أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

صفحات رأي ومقالات

إذا كان الفلسطينيون يرغبون حقاً في السلام، فيجب ألّا يكون عنف "الشهداء" مربحاً

ديفيد ماكوفسكي, غيث العمري, و ليا وينر

متاح أيضاً في English

"واشنطن بوست"

6 نيسان/أبريل 2017


أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اهتمامه بمحاولة حلّ الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، ووصفه بأنه "الصفقة النهائية". وقد أرسل مؤخراً مبعوثه الخاص للسلام، جيسون غرينبلات، في أول زيارة للمنطقة. بيد، إن أي تقدم في هذا الاتجاه يجب أن يعالج أولاً انعدام الثقة القائم بين الجانبين.

فبالنسبة للفلسطينيين إن بناء المستوطنات الإسرائيلية هو ما يقوض ثقتهم، لأنهم يعتقدون إنّه يضعف ببطء ولكن بالتأكيد الإمكانية الجغرافية لنشوء الدولة الفلسطينية. وبالنسبة للإسرائيليين، إن التحريض الفلسطيني على العنف يثير شكوكاً كبيرة حول ما إذا كان الفلسطينيون جادون بشأن السلام.

ومن دون التلميح إلى أي تكافؤ أخلاقي، هناك تشابه بين الممارستين: فكلاهما يضعف الثقة بالجانب الآخر؛ بيد تتطلّب معالجة كلٍ منهما اتخاذ القادة لخطواتٍ صعبة من الناحية السياسية.

لقد كُتب الكثير عن عمليات الاستيطان الإسرائيلية، بما في ذلك من قبل المؤلفين. أما الفلسطينيين فيتعيّن أن يعالجوا، من جانبهم، مسألة التحريض.

لقد انخفض عدد العمليات الإرهابية الفعلية، بفضل التعاون الأمني الإسرائيلي-الفلسطيني إلى حد كبير، وبدعمٍ أساسي من الولايات المتحدة. إلّا أنّ هذا التعاون الأمني لم يرافقه تحوّل في الخطاب. فما زالت الخطابات الرسمية للسلطة الفلسطينية تشير إلى الفلسطينيين الذين يقتلون الإسرائيليين بـ "الشهداء" - وهو مصطلحٌ دخل منذ عقودٍ من الزمن إلى السياق الوطني، حيث اعتبر الفلسطينيون أنّ كافة الأعمال المعادية لإسرائيل، ومن بينها أعمال العنف، هي أشكالاً شرعية من المقاومة.

وفي هذا الصدد، تبرز الممارسة الفادحة المتمثلة بدفع مبالغ لعائلات الفلسطينيين الذين يشاركون في أعمالٍ إرهابية واضحة وللسجناء المدانين بمثل هذه الأعمال. وتنفق السلطة الفلسطينية ("السلطة") سنوياً أكثر من 300 مليون دولار أمريكي، أو ما نسبته 7.6 في المائة من ميزانيتها الإجمالية، لدعم مؤسستين معنيتين بمساعدة أسر "الشهداء" وللفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية.

وتبلغ الميزانية السنوية للصندوق الأول، وهو "مؤسسة رعاية أسر الشهداء والأسرى"، 173 مليون دولار أمريكي ويعمل ضمن وزارة الشؤون الاجتماعية التابعة للسلطة الفلسطينية. وتقدّم المؤسسة دعمها لأي فرد "جُرح أو قُتل أو تأثر بأي شكلٍ آخر نتيجة انضمامه إلى الثورة أو جراء وجود الثورة"، بما في ذلك المدنيين الذين أُصيبوا في عمليات "جيش الدفاع الإسرائيلي". واعتباراً من عام 2016، توفر المؤسسة مساعدة لحوالي 35100 عائلة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

أمّا البرنامج الثاني المكرّس لمساعدة الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، فمنصوص عليه في القانون الفلسطيني رقم 14 لعام 2004 بشأن مساعدة الأسرى في السجون الإسرائيلية. ومنذ دخول القانون حيّز التنفيذ، ترسل السلطة الفلسطينية رواتب شهرية للأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. وقد وضعت هذه "السلطة" نظام تعويضٍ رسمي كامل لمكافأة الأسرى الذين أمضوا وقتاً أطول في السجون الإسرائيلية بمناصب رسمية عند الإفراج عنهم، بما في ذلك توفير أشكال أخرى من المعاملة التفضيلية الاقتصادية. فعلى سبيل المثال، يحصل الفلسطينيون الذين ارتكبوا أعمال عنف يعاقَب عليها بالسجن ثلاثين عاماً راتباً شهرياً قدره 3 آلاف دولار أمريكي تقريباً، وهو مبلغٌ يوازي أربعة أضعاف معدّل الراتب الشهري في الضفة الغربية.

