أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

Fikra Forum

Fikra Forum

خلق الحوار. التأثير على السياسة.

Generating Dialogue. Impacting Policy.

إيران وإسرائيل وسوريا والولايات المتحدة: وجهات نظر من الصين


متاح أيضاً في English

6 حزيران/يونيو 2018

في الأسبوع القادم، من المقرَّر أن يزور الرئيس الإيراني روحاني الصين لحضور قمة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ على هامش اجتماعٍ لـ “منظمة شانغهاي للتعاون". ومنذ أسبوعين، صدف أن ألقيتُ خطابًا في شانغهاي في اجتماعٍ متوسط الحجم وُصف بأنه "المؤتمر الأول المنعقد في الصين حول سوريا"، وضمّ مستشارًا في شؤون السياسة الخارجية الإيرانية يتمتع بنفوذ كبير، وكانت ترعاه بشكلٍ مشترك مؤسستان محليتان رائدتان (وقد سهّلت انعقاده السفارة الصينية في واشنطن). ووفّر تواجد مجموعة متنوعة من كبار الشخصيات في هذا المنتدى المغلق، غير الرسمي نسبيًّا إنما المكثّف، فرصةً نادرةً لتكوين انطباعات مباشرة عن التفاعل بين الصينيين والإيرانيين والسوريين وَجِهات فاعلة رئيسية أخرى في مشهد الشرق الأوسط الصاعد الذي تتعدد فيه الأقطاب أكثر فأكثر.

شمل المتحدثون في المؤتمر مزيجًا غير اعتيادي من مسؤولين ومختصين هم: المبعوثون الخاصون من الصين وبريطانيا وفرنسا المعنيون بسوريا، والمستشار السياسيّ الرفيع المستوى من الأمم المتحدة المعنيّ بتلك المسألة، وممثل الحكومة السورية (لكن من غير المعارضة)، ونائب القنصل العام الروسي، بالإضافة إلى دبلوماسيين وخبراء من مصر والأردن ولبنان وتركيا. لكن ربما كان المتحدث الزميل الأكثر إثارةً للاهتمام في المؤتمر قائدًا إيرانيًّا رفيع المستوى في "الحرس الثوري الإيراني"، وهو أحد مؤسسي "حزب الله"، ولاعب أساسي في فضيحة إيران كونترا المتعلقة بالرهائن، وسفير سابق لإيران في كل من سوريا ولبنان. وقد تحدث في جلسة خاصة مكرَّسة للاتفاق النووي الخاص بـ “خطة العمل الشاملة المشتركة" بين إيران ومجموعة 5+1 من القوى العظمى، التي تشمل الصين كعضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

أهم ما استخلصتُه من سياسة الصين الخاصة في هذا الميدان هو ما يلي: العزم القوي على الحفاظ على "خطة العمل الشاملة المشتركة"، على الرغم من انسحاب الرئيس ترامب مؤخرًا منها؛ والرغبة الواضحة في التوصل إلى "تسوية سياسية" بقيادة الأمم المتحدة في سوريا، سواء لتفادي النزاع الإقليمي الأوسع، أو للسماح للصين بالاستفادة من جهد إعادة الإعمار المقبل في البلاد. ومن المؤكد أن النقطة الأولى ستلقى ترحيبًا لطيفًا لدى روحاني في الأسبوع القادم؛ أما النقطة الثانية، فربما لن تحظى بهذا القدر من الترحيب. إلى ذلك، أعرب بعض المشاركين الصينيين عن إقرارٍ ضمني بهواجس إسرائيل الأمنية في ما يخص الامتداد المحتمل للنزاع السوري – لكنهم حذّروا من أي تصعيد عسكري إضافي يقوم به أي طرف.

ستشرح بعض الاقتباسات المنتقاة من أهم الضيوف المسؤولين هذه النقاط الأساسية قليلًا. فقد حذّر دبلوماسي صيني رفيع المستوى من شبح المواجهة العسكرية على نطاقٍ أوسع بكثير من سوريا، وما وراءها. ولهذا السبب، قال بنبرةٍ رزينة، "نحن بحاجة لأن تسيطر رؤوسٌ أكثر هدوءًا". إلا أنه اكتفى بذلك ولم يحدد كيف أو حتى إذا ما كان يعتقد أنه يمكن تحقيق هذا الهدف فعليًّا. وبالمثل، تم ذكر شيه كسياويان، المبعوث الصيني الخاص لسوريا وسفير سابق في طهران (2002-10)، في صحيفة «تشاينا ديلى» حيث قال إن “القضية السورية هي أكثر من مجرد مشكلة محلية، لكنها أثرت على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم بأسره ".

على نطاقٍ أوسع، وفي حديثٍ عن سوريا في سياق المنطقة ككل، استعرض مسؤول أكاديمي صيني رفيع المستوى رؤية الصين للشرق الأوسط. فقال إن الأمم المتحدة يجب أن تأخذ زمام المبادرة في إيقاف كل النزاعات الخارجية الفارغة من أي معنى في ذلك الجزء من آسيا. ولحسن الحظ، بغض النظر عن مشاكل سوريا الخاصة، يحيد الشرق الأوسط بشكلٍ شامل عن التطرف، ويتجه تركيزه أكثر فأكثر نحو المسائل الداخلية. وتشجّع الصين هذه النزعة الإيجابية، وترغب في تأدية دورٍ أكبر فيها (على نحوٍ لا يخلو من التناقض نوعًا ما، كما أفترض). ويجب أن تكون الأولوية الجديدة للمنطقة "التنمية، بدلًا من الديمقراطية". فما من تصريحٍ للصين أوضح من ذلك التصريح حول أولوياتها الخاصة، إن داخل الوطن أو خارجه.

بالنسبة إلى نظيري الإيراني في المؤتمر، فقد لفتني تشديده عدة مرات على التنسيق الوثيق مع كل من روسيا وتركيا في ما يتعلق بالسياسة السورية، حيث صرح بأن هذه البلدان الثلاثة هي مسؤولة معًا عن التطورات في ذلك البلد اليوم، طبعًا بالتشاور مع السلطات المحلية.  ومن الجدير بالملاحظة أن هذا الشعور بدا متبادلًا تمامًا بين ممثلي روسيا وتركيا، رغم التقارير المتكررة حول الاختلافات التكتيكية بين هذه القوى الأجنبية الثلاث بشأن الأرض السورية.

كما تجدر ملاحظة العدائية المستمرة التي أبداها المبعوث الإيراني إنما بعباراتٍ مدروسة إزاء أي تواجد أمريكي أو إسرائيلي في سوريا – أو، على قدم المساواة، في أي مكان آخر في المنطقة. ولم يوجّه أي تهديد صريح بالرد على الهجمات الإسرائيلية ضد قواعد إيران و"حزب الله" في سوريا، بعد أن برز هذا الأمر بوضوح في بداية الحديث في المؤتمر. لكنه قال إن إسرائيل تريد تغيير النظام في دمشق، وهي بالتالي متخوفة من أي تسوية سياسية قد تُرسي الاستقرار في سوريا – وإسرائيل تجر الولايات المتحدة إلى هذه المعمعة، بهدف تمديد الأزمة تحديدًا. ولم يفسّر كيف يتماشى ذلك مع وعده الخاص بأن إيران سوف تغادر البلد إذا ساد الاستقرار في سوريا – وهو أمرٌ ترغب فيه إسرائيل أكثر من أي شيءٍ حاليًّا.

إلا أن تفاعل المبعوث الإيراني مع المتحدثين الآخرين لم يخلُ من حس فكاهته. ففي لحظةٍ معينة، هنّأته على قوله إن “إيران لا تريد أن تبقى جيش احتلالٍ في سوريا– مضيفًا أنني أرغب في أن يتحقق ذلك، مع أنني أشك كثيرًا في مصداقية إيران. وتَرافقَ قوله مع الضحكات الخافتة والابتسامات في أرجاء القاعة. وقد سارع إلى توضيح مزعمه بأن إيران لها حق التواجد في سوريا حتى الآن بدعوةٍ من الحكومة الشرعية المضيفة. لكنه أثنى لاحقًا على عرض المغادرة أخيرًا، مؤكّدًا أنه إذا طلبت الحكومة السورية ذلك، نرجو أن يعود حزب الله أيضًا إلى موطنه لبنان.

إلا أن القادة العسكريين الإيرانيين خلال الأيام القليلة الماضية نفوا وجود أي نية لهم بمغادرة سوريا؛ فضلاً عن تأكيد متحدثين إيرانيين آخرين –  كهادي محمدي على قناة الاتحاد في 1 يونيو / حزيران -  بأن "المقاومة"، التي تدعمها إيران، ستبقى على "الخطوط الأمامية" بما في ذلك الحدود الجنوبية لسورية وذلك بغض النظر عن أي صفقات تكتيكية. تكتسب هذه التأكيدات وزناً إضافياً في ظل تقارير جديدة موثوقة عن قيام الآلاف من قوات حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية في تلك المنطقة ببساطة بخلع بزاتها العسكرية الأجنبية وارتداء تلك السورية.

يتناقض ما سبق بشكل كامل مع ما صرّح به مؤخراً الرئيس السوري بشار الأسد، في مقابلته التي أجراها مع قناة "روسيا اليوم" بتاريخ 31 أيار/مايو، والتي قال فيها بأنه "ليس لدينا قوات إيرانية في سوريا، بل فقط ضباط إيرانيون يقدمون المساعدة للجيش السوري"، كما تم تكرار ذات الأقاويل والتشديد عليها من قبل أحد المسؤولين السوريين في المؤتمر في شنغهاي. وفي الواقع، كان الوحيد الذي صرّح بأن الحكومة السورية (وليس "النظام"، حيث شدد كثيراً على هذه النقطة) والجيش السوري هما المسؤولان وحدهما وبالكامل وبالمطلق وبشكل نهائي عن كل التطورات الجارية في بلاده، في حين صرّح مستشار وزارة الإعلام السورية بسام أبو عبد الله لصحيفة تشاينا ديلي: "يجب أن تنبع أي تسوية سياسية من الشعب السوري ويجب أن تمثل أصواتهم ومصالحهم".

في ختام المؤتمر، لخص أحد كبار المسؤولين بالأمم المتحدة الإجراءات واصفاً إياها بالإيجابية، إذ أشار إلى ما أسماه توافقاً في الآراء على بعض النقاط، رغم بعض الاختلافات الواضحة للغاية بين الأطراف. لقد وافق المشاركون، بشكل عام، على أن "التسوية السياسية" هي أفضل طريقة للتقدم في سوريا، وأن على الأمم المتحدة تولي زمام المبادرة في الترويج لها، وأن هناك حاجة ماسة إلى مثل هكذا تسوية لتفادي حرب إقليمية أوسع، فضلاً عن وجوب معالجة حالة الطوارئ الإنسانية، والبدء في عملية إعادة الإعمار في سوريا.

لم يعترض أحد على هذه التصريحات، وأشاد المشاركون الصينيون أنفسهم بها، حيث ذكرت صحيفة تشاينا ديلي نقلاً عن يي تشينغ، نائب رئيس معهد شنغهاي للدراسات الدولية، قوله: "رغم تبيان وجهات النظر والآراء، يؤمن المشاركون بأن على السورين أنفسهم حل القضية السورية من دون تدخل خارجي". إلا أنه بحسب النبرة العامة لهذه المناقشات، ولا سيما في ما يخص التدخلات الإيرانية، فيبدو أن إمكانية تحقيق هذا الهدف المشترك المفترض لـ "المجتمع الدولي" لا تزال بعيدة المنال إلى حد كبير.

Customize your RSS Feed