أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2797

توقعات ضئيلة من زيارة عباس

ديفيد ماكوفسكي

متاح أيضاً في English

2 أيار/مايو 2017


تُرجمت هذه المقالة بعد اجتماع عباس مع ترامب، وتستند على ملاحظات ديفيد ماكوفسكي في المنتدى السياسي الذي عقده معهد واشنطن في الأول من أيار/مايو. إنقر هنا لقراءة ملخص الملاحظات أو مشاهدة الفيديو للمتحدثين الآخرين.

 

[وقعت] زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى البيت الأبيض في الثالث من أيار/مايو في سياقٍ مختلف جداً عن مثيلتها السابقة في آذار/مارس 2014، مع بلوغ المساعي الدبلوماسية المكثفة بقيادة الولايات المتحدة أوجها في محاولة لكسر الجمود مع إسرائيل. ففي ذلك الاجتماع سعى الرئيس أوباما إلى الحصول على موافقة رئيس السلطة الفلسطينية على المبادئ [اللازمة] لإنهاء النزاع، ولكن هذه المرة لم يبدو أنه [كان] هناك مجالاً لمثل هذه الجهود الكبيرة. فاحتمال التوصل إلى أي نتيجة ملموسة من اجتماعه الأول مع الرئيس ترامب ضئيل للغاية.

ومن ثم، [ربما وفّرت] القمة فرصةً لإعادة التوفيق بين التوقعات والواقع الراهن الذي تتسع فيه الهوة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. فغالباً ما تحدّث الرئيس ترامب عن التوصل إلى "اتفاق نهائي" ولكنه لم يعبّر عن أي رغبة لفرض مسار معين على المفاوضات يؤدي إلى اتفاق الوضع النهائي الذي فشل أسلافه طويلاً في تحقيقه. وفي هذا الإطار ربما [جاءت] تصريحاته بشأن هذه المسألة منسجمةً مع المقاربة التكتيتية الظاهرية التي ينتهجها في سياقات أخرى، وتتمثل تحديداً بالإعلان عن هدف أقصى ولكن القبول بأقل منه.

تغيُّر في طرق التفكير

 [شكّل] هذا الاجتماع على الأقل أداةً لتعزيز أهمية الرئيس عباس لدى نظرائه الزعماء العرب، حتى وإن لم تكن هناك فائدة من هذا اللقاء. فما أن تم دعوة الرئيس الفلسطيني للاجتماع في البيت الأبيض فقد دُعي أيضاً للقاء  كل من الرئيس المصري والعاهل الأردني. وخلافاً لقادة «حماس» في غزة - الذين يتجنبون التعامل مع واشنطن التزاماً بمبادئهم ويُعتبرون أيضاً منبوذين في معظم الدول الغربية - يرى قادة السلطة الفلسطينية أن العلاقات مع الولايات المتحدة هي نعمة في مكانتهم الإقليمية.

وفي المقابل، يبدو أن عباس [قد أدرك] أنه لن يحظى بالمعاملة نفسها التي لقيها خلال عهد أوباما، حين كان العبء ملقىً على عاتق إسرائيل أساساً لتغيير سياستها الاستيطانية دون الحاجة إلى قيام الفلسطينيين باتخاذ خطوة صعبة على نحو متناسب. فقد صرّح مؤخراً لصحيفة "أساهي شيمبون" اليابانية أنه مستعد للاجتماع مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برعاية أمريكية، وهذا أمر لم يقدم عليه منذ عام 2010. ويشير ذلك إلى أنه أكثر انفتاحاً اليوم على خطوات لم يكن قد أقدم على اتخاذها خلال إدارة أوباما، على غرار طرح فكرة اللقاء مع نتنياهو بحضور ترامب عند زيارة الرئيس الأمريكي لإسرائيل في وقت لاحق من هذا الشهر. وهو الأمر بالنسبة للتصريح الأخير الذي أدلى به عباس حول الامتناع عن دفع فواتير الكهرباء في غزة، الذي قد يدل على أنه مستعد لاتخاذ موقف صارم من «حماس» بدلاً من الاستمرار في سياسة الحياد التي يتبعها منذ سنوات.