وفي أعقاب الضغوط الدولية المستمرة على السلطة الفلسطينية لوقف المدفوعات، بما في ذلك قانون أمريكي يطالب بتخفيض المساعدات المرسلة إلى الأسرى الفلسطينيين، نقل محمود عباس وزارة شؤون الأسرى من السلطة الفلسطينية إلى منظمة التحرير الفلسطينية التي يرأسها عباس أيضاً. وفي حين أنّ هذه المدفوعات قد غابت عن ميزانية السلطة الفلسطينية، أفادت تقارير ميزانية "السلطة" في حزيران/يونيو الماضي عن تحويل 137.45 مليون دولار أمريكي إلى منظمة التحرير الفلسطينية دعماً لبرنامج هذه الأخيرة لحماية الأسرى وعائلاتهم.

ويقول الفلسطينيون إن معظم هؤلاء الأسرى و "الشهداء" هم سجناء سياسيين ومتفرّجين أبرياء. أمّا إسرائيل، فتنفي بشدة أنّها تقوم باعتقال أشخاص أو احتجازهم بسبب آرائهم السياسية، بل تعمد إلى ذلك فقط في حال انخراطهم المباشر والواضح في التخطيط لأعمال العنف أو تنفيذها. وحتّى وفقاً للمنطق الفلسطيني، هناك حالات واضحة تماماً. فالفلسطيني الذي يطلق النار على إسرائيلي أو يطعنه أو يصدمه بقوة بملء إرادته مع نية لقتله، لا يمكن اعتباره سجيناً سياسياً في أي محاولة لتوسيع هذا المصطلح.

وكخطوة أولى وفورية، يجب على السلطة الفلسطينية أن تنهي مدفوعاتها في مثل هذه الحالات الواضحة. وستكون هناك حاجة إلى المزيد من التدقيق لتحديد الحالات المؤهلة لتلقي المساعدة الخاصة إذا تبيّن أنّ الأسرى - أو أياً منهم - لم يرتكبوا أعمال عنف. ويمكن أن يستمر الدعم للعائلات الفقيرة ولباقي الفلسطينيين المحتاجين، إلّا أنّه يجب ألّا يتمتّعوا بمعاملةٍ تفضيلية بشكلٍ يكافئ أعمال الإرهاب.

بيد، إنّ خطوةً كهذه قد تكون صعبة على المستوى السياسي، ولكنها تشكّل ضرورةً ملحّة من أجل الإشارة إلى الولايات المتحدة بأنّ الجانب الفلسطيني قادرٌ على اتخاذ قراراتٍ صعبة سعياً لتحقيق السلام. ومن شأن التركيز على هذه المسألة خلال الاجتماع القادم بين ترامب وعباس أن يضع العلاقات الأمريكية-الفلسطينية المتزعزعة على أسس أكثر ثباتاً مع الإدارة الجديدة.

ومن الضروري أيضاً البدء في إعادة بناء الثقة مع إسرائيل - تماماً كما يتعيّن على إسرائيل إتخاذ قراراتٍ صعبة خاصة بها لإظهار جدّيتها وإثارة الثقة. ولكن الأهمّ من ذلك أنه من الضروري التوضيح للشعب الفلسطيني أنّ السلام والإرهاب أمران متضاربان. ومن أجل إحراز تقدّم، يتعيّن على كلّ من الفلسطينيين والإسرائيليين أن يُظهروا التزامهم بالسلام، ليس فقط من خلال أقوالهم بل أيضاً باتخاذهم إجراءات - وحتى إجراءات صعبة -  بشكلٍ يبرهن على عزمهم أمام كل من شعبهم والجانب الآخر.

 

ديفيد ماكوفسكي هو زميل "زيغلر" المميز في معهد واشنطن ومدير مشروع عملية السلام في الشرق الأوسط، وشغل منصب مستشار أقدم سابق للمبعوث الأمريكى الخاص للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية. غيث العمري هو زميل أقدم في المعهد، وكان مستشاراً لفريق التفاوض الفلسطيني ورئيس الوزراء آنذاك محمود عباس. ليا وينر هي طالبة في السنة النهائية في جامعة ييل.