أفكار. أفعال. تأثير. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن: تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

صفحات أخرى

تحليل السياسات

المرصد السياسي 2967

التداعيات التقنية لإعلان ترامب حول «خطة العمل الشاملة المشتركة»

سايمون هندرسون

متاح أيضاً في English

9 أيار/مايو 2018


في خضم إعلان الرئيس ترامب انسحابه من «خطة العمل الشاملة المشتركة»، هدّدت إيران بتوسيع برنامجها النووي بما يتجاوز القيود المنصوص عليها في ذلك الاتفاق. ويتطلب تقييم الأهمية المحتملة لهذا التهديد إلقاء نظرة فاحصة على التفاصيل التقنية الكامنة وراء «خطة العمل الشاملة المشتركة» والقدرات النووية الحالية للنظام.

تخصيب اليورانيوم

إن محور المخاوف الرئيسية هو قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم. فاليورانيوم الطبيعي، المعروف باسم "يورانيوم-238"، يحتوي على 0.7٪ فقط من النظير الانشطاري "يورانيوم-235". وتعني كلمة الانشطارية القدرة على التفاعل المتسلسل. ففي مفاعل الطاقة المدنية، يتم التحكم بهذا التفاعل لتوليد الكهرباء، أمّا في القنبلة الذرية فيكون بدون ضوابط.

وفي هذا الصدد، يمكن لبعض مفاعلات الطاقة استخدام اليورانيوم الطبيعي، ولكن معظمها يستخدم اليورانيوم منخفض التخصيب الذي يحتوي على 3.5٪ من "اليورانيوم-235". ويتطلب صنع قنبلة ذرية يورانيوم عالي التخصيب الذي يحتوي على حوالي 90٪ من "اليورانيوم-235". لكن من الناحية النظرية، يمكن صنع جهاز متفجر نووي باستخدام 20٪ من "اليورانيوم-235". لذلك، تصنّف "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" هذا المستوى على أنه "عالي التخصيب".

وعادةً ما تتضمن عملية التخصيب دوران سداسي فلوريد اليورانيوم الغازي في أجهزة طرد مركزي فائقة السرعة، بهدف تغيير نسبة ذرات "اليورانيوم-238" إلى ذرات "اليورانيوم-235". ففي اليورانيوم الطبيعي، تبلغ هذه النسبة 993: 7. فعندما يصل "اليورانيوم-235" إلى حوالي 90٪ من المزيج، تكون النسبة 1: 7. أمّا المرحلتان المتوسطتان 3.5٪ و20٪ فلديهما تباعاً نسبة 193: 7 و 28: 7. بعبارة أخرى، حتى نسبة 3.5٪ تمثل مستوىً مرتفعاً من التخصيب، وحين تصل النسبة إلى 20٪ يكون قد تمّت معظم أعمال التخصيب، أي تم إزالة 965 ذرة "يورانيوم-238"، لتبقى الحاجة إلى فصل 27 ذرة أخرى ليصبح اليورانيوم صالحاً للاستخدام في الأسلحة النووية.

أجهزة الطرد المركزي

تقاس كفاءة الطرد المركزي من حيث قدرته على القيام بعملية الفصل هذه. ويُعرف القياس المعياري باسم "وحدة عمل الفصل" (SWU).

وتشمل عملية التخصيب مئات الآلات التي تم وصلها بالأنابيب "التعاقبية"، وجميعها تدور على مدار الساعة لعدة أشهر. وتعتمد مخرجات محطة الطرد المركزي على عدد أجهزة الطرد المركزي المستخدمة ونوعها وطول مدة دورانها.

وفي هذا الإطار، تملك إيران حالياً نموذجين للطرد المركزي، هما "IR-1" و "IR-2m"، بناءً على التصاميم التي حصلت عليها باكستان بشكل غير قانوني من برنامج تخصيب مدني أوروبي في السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن المنصرم. ووفقاً لمعلومات حكومية أمريكية غير سرية، تقدّر أجهزة الطرد المركزي الباكستانية "P-1" - وهي نفسها النموذج "IR-1" الإيراني -  بنحو وحدَتي فصل سنوياً. أمّا أجهزة "IR-2m" فهي مماثلة ولكنها غير مطابقة للأجهزة الباكستانية "P-2" التي تُقدّر بحوالي 4 وحدات فصل سنوياً.

ويشكّل طول الطرد المركزي أحد العوامل التي تحدد كفاءته (أو ارتفاعه، حيث يتم تثبيته رأسياً). وتُعد سرعة دورانه أيضاً من الأمور المهمة جداً. لذا يتمثل التحدي الرئيسي للتصميم في زيادة طول الجهاز وسرعته إلى أقصى حد مع تمكينه من مقاومة القوى التي تنشأ عند تشغيل الأنابيب التعاقبية، والتي تشمل ترددات الرنين التي يمكن أن تكون مدمِّرة.

عندما تم التوصل إلى الاتفاق النووي في عام 2015، كانت إيران تشغّل 19,138 جهاز طرد مركزي من طراز "IR-1" و  1,008 جهاز طرد مركزي من طراز "IR-2m". ووافقت إيران بموجب «خطة العمل الشاملة المشتركة» على خفض حصيلة "IR-1" إلى 6,104 والحد من مستوى التخصيب إلى 3.67 بالمائة. كما وافقت على وقف استخدام أجهزة الطرد المركزي من نوع "IR-2m" لأغراض نووية.

ما الذي يلزم لصنع قنبلة نووية؟

عادةً ما يتم الانفجار النووي باستخدام شحنات محددة الشكل للضغط على المواد الانشطارية (على سبيل المثال، اليورانيوم عالي التخصيب المستخدم في تصنيع الأسلحة) إلى أن يحدث تفاعل متسلسل. وفي هذا السياق، أكّدت المعلومات التي نشرها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأسبوع الماضي أن إيران عملت على تصاميم لأجهزة داخلية الانفجار قبل إبرام «خطة العمل الشاملة المشتركة»، وأنها كانت تهدف في البداية إلى بناء خمس قنابل ذرية.

ووفقاً لتقديرات أمريكية غير سرية، يحتاج السلاح النووي العادي إلى 25 كيلوغراماً/ 55 رطلاً على الأقل من اليورانيوم عالي التخصيب المخصص لصنع الأسلحة (على الرغم من أن التصميمات الأكثر تقدماً تتطلب 15 كيلوغراماً فقط). وفي هذا الإطار، يُعد اليورانيوم مادةً كثيفةً جداً تشابه الذهب في الوزن، لذا فإن نطاق 25 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب يشكّل قطراً يبلغ نحو 13.5 سم، أي بحجم فاكهة الزنباع (أي الليمون الهندي أو "الكريب فروت"). وفي حال الانطلاق من اليورانيوم الطبيعي، يتطلب صنع القنبلة  5,000 كيلوغراماً من المواد. أمّا إذا تم البدء من المادة المخصبة بنسبة 3.9 (لاستخدام رقم رسمي في الولايات المتحدة)، فستكون هناك حاجة إلى 1,750  كيلوغراماً فقط.

قبل التوقيع على الاتفاق النووي، كانت إيران تملك 7,154 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة 3.67٪ و196 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة 19.75٪. وبموجب «خطة العمل الشاملة المشتركة»، تم تخفيض هذه المخزونات إلى 300 كيلوغرام وصفر، على التوالي.

زمن الاختراق ونوايا إيران

تمّ تعريف الاختراق النووي على أنه الوقت اللازم لإنتاج ما يكفي من المواد الانشطارية لقنبلة نووية واحدة. فقبل الاتفاق النووي، كان قد بقي لإيران شهرين أو ثلاثة أشهر تقريباً [للوصول إلى مبتغاها]. إلّا أنّ «خطة العمل الشاملة المشتركة» أدّت إلى تمديد هذه المدة إلى سنةً واحدة. وتشير القاعدة الأساسية التي توفرها المعلومات الأمريكية غير السرية إلى أن 5 آلاف جهاز من نوع "P-1" قد ينتج هذه الكمية في غضون ستة أشهر، بينما يستغرق العدد ذاته من أجهزة "P-2" أربعة أشهر فقط.

أمّا بالنسبة إلى صنع قنبلة فعلية، فقد أكّد الأرشيف النووي الإيراني الذي صادرته إسرائيل مؤخراً السياق التاريخي لبرنامج الأسلحة النووية الخاص بالنظام. ولكن من غير المعروف ما إذا كان هذا البرنامج لا يزال موجوداً، وما مدى حجمه وتقدّمه في حال تواجده.

وفي الوقت الراهن، لم تذكر طهران كيف سترد على إعلان الرئيس ترامب. وقد هدّد مسؤولون إيرانيون في وقت سابق بزيادة كمية التخصيب ومستواه فور انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، إلا أنّ القيود التي تواجه إيران في تكنولوجيا الطرد المركزي يمكن أن تعوّق أي خطط من هذا القبيل، على الأقل في المدى القصير.

ومنذ عام 2015، تم تكليف أجهزة الطرد المركزي من نوع "IR-2m" الأكثر كفاءًة في إيران بإنتاج نظائر غير نووية، لذلك قد تكون ملوثة جداً [وغير صالحة] لأعمال تخصيب اليورانيوم. كما يُعتقد أن الأجهزة القديمة "IR-1"عاجزة عن تخصيب اليورانيوم بنسبة 90٪ بسبب قضايا دقيقة وإشكالية (أي أن الـ "U-235" يصبح غير مستقر). وتعمل إيران أيضاً على تصاميم أكثر تقدماً (تُسمّى "IR-4" و "IR-5" و "IR-6" و "IR-8") مع مستويات كفاءة تصل إلى 12 وحدة فصل سنوياً. ومع ذلك، عادةً ما تستغرق التصاميم الجديدة نحو عشر سنوات لتتحول إلى وحدات إنتاج، وحتى في هذه الحالة قد تكون غير عملية.

مسار البلوتونيوم

يُعد نظير البلوتونيوم "Pu-239"، مادةً نووية متفجرة أخرى أكثر عملية من الـ "U-235" من نواحٍ عديدة لأن هناك حاجة إلى كمية أقل بكثير لصنع سلاح نووي. ويسمح ذلك بتحضير جهاز أصغر بكثير وأكثر تناسباً وملاءمة لرأس حربي للصواريخ الباليستية أو الأسلحة التي تحملها الطائرات المقاتلة.

غير أن مسار إيران نحو تحضير قنبلة بلوتونيوم قد تمّ قطعها بواسطة «خطة العمل الشاملة المشتركة» التي وضعت قيوداً على مفاعلها البحثي الذي يعمل بالماء الثقيل. وإذا التزمت طهران بهذه القيود، فلا يمكن عكس تعديلات المفاعل.

احتمالات أخرى

تشمل الطرق البديلة لصنع قنبلة نووية الحصول على اليورانيوم عالي التخصيب من دولة نووية مثل كوريا الشمالية كهبة أو عن طريق البيع. (يُذكر أن الصين منحت باكستان مثل هذه المواد بالإضافة إلى تصميم للسلاح في أوائل الثمانينيات من القرن المنصرم). ويمكن أيضاً تفجير اليورانيوم عالي التخصيب المخصص لصنع الأسلحة بواسطة تصميم أشبه بماسورة البندقية، وهو أبسط من تصميم الانفجار الداخلي، وبالتالي لا يحتاج إلى اختبار مسبق على الرغم من أنه لا يمكن استخدامه مع البلوتونيوم). وتم استخدام هذا التصميم في القنبلة التي ألقيت على هيروشيما عام 1945. أمّا القنبلة التي أسقطت على ناغازاكي بعد بضعة أيام، فكانت عبارةً عن قنبلة بلوتونيوم ذات انفجار داخلي كان قد تم اختبارها سابقاً في صحراء نيو مكسيكو.

 

سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن.