الحقبة؟
محاولةٌ للإصلاح في خضم اضطرابات واسعة
قدمت البيانات الحكومية الرسمية ووسائل الإعلام السورية المرسوم بصفته جزء من "إصلاح المنظومة القضائية وتعزيز السلام الأهلي والمصالحة الوطنية". في هذا الإطار، يُعتبر المرسوم إجراءً قانونياً وإنسانياً في آن واحد حيث يهدف إلى التخفيف من معاناة السجناء وعائلاتهم. وفي هذا السياق، صرح وزير العدل مظهر الويس في تصريحات رسمية أن القضاء قد بدأ بالفعل "تنفيذ المرسوم من خلال مراجعة ملفات السجناء في مختلف المحافظات" وأن الهدف هو "الحد من اكتظاظ السجون، وتصحيح بعض المظالم القضائية، وتعزيز ثقة المواطنين في نظام العدالة ".
في وقت كتابة هذا التقرير، تشير التقارير إلى أن القضاء والوزارات الحكومية المعنية قد بدأت في تنفيذ المرسوم من خلال إرشاداتٍ تطبيقية تتضمن الشروط المنصوص عليها في المرسوم. ومع ذلك، لم تظهر بعد أي تقارير مفصلة عن عدد الأشخاص الذين استفادوا من ذلك.
ويأتي المرسوم أيضاً وسط اضطرابات أوسع نطاقاً في النظام القضائي السوري. فمنذ سقوط نظام الأسد، اتسم وضع القضاء بالارتباك؛ إذ جرى فصل قضاة وتعيين آخرين من دون عملية شفافة لإعادة الهيكلة. وقد ندد عدد من المحامين والقضاة مراراً وتكراراً بالانتهاكات التي أفادوا برصدها داخل النظام خلال هذه الفترة، بما في ذلك تعيين قضاة من دون مؤهلات جامعية وفرض قيود على ممارسة النساء لمهنة المحاماة. ومع استمرار هذه المشاكل الهيكلية دون حل، فإن قدرة القضاء في شكله الحالي على تنفيذ المتطلبات الإجرائية للمرسوم بصورة عادلة ومتسقة تبقى موضع شك.
حدود السلطة التنفيذية في سوريا الجديدة - أو غيابها
بغض النظر عن النوايا المعلنة، تكمن أهمية المرسوم بالنسبة للحكم في سوريا في نهاية المطاف فيما يكشفه عن حدود السلطة التنفيذية - أو حتى غيابها - خلال الفترة الانتقالية. منذ صدور المرسوم، تجاوز النقاش بين السوريين مسألة من سيُفرج عنه من السجن إلى قضايا أعمق تتعلق بمن يملك الحق في إصدار عفو عام في النظام الجديد خلال الفترة الانتقالية، وما هي حدود هذا العفو.
وفي هذا السياق، تُعبر عدد من منظمات حقوق الإنسان السورية والخبراء القانونيين عن مخاوف مهمة بشأن النهج الحالي. فوفقاً لنص الإعلان الدستوري المؤقت الذي يحكم الفترة الانتقالية في سوريا - وهو وثيقة وافق عليها الشرع بنفسه - يتمتع الرئيس بسلطة إصدار "عفو خاص"، أي تخفيف العقوبة أو الإعفاء منها في حالات محددة تتعلق بأشخاص معينين. في المقابل، من المفترض أن يخضع العفو العام لتصويت البرلمان، نظراً لأن القرار سيؤثر على سياسة العدالة الجنائية للدولة ككل.
تناولت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في بيان تحليلي هذا التناقض الدستوري الواضح بشأن "الاشكاليات الدستورية في مرسوم العفو الرئاسي رقم 39 لعام 2026"، أشارت فيه بوضوح إلى أن "إصدار عفو عام بمرسوم رئاسي منفرد، في ظل غياب برلمان منتخب فعلياً، يعني توسيعاً خطيراً لصلاحيات السلطة التنفيذية على حساب المبدأ الدستوري القائل بالفصل بين السلطات". كما حذرت الشبكة من أن هذا النمط في التشريع يعيد إنتاج نظام الاسد القائم على منظومة “القوانين فوق الدستور”، التي عرفها السوريون لعقود، حيث يُستخدم النص القانوني كأداة سياسية أكثر من كونه إطاراً ملزماً للجميع، مما يجعل الالتزام بهذه النصوص في المرحلة الراهنة أمراً بالغ الأهمية.
ومن جهته، قال المحامي السوري البارز والناشط الحقوقي أنور البني إن الإعلان الدستوري الصادر عن الشرع لم يمنح الرئيس الانتقالي مثل هذه السلطة. وأضاف أن المرسوم يُشكّل انتهاكاً من جانب الرئيس الشرع للإعلان الدستوري الذي صاغه بنفسه، وأنه يتضمن منحاً للسلطات التي لم تُمنح له. ورأى أن ذلك يمثل مؤشراً خطيراً على تجاوز "سيادة القانون" التي يُستشهد بها بشكل متكرر في الخطاب الرسمي. وفي تعليقات على حسابه الشخصي على فيسبوك، أشار البني إلى أن:
" إن العفو العام اختراعٌ للأنظمة الديكتاتورية والملكية، وهو بمثابة منحة يمنحها الملك أو الزعيم. ولا وجود لما يُسمى بالعفو العام في أي نظام حضاري".
معالجة مسالة الإدراج والاستبعاد في مرسوم العفو
تتمثل المسألة الأكثر بروزاً هنا في الطريقة الغامضة التي تم بها استبعاد أنواع معينة من الجرائم من العفو. وتتصدر قائمة الفئات المستبعدة "الانتهاكات الجسيمة ضد الشعب السوري"، والجرائم التي تعتبر جرائم إرهابية كبرى، وبعض الجرائم المتعلقة بالقتل العمد، وتهريب المخدرات، وجرائم محددة بموجب القوانين العسكرية والأمنية. وفي هذا الصدد، لفت حقوقيون وقانونيون سوريون الانتباه إلى أن صياغة الاستثناءات داخل المرسوم وخصوصا مصطلح "الانتهاكات الجسيمة ضد الشعب السوري". لا يستند إلى تصنيفات واضحة في القانون الدولي لحقوق الإنسان أو القانون الجنائي الدولي، ويترك الباب مفتوحاً أمام السلطة لتحديد ما هو “جسيم” وما هو “غير جسيم” وفق اعتبارات سياسية أو ظرفية. ومن ثم، يرى العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان أن هذا الغموض يخدم مصالح السلطات أكثر مما يحمي حقوق الضحايا السوريين من الجرائم الفعلية.
الإشكالية الإجرائية الثانية التي ظهرت بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، كانت اشتراط المرسوم في بعض الحالات، أن يتقدم المستفيد بطلب إلى الجهات القضائية ضمن مهلة زمنية محددة. في بعض الحالات، يشترط المرسوم أن يقدم الطرف المدان الذي يسعى للاستفادة من العفو طلباً رسمياً إلى السلطات القضائية خلال فترة زمنية محددة. ووفقاً لـ"الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، ينطبق شرط التنازل هذا بشكل خاص على الجرائم التي تنطوي على بُعد قانوني عام وجنائي أو شخصي، مثل القتل أو الاختطاف. وفي هذه الحالات، يجب على الضحية أو أسرتها أيضاً التنازل صراحة عن الحق في رفع دعاوى خلال فترة قصيرة. وهذا يعني أن العفو ليس تلقائياً، بل يرتبط بقدرة المستفيدين المحتملين على التعامل مع الجهاز الإداري والقضائي السوري، الذي لا يزال يعاني من انعدام الاستقلالية والفساد والضغوط الأمنية. ويُحوّل هذا الاعتماد "الحق" في العفو إلى امتياز متاح فقط لمن لديهم القدرة المباشرة على الوصول إلى النظام القضائي السوري أو التفاوض معه. وتجدر الإشارة إلى أن العديد من العائلات المتضررة تعيش في حالة من الصدمة أو النزوح أو الفقر، وتفتقر إلى القدرة على توكيل محامين أو المثول أمام المحاكم ضمن المهلة المحددة.
كما تحدد "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" الوسائل التي قد يُحرم بموجبها ضحايا الجرائم الفعلية من العدالة؛ حيث قد يتعرض بعض الضحايا لضغوط أو ترهيب أو إغراءات للتنازل عن حقوقهم بسرعة، لا سيما في المناطق التي لا تزال تخضع لوجود الجماعات المسلحة والميليشيات النشطة. ومن ثم، سيستفيد من المرسوم - إلى جانب سجناء الرأي والأفراد المحتجزين تعسفياً -أفراد أخرين متورطون في جرائم مالية أو تهريب أو أعمال عنف طائفي، أفلتوا من العقاب بفضل ما توفره لهم شبكات نافذة من حماية. كما أن مطالبة الضحية بالتنازل عن حق شخصي معين تفترض مستوى من الثقة في القضاء والدولة لا يملكه العديد من الضحايا، نظراً إلى الشكوك القائمة حول استقلالية القضاء وسلامة الوصول إلى المحاكم وأجهزة الأمن.
بين الدولة والخطاب العام
تشير الطريقة التي قُدِّم بها المرسوم أيضاً إلى أن السلطات السورية، بعد أكثر من عام على توليها السلطة، لم تُدرك بعد أن المجتمع السوري قد تغير خلال أربعة عشر عاماً. فقد انتقل الخطاب العام من الصمت في ظل نظام استبدادي إلى نقاش عام حول كل تفصيل وقانون ومرسوم حكومي تُصدره دمشق. ولم يختلف النقاش الشعبي حول "المرسوم رقم 39" عن ذلك.
وقد استقبل العديد من السوريين، بمن فيهم بعض الذين كانوا يأملون أن يشمل العفو أشخاصاً يعرفونهم شخصياً، المرسوم بتفاؤل حذر، وأملوا أن يكون أكثر جدية من المراسيم المماثلة الصادرة عن نظام الأسد. بينما رد آخرون بسخرية مريرة وانتقاد لافت، معتبرين أن العفو غير كامل لأنه لا يكشف عن مصير السوريين المختفين بسبب معارضتهم السياسية ولا يعترف بالمعاناة التي يتحملها المعتقلون السياسيون.
وفي الوقت الراهن، يدور النقاش العام حول هذه القضايا بشكل أساسي من خلال مقالات وتعليقات المحامين والقضاة المنشورة على مواقع الأخبار السورية ووسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى مناقشات الصحفيين السوريين في مقالاتهم وعلى موقع "فيسبوك". ويعكس الانقسام في الآراء بشكل عام المواقف المؤسسية وقربها من التأثير المباشر، حيث يميل المهنيون القانونيون ومنظمات حقوق الإنسان إلى التشكيك أو الانتقاد الصريح لأسباب دستورية وإجرائية، بينما أعربت عائلات المعتقلين - على الأقل في البداية - عن أمل مختلط بالشكوك في أن يشمل نطاق المرسوم أحباءهم.
لهذا السبب تبدو الفجوة واسعة جداً بين لغة "الإصلاح القانوني" التي تستخدمها السلطات ولغة "الحق والعدالة والذاكرة" التي يتحدث بها الضحايا ومنظمات حقوق الإنسان التي تمثلهم. في سوريا الجديدة، حتى أولئك الذين يحدوهم الأمل حالياً سيصابون على الأرجح بخيبة أمل من عفو لا يعطي الأولوية للشفافية والمساءلة. وبالتالي، ما لم يتم توفير مزيد من الوضوح ووضع حدود واضحة، فمن المرجح أن يُنظر إلى المرسوم رقم 39 على أنه خطوة إدارية محدودة لا ترقى إلى مستوى العدالة الانتقالية التي يحتاجها السوريون لإغلاق ملف الاختفاء القسري - دون محو الجرائم أو المساواة بين الجلادين والضحايا وذلك من خلال تصنيف سجناء سوريا في فئة واحدة. وفي نهاية المطاف، لن يُقاس الأثر الحقيقي للمرسوم رقم 39 بعدد الإفراجات فحسب، بل بمدى إدراك السوريين لمسار العدالة: هل تحركت للأمام خطوة أم إلى الخلف خطوة.