أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

Fikra Forum

Fikra Forum

خلق الحوار. التأثير على السياسة.

Generating Dialogue. Impacting Policy.

تعليقات توماس باركر حول مقال ماجد عاطف بعنوان "الانتخابات الكاشفة وسياسة ‘فرق تسد’"


متاح أيضاً في English

21 آذار/مارس 2018

أود أن أشكر السيد ماجد عاطف على مقاله الراقي حول الانتخابات المصرية المقبلة. لقد قرأته عدة مرات بمتعة واهتمام بالغين بما أن مصر هي إحدى أهم دول العالم بأسره، وليس العالم العربي فحسب. تتخطى تعليقاتي هنا نطاق التحليل الذي قدمه عاطف، حيث تهدف إلى استشراف خيارات السياسة الأمريكية وإلى مستقبل مصر السياسي على المدى الطويل.

إن مقاربة الولايات المتحدة المثلى حيال هذا النوع من الانتخابات الأقل من ديمقراطية التي تديرها حكومات صديقة على غرار الحكومة المصرية دائمًا ما تطرح معضلات على صعيد السياسات.

أولًا، لا تريد الولايات المتحدة أن تقوّض علاقاتها مع زعيم سياسي مثل الرئيس السيسي الذي سيبقى في السلطة. لذا لا بدّ من التساؤل عن جدوى انتقاد عملية انتخابية نتيجتها مؤكدة.

ثانيًا، قد يكون لدى الولايات المتحدة أولويات أخرى غير الحوكمة المحلية. والأكثر إلحاحا الآن، هو أن الولايات المتحدة تحتاج إلى تعاون مصر في مسألة كوريا الشمالية بما أن القاهرة اشترت أسلحةً كورية الصنع وسمحت لدبلوماسيين من كوريا الشمالية باستخدام سفارتهم في مصر كقاعدة للمبيعات العسكرية في المنطقة. وبما أن كوريا الشمالية توشك على امتلاك القدرة على تدمير مدن في أمريكا الشمالية، يُعتبر عزلها من أبرز اهتمامات الولايات المتحدة.

ثالثًا، يتحدث البعض في الولايات المتحدة في المجالس الخاصة عن شكوك حول ما إذا كانت أي انتخابات ديمقراطية حقيقية تجري في العالم العربي في ظل الظروف الحالية. فهل من المحتمل ألا يؤدي إجراء انتخابات حرة إلى انتخاب الأحزاب الدينية المستبدة المعادية للولايات المتحدة والأكثر قمعًا من الأنظمة التي تحل محلها؟ هذا ما حصل في مصر مع جماعة "الإخوان المسلمين" عام 2013 وحركة "حماس" عام 2007 في قطاع غزة. قد يعتبر البعض أنه لن تتمّ إعادة انتخاب هذه الأنظمة الدينية الأوتوقراطية، لكنها حتمًا نادرًا ما تمنح المعارضة السياسية فرصةً عادلة لاستعادة السلطة من خلال صناديق الاقتراع.

ما الذي بإمكان الولايات المتحدة فعله؟

رغم هذه الاعتبارات، فإن الولايات المتحدة قادرة وتقوم عادةً باستخدام الدبلوماسية الخاصة لحث الأنظمة الصديقة على تجنب التكتيكات المجحفة للغاية خلال هذه الانتخابات المنسقة. فعلى سبيل المثال، تقوم الحكومات الأمريكية والأوروبية بشكل شبه مؤكد بحضّ السلطات المصرية على تجنب العنف الجسدي مع المرشحين. فما من عذر للاعتداء العنيف الذي تعرض له المستشار هشام جنينة، وهو الرئيس السابق لـ “الجهاز المركزي للمحاسبات" ونائب الفريق عنان، ونُقل على أثره إلى العناية الفائقة، كما نقل السيد عاطف.

على الجيش البقاء بعيدًا عن الأنظار

أشار السيد عاطف إلى نقطة مفيدة تمثلت بخطر آخر يتنامى ويهدد الاستقرار السياسي. فبرأيه، أصبح الجيش المصري مسيطرًا أكثر فأكثر على الاقتصاد المصري، ولم يعد يسعى إلى الاضطلاع بدور الشريك السياسي المتخفي. عوضًا عن ذلك، تبدو شراكة الرئيس السيسي مع الجيش جليةً للبلد بأسره.

ومن شأن هذا الأمر أن يعزز قبضة الرئيس على السلطة على المدى القصير، لكنه قد يهدد الاستقرار السياسي المستقبلي. فالاستياء من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية قد ينعكس بسهولة سلبًا على الجيش نفسه. وكلما بقي على الحياد، كلما خفت حدة النزاع وازدادت قدرة البقاء.

لمَ يجب أن تكون ولاية الرئيس السيسي التالية هي الأخيرة

ثمة خطر محتمل آخر يهدد الاستقرار السياسي في مصر. فقد كان عدد من النواب والوجوه الإعلامية الموالين للحكومة يطالبون بتعديل الدستور للسماح للرئيس بالبقاء في السلطة لأكثر من ولايتين تمتد كل منهما على أربع سنوات. وقد قال الرئيس السيسي عبر قناة "سي أن بي سي" التلفزيونية في تشرين الثاني/نوفمبر 2017 إنه لا يؤيد هذا الاقتراح مؤكدًا أنه "مع الالتزام بفترتين رئاسيتين مدة الواحدة منهما أربع سنوات ومع عدم تغيير هذا النظام... لن نقوم بتعديله". لكن في وقت لاحق من المقابلة، بدا أنه يحتفظ لنفسه بهامش مناورة حيث أشار إلى أنه قد يبقى في السلطة إن كانت هذه "إرادة الشعب". ويدل ذلك على حملة منسقة يوافق فيها الرئيس على "مطلب الشعب" بالبقاء في سدة الرئاسة لولاية ثالثة لاحقة.

وتعتزم مصر، إلى جانب الصفوة الحاكمة فيها، ضمان أن تكون ولاية الرئيس السيسي الثانية هي الأخيرة. فجزء من المشكلة مع نموذج مبارك هو أن الشعب، وبشكل مفهوم، لا يبقى راضيًا عن أي قائد، بغض النظر عن مدى كفاءته، بعد بقائه لسنوات طويلة في الحكم. وحتمًا كان يمكن تجنيب مصر أعباء الانفجار السياسي الذي اندلع عام 2011 لو كان هناك خلافة منتظمة ضمن الحزب الحاكم. وفي حال أصبح أي زعيم مصري منفرد، بما فيه الرئيس السيسي، مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالوضع القائم، من المرجح أن تشهد البلاد انتفاضةً سياسية أخرى.

الخلاصة

يمكن للمرء أن يقول إن الانتخابات الديمقراطية الناجحة غالبًا ما تحتاج إلى الانطلاق من قاعدة صلبة لتحقيق ازدهار اقتصادي وحداثة اجتماعية معتدلين على الأقل. وتُشكل تونس مثالًا، ولو هشًا، على دولة عربية ديمقراطية ترتسم معالمها ببطء بالتزامن مع إحراز تقدم نسبي على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، وذلك - على عكس الوضع في مصر.

لكن هذا لا يعني أن الانتخابات المصرية هي ممارسة غير صادقة بالكامل. فطالما يمكن لمراقبين شجعان وذوي بصيرة على غرار السيد عاطف تحليلها والتعليق عليها، إذًا هناك أمل بأن نشهد على المدى الأطول تبلور عملية سياسية أكثر حريةً مع تحسن الظروف الاقتصادية والاجتماعية.

Customize your RSS Feed