عدم وجود جدول أعمال نهائي، بل المزيد من الضغط

ليس هناك برنامج سياسات واضح مطروح للنقاش في الوقت الراهن، حتى لو عقد ترامب ونتنياهو وعباس اجتماعاً ثلاثياً في وقت لاحق من هذا الشهر، كما ليس هناك أي إطار عمل ثابت يمكن على أساسه بدء المحادثات المستقبلية. ففي أعقاب مؤتمر أنابوليس في عام 2007، اعتاد عباس على إصرار الولايات المتحدة على إجراء مفاوضات تهدف إلى إنهاء الصراع، ومع ذلك لا يمكن أن يَفترض أن هذا الموقف لا يزال قائماً حالياً على ما هو عليه. فالحكمة الشائعة في واشنطن تتمثل في أن خلافاته مع نتنياهو كبيرة للغاية، خاصة حول المسائل الجوهرية مثل الحدود والترتيبات الأمنية واللاجئين والقدس. فهل يستطيع تكييف موقفه واتباع نهج أكثر تدرّجاً؟

وعلى وجه الخصوص، يتساءل المسؤولون الأمريكيون بهدوء عن الكيفية التي سيرد فيها عباس على وضعٍ جديد تفرض بموجبه الولايات المتحدة المزيد من الضغوط عليه ليثبت أنه شريكٌ في السلام. على سبيل المثال، على غرار طلب ترامب من نتنياهو الحد من النشاط الاستيطاني، [ربما أصرّ] الرئيس الأمريكي أيضاً على عباس وقف دفعات "مؤسسة الشهداء" للفلسطينيين الذين يرتكبون أعمال عنف ضد الإسرائيليين، ولأقارب الإرهابيين الذين يُقتلون أثناء ارتكابهم مثل هذه الهجمات. وقد يكون عباس أكثر قدرة على تلبية هذه المطالب إذا اعتقد أن واشنطن ستحث إسرائيل لاحقاً على تقديم المزيد من التنازلات سواء بشأن الحد من النشاط الاستيطاني أو تشجيع النشاط الاقتصادي الفلسطيني في بعض أقسام "المنطقة (ج)" (أي نسبة 60 في المائة من الضفة الغربية التي لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة).

دَوْر الدول العربية

إن السؤال المثير الذي [ربما طُرِح] خلال قمة هذا الأسبوع هو ما إذا كان [قد تم الاستفسار] من عباس عن المقاربة القائمة "من الخارج إلى الداخل" التي كان الرئيس ترامب قد ناقشها مع نتنياهو في شباط/فبراير. وتفترض كل من واشنطن والقدس أن المخاوف من التصرفات الإيرانية في المنطقة ستدفع الحكومات العربية السنية إلى التقرّب من إسرائيل، الأمر الذي ربما قد يشكل أداةً يمكن الاستفادة منها لإقناع تلك الحكومات بأن تكون أكثر حزماً بشأن القضية الفلسطينية. بيد تشكل هذه المسألة مصدر قلق لقادة السلطة الفلسطينية الذين يعتبرون أن مثل هذه الضغوط يمكن أن تقلل من نفوذهم في المفاوضات - ناهيك عن الدور الذي يضطلعون به منذ زمن طويل بوصفهم الحكام الوسطاء فيما إذا كان قد تم إحراز تقدم كاف في عملية السلام بما يبرر حتى ضمان التعاون العربي الإسرائيلي.

فهل [أدّى] الاجتماع مع ترامب إلى توازن جديد حول هذه المسألة؟ لقد أشارت الدول العربية حتى الآن، إلى أنها لن تتخطى الفلسطينيين بأي طريقة علنية خوفاً من دفع الثمن على ساحتها السياسية الداخلية. ويعني ذلك أنها ستحتفظ على الأرجح بعلاقاتها مع إسرائيل في مجاليْ الأمن ومكافحة الإرهاب تحت الطاولة في الوقت الحالي.

وفي غضون ذلك، يستطيع ترامب مساعدة عباس عبر الطلب من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وغيرهما من دول الخليج إصلاح علاقاتها المتوترة مع الرئيس الفلسطيني - وهذا طلبٌ قد يصغون إليه ولو لمجرد زيادة فرصهم لنيل مكافأة من ترامب على شكل خطوات أمريكية أكثر حزماً بشأن مصدر قلقهم الأكبر، وهو إيران. ومن شأن هذا التقارب أن يكون مهماً بشكل خاص فيما يتعلق بزيادة الدعم المالي الذي يكاد يكون مهملاً أو معدوماً من المناصرين العرب الصوريين للسلطة الفلسطينية. كما وتستطيع الإمارات والأردن - إذا ما تم تحفيزهما بشكل مناسب - مساعدة الفلسطينيين في مشاكلهم العميقة في مجال الحوكمة.

الميزانيات والسفارات

إنه لتفكير خاطئ أن نعتقد أن زيارة عباس [قد تمحورت] حول الضغط على الفلسطينيين وليس أكثر من ذلك. فخلال الزيارتين اللتين قام بهما مبعوث البيت الأبيض جيسون غرينبلات إلى الشرق الأوسط، أشار إلى أن الإدارة الأمريكية تفضّل توسيع فرص التنمية الاقتصادية للسلطة الفلسطينية. وبالمثل، تشير تقارير غير مؤكدة إلى أن الولايات المتحدة لا تنوي خفض المساعدات الممنوحة للفلسطينيين، وقد تزيدها قليلاً في الواقع. وتشمل المساعدات الأمريكية للفلسطينيين في عام 2017 ما يقرب من 280 مليون دولار في التمويل العام (تركز إلى حد كبير على مشاريع "الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية") و 50 مليون دولار أخرى لتحسين التعاون الأمني مع إسرائيل. ولكن أياً من هذه المعونة لم يأتِ على شكل مساعدات مباشرة في الميزانية - مما يشكل تناقضاً حاداً مع الوضع الذي كان قائماً قبل عام 2014، حين دعمت واشنطن ميزانية السلطة الفلسطينية بمبلغ إضافي قدره 200 مليون دولار، علماً بأن الميزانية كانت تخضع آنذاك لإشراف رئيس الوزراء سلام فياض الذي كان يحظى باحترام واسع لتركيزه على مشاريع التنمية والشفافية.

وثمة عامل آخر ربما [بعث] الطمأنينة في نفس عباس، وهو صمت الرئيس ترامب مؤخراً بشأن مسألة نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس الغربية، خلافاً لما صدر عنه في الأيام التي تلت تسلّمه الرئاسة. ففي مقابلة أجرتها صحيفة "واشنطن بوست" مع العاهل الأردني الملك عبدالله بعد وقت قصير من اجتماعه مع ترامب، اعتبر الملك أنه يجدر بالولايات المتحدة التريث بهذا الشأن ما لم تكن عملية الانتقال جزءاً من مجموعة مبادرات للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين. ومن المؤكد أن ترامب قد يفاجئ الناس بإعادة طرح القضية خلال زيارته لإسرائيل هذا الشهر. وفي المقابل، من الممكن أن تهدف هذه الزيارة جزئياً إلى التعويض عن وضعه مسألة السفارة جانباً. فوفقاً للقانون الأمريكي الصادر في عام 1995، يتعيّن على الرئيس التوقيع على وثيقة تنازل للأمن القومي كل ستة أشهر من أجل إبقاء السفارة في تل أبيب، وعلى ترامب التوقيع على الوثيقة المقبلة بحلول الأول من حزيران/يونيو (ومن المثير للاهتمام أنه سيقوم بزيارته لإسرائيل كجزء من رحلة إلى قمة "منظمة حلف شمال الأطلسي" ("الناتو") في بروكسل في 25 أيار/مايو، لذلك قد يكون في القدس في 23-24 أيار/مايو - التاريخ الذي سيحتفل به الإسرائيليون بالذكرى السنوية الخمسين لإعادة توحيد المدينة بعد حرب عام 1967).

المحصلة

 [كان] سياق القمة بين ترامب وعباس هذا الأسبوع مختلفاً إلى حد كبير عن الزيارات السابقة، والسؤال الذي يُطرح هنا هو ما إذا كان بإمكان الزعيمين إعادة ضبط التوقعات على هذا الأساس. ولا شك أن الرئيس ترامب قد [أظهر] اختلافه عن أوباما و [أراد] من عباس ونتنياهو أن يبرهنا أنهما قادران على تلبية طلباته. إن الفشل في تنفيذ هذه الطلبات قد يُفسد العلاقات في مرحلة مبكرة، ولن يكون الأمر مفيداً لا لعباس ولا لزعماء المنطقة الآخرين.

 

ديفيد ماكوفسكي هو زميل "زيغلر" المميز ومدير مشروع عملية السلام في الشرق الأوسط في معهد واشنطن. وتشمل منشوراته المذكرة السياسية لعام 2017 "نحو صيغةٍ جديدة لمعالجة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني" (التي شارك في تأليفها دينيس روس).