- تحليل السياسات
- منتدى فكرة
كازاخستان واتفاقيات "أبراهام" في لعبة التحوط على المعادن النفيسة
قد يكون انضمام كازاخستان إلى اتفاقيات "أبراهام" يهدف إلى تسهيل إنشاء سلاسل توريد جديدة للمعادن الهامة، بما يقلل من اعتماد الدول الموقعة على الصين.
في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أعلن الرئيس ترامب أن كازاخستان ستنضم إلى اتفاقيات "أبراهام" وهذا يجعلها أول دولة تربطها علاقات دبلوماسية سابقة بإسرائيل تنضم إلى الاتفاقية. أثار هذا الإعلان دهشة المحللين في واشنطن، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن البلدين تربطهما علاقات بالفعل، وإلى أن كازاخستان ليست في الشرق الأوسط أو شمال إفريقيا، مثل الدول الموقعة السابقة.
في اليوم نفسه، اجتمع رؤساء دول مجموعة “C5+1" دول آسيا الوسطى بالإضافة إلى الولايات المتحدة - في البيت الأبيض للمرة الأولى. هناك، أشار الرئيس ترامب إلى أن "أحد البنود الرئيسية على جدول أعمالنا هو المعادن النفيسة "، مؤكداً على التركيز على توسيع "سلاسل إمدادات المعادن النفيسة لدينا" .والجدير بالذكر أن كازاخستان، وفقاً لوزارة الداخلية الأمريكية، تنتج أو تمتلك احتياطيات ما يقرب من نصف المعادن الحرجة الستين الأساسية للأمن القومي الأمريكي. ومع اشتداد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، أصبحت المعادن النفيسة – وحصول كلا الجانبين عليها – في صميم المنافسة بشكل متزايد.
تعتمد الولايات المتحدة وكازاخستان، مثل عدد كبير من البلدان، اعتماداً كبيراً على الصين في سلسلة توريد المعادن النفيسة. من بين الفوائد العديدة لانضمام كازاخستان إلى اتفاقيات "أبراهام" أن هذا الترتيب يفتح المجال أمام واشنطن وشركائها لتنويع سلاسل توريد المعادن النفيسة، في إطار مسعى لتقليل الاعتماد على الصين.
لماذا اتفاقيات "أبراهام"
كان انضمام كازاخستان إلى اتفاقيات "أبراهام" خطوة غير تقليدية، إذ انضم الموقعون السابقون أساساً بغرض تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وغالباً ما تم ذلك بتشجيع من الولايات المتحدة مقابل وحوافز ثنائية محددة. ومن ثم، يمثل انضمام كازاخستان تحولاً ملحوظاً في نهج الولايات المتحدة، من التركيز على دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي لا تربطها علاقات دبلوماسية بإسرائيل أو تربطها علاقات محدودة، إلى الانفتاح على دول خارج المنطقة قد تكون لديها علاقات دبلوماسية سابقة.
باعتبارها الإنجاز الأبرز للرئيس ترامب في مجال السياسة الخارجية، يمكن أن تكون اتفاقيات "أبراهام" أداة قوية لتسهيل سلاسل التوريد الجديدة للمعادن النفيسة بفضل الدعم الثابت من إدارته. كما يمكن لواشنطن أن تربط شركاءها في الشرق الأوسط الذين لديهم طموحات لتشييد بنية تحتية محلية للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا بشركاء جدد أغنياء بالموارد المعدنية النفيسة، مع تقليل دور الصين في سلاسل التوريد الجديدة هذه، مما يخدم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة.
تعتبر كازاخستان أكبر منتج لليورانيوم في العالم، حيث توفر40 في المئة من الإمدادات العالمية، وتحتل المرتبة الثالثة في إنتاج التيتانيوم، والسابعة في إنتاج الزنك، والثامنة في إنتاج الرصاص، والحادية عشرة في إنتاج الذهب. وفيما يتعلق باحتياطيات المعادن، تحتل المرتبة الثانية في احتياطيات خام المنغنيز والمرتبة الثامنة في احتياطيات الحديد العالمية. بالإضافة إلى ذلك، تمتلك كازاخستان 30 في المئة من رواسب خام الكروميت في العالم و95 في المئة من احتياطيات الكروم التي تعتبر أساسية في مجموعة متنوعة من التطبيقات الصناعية. ومؤخراً، اكتشفت رواسب معادن نادرة في منطقة كارقندا، حيث تشير بعض التقديرات إلى أنها تمتلك أكثر من 20 مليون طن. وفى حال تأكيد ذلك، فقد يلبي هذا الطلب الأمريكي على مغناطيس النيوديميوم، المستخدم في الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية والآلات الصناعية.
ومع ذلك، تربط كازاخستان علاقات اقتصادية طويلة الأمد مع الصين، التي تعد أكبر شريك تجاري لها، حيث تشتري حوالي 27 في المئة من إجمالي صادراتها من المعادن و 30 في المئة من صادراتها من اليورانيوم الطبيعي. كما تعتمد كازاخستان بشكل كبير على الصينيين في الاستثمارات المحلية. ومنذ إطلاق مبادرة الحزام والطريق في عام 2013، بلغت القيمة الإجمالية للاستثمارات الصينية المباشرة الأجنبية (FDI) في كازاخستان 5.9 مليار دولار، منها 4.7 مليار دولار في قطاعات التصنيع والتجهيز واستخراج الموارد الطبيعية. وقد أثمرت هذه الاستثمارات عن عدة مشاريع، من بينها البناء المشترك لمنشأة متطورة لصهر النحاس في منطقة أباي، على أن تبدأ العمل بحلول عام 2028.
ومع ذلك، لدى كازاخستان قلق متزايد بشأن مخاطر الاعتماد الاقتصادي، حيث قال زاندوس شايماردانوف، مدير معهد كازاخستان للدراسات الاستراتيجية، مؤخراً في منتدى الدوحة: "بالنسبة لنا، الاستقلالية لا تعني اختيار جانب، بل تنويع شراكاتنا الاستراتيجية". وانعكاساً لهذا النهج، انضمت كازاخستان مؤخراً إلى منتدى شراكة أمن المعادن (MSP)، وهو مبادرة تقودها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتعزيز تطوير سلاسل إمداد مستدامة للمعادن النفيسة من خلال تنسيق الاستثمارات على مستوى الصناعة والحكومة. على مستوى القطاع الخاص، أعلنت شركة "Cove Capital LLC" الأمريكية وشركة "Kaz Resources" الكازاخستانية مؤخراً عن زيادة التنسيق بينهما، والتزامهما باستكشاف المعادن النفيسة وتطوير الموارد في كازاخستان.
المصالح المشتركة
في نيسان/أبريل 2025، ردت الصين على الرسوم الجمركية المتبادلة التي فرضها الرئيس ترامب بفرض قيود على تصدير العديد من المعادن النفيسة، ووسعت مؤخراً نطاق هذه القيود لتشمل العناصر المستخدمة في الدفاع الاستراتيجي وتطبيقات الرقائق. ونظراً لاحتكار الصين لجزء كبير من سلسلة توريد المعادن النفيسة، فإن مثل هذه القيود قد تكون مدمرة للولايات المتحدة والعديد من حلفائها. في الوقت الذي تحاول فيه واشنطن تنويع نقاط الدخول والخروج على طول سلسلة توريد المعادن النفيسة، تبحث إدارة ترامب عن المساعدة من حلفائها. وهي ليست وحدها في ذلك، فقد أعلنت العديد من الدول الأخرى عن استراتيجيات تتعلق بالمعادن النفيسة لتنويع سلاسل التوريد لديها وتعزيز اقتصاداتها.
تسعى إسرائيل أيضاً إلى تأمين دورها في سلسلة توريد المعادن النفيسة والوصول إليها. كما تؤكد حاجتها الملحة إلى المعادن الاستراتيجية لدفاعها وصناعاتها التكنولوجية المتطورة على أهمية إضافة كازاخستان إلى الاتفاقيات، وهي دولة مألوفة تتمتع بوفرة من المعادن النفيسة. ويتمتع قطاع الابتكار في إسرائيل بالقدرة على تطوير تكنولوجيا التعدين والتكرير التي تتفوق في كفاءة الطاقة ودورة حياة المعدات وعمليات إعادة تدوير المعادن واللوجستيات، مما يوفر فرصاً للتطوير في المراحل النهائية لكازاخستان.
تعتمد دول الشرق الأوسط، ولا سيما دول الخليج التي ترغب في الريادة في مجال الطاقة الخضراء والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، على المعادن النفيسة. وقد خصصت الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، العضوان الأصليان في اتفاقيات "أبراهام"، موارد لتحقيق هذه الطموحات.
تستثمر الإمارات العربية المتحدة بالفعل في مشاريع التعدين العالمية مع تعزيز قدراتها التكريرية، وقد أشارت مراراً أن المعادن ضرورية لتحقيق التنويع بعد مرحلة ما بعد الهيدروكربونات. بالإضافة إلى ذلك، انضم "صندوق الثروة السيادي" الإماراتي " القابضة" (ADQ) إلى تحالف Critical Minerals Consortium (Orion CMC) بقيمة 1.8 مليار دولار إلى جانب “Orion Resource Partners" ومؤسسة تمويل التنمية الأمريكية(DFC). ويعمل هذا الاتحاد الذي تم إنشاؤه لتأمين الاستثمار لفرص التعدين والتكرير على المدى القريب، على معالجة الفجوات الصارخة في التمويل المشترك بين الولايات المتحدة وحلفائها في وقت أصبحت فيه الشراكات الدولية ضرورية لتوسيع أمن الموارد.
في أوائل أيلول/سبتمبر، أعلنت البحرين عن رعايتها لشركة "Impossible Metals"، وهي شركة ناشئة في وادي السيليكون تهدف إلى استخراج المعادن النفيسة من قاع المحيط الهادئ. وتتوافق هذه الخطوة مع أمر تنفيذي صدر في نيسان/أبريل يهدف إلى ترسيخ "مكانة الولايات المتحدة كرائدة عالمية في مجال التنقيب المسؤول عن المعادن في قاع البحر "، وهو مجال تتمتع فيه الصين بحضور قوي.
التوصيات
من أجل تحقيق أقصى استفادة من انضمام كازاخستان إلى اتفاقيات "أبراهام"، يمكن أن يسهم توسيع نطاقها عبر إنشاء مجموعة عمل متعددة الأطراف متخصصة بالمعادن النفيسة وتعزيز مبادرات الاستثمار المشترك في تعزيز تبادل الموارد بين الأطراف الموقعة. كما يمكن أن يكون ذلك بمثابة رافعة لواشنطن وحلفائها في المنافسة الاستراتيجية مع الصين. ومن ثم، ينبغي أن تعمل الولايات المتحدة على:
- تشجيع الدول الأخرى التي تربطها علاقات بإسرائيل وتمتلك احتياطيات معدنية حيوية رئيسية على الانضمام إلى اتفاقيات "أبراهام". يجب على واشنطن تسهيل انضمام أوزبكستان، وطاجيكستان، وقيرغيزستان، وأذربيجان، التي تمتلك رواسب غنية من المعادن النفيسة مثل الإنديوم والرينيوم والسيلينيوم والتيلوريوم، بالإضافة إلى احتياطيات هائلة من الأنتيمون، والتي تعتبر جميعها حيوية في صناعات أشباه الموصلات الاستراتيجية والفضاء والدفاع والطاقة المتجددة. كما أن توسيع اتفاقيات "أبراهام" قد يزيد من جاذبيتها للدول الأخرى، مما يعزز نمو الشبكة بشكل أوسع.
- إنشاء مجموعة عمل متعددة الأطراف معنية بالمعادن النفيسة بين دول اتفاقيات "أبراهام". ينبغي على إدارة ترامب الاستفادة من فرص الموارد في كازاخستان، خاصة بالنظر إلى تردد شركاء إسرائيل في اتفاقيات "أبراهام" في الانعقاد منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وينبغي عليها أن تدفع نحو إنشاء بنية تحتية دبلوماسية دائمة مع كل دولة من دول اتفاقيات "أبراهام" لتنسيق وتوفير الرقابة وتحقيق الطموحات المتبادلة في مجال المعادن النفيسة. ويجب أن تكون هذه الجهود متأنية وتدريجية حتى لا تُثني الدول عن المشاركة لأسباب سياسية، مع التركيز على هدف واضح ومحدد ومشترك، وهو بناء نظام بيئي متكامل للمعادن النفيسة.
توسيع فرص الاستثمار المشترك للشركاء من أجل أمن المعادن النفيسة. يمكن أن يتخذ ذلك أشكالاً عديدة، ولكن يجب أن تكون الأولوية لتوسيع مبادرة “Orion CMC، وهي أكبر مبادرة نشطة للولايات المتحدة لتعبئة الاستثمار المشترك في مشاريع جاهزة للإنتاج - لتشمل دول اتفاقيات "أبراهام" الأخرى